الوقت - في أعقاب اندلاع موجة جديدة من الصدامات بين إيران والولايات المتحدة في الخليج الفارسي، تناول السيد حسن هاني زاده، الخبير في الشؤون الدولية، في حوار مع موقع "الوقت"، أبعاد وزوايا هذا التواجه. ويرى هاني زاده أن الولايات المتحدة تطمح للسيطرة على مضيق هرمز، مؤكداً أن الهدف النهائي لواشنطن من الهيمنة على الممرات البحرية هو حرمان الصين من نفط غرب آسيا.
إمكانية القيام بعملية أمريكية مباغتة عبر هجوم بري أو احتلال جزر
استهلّ الخبير حديثه بالتعليق على تصريحات ترامب الأخيرة، التي أعلن فيها انتهاء وقف إطلاق النار والبدء في حرب، قائلاً: «يجب أخذ تصريحات ترامب الأخيرة بشأن نهاية وقف إطلاق النار بين إيران وأمريكا على محمل الجد. وبالنظر إلى التطورات الراهنة، واقتراب منافسات كأس العالم من مراحلها الختامية، وانصراف تركيز إدارة ترامب نحو إيران، يبدو أن هذه التصريحات ليست مجرد دعاية سياسية، بل يجب التعامل معها ببالغ الحذر والدقة».
وتابع موضحاً أن القوات البحرية الأمريكية، وبناءً على أوامر ترامب، نفّذت خلال الأيام الماضية هجمات واسعة النطاق استهدفت منشآت حضرية ومدنية في جنوب إيران؛ وهي إجراءات قد تكون فاتحةً لدورة جديدة من المواجهات البحرية والجوية، بل وقد تمتد لتكتسي أبعاداً بريةً.
من جهة أخرى، تتوارد تقارير تفيد بأن جماعات انفصالية في إقليم كردستان العراق، وفي المناطق المتاخمة لجنوب شرق إيران، تخضع لعمليات تدريب، تمهيداً للتدخل برياً بالتزامن مع أي هجوم أمريكي واسع على إيران. وبناءً على ذلك، فإن التهديد الراهن يعدّ جدياً، مما يفرض على القوات المسلحة والجهات المسؤولة في إيران رصد كافة التحركات الأمريكية والإسرائيلية بدقة متناهية. كما يمكن قراءة القمة الأخيرة لزعماء الناتو في تركيا في سياق السعي لإيجاد تنسيق مشترك بين أعضاء الناتو والولايات المتحدة.
وأضاف السيد هاني زاده: «إن الأوضاع الراهنة باتت أكثر خطورةً مما كانت عليه في السابق؛ إذ يسعى الأمريكيون أولاً إلى فرض سيطرتهم على مضيق هرمز، ومن ثم تبرز احتمالية احتلال جزيرة "خارك" في المستقبل، وهو إجراء كفيل بشلّ صادرات النفط الإيرانية. لذا، يتعين على إيران صياغة وتنفيذ الآليات اللازمة لتحييد هذه الأهداف بما يتناسب مع التوجهات الأمريكية».
إمكانية كبح النهج الهجومي لترامب عقب انتخابات الكونغرس
وفي معرض تحليله للوضع الداخلي في الولايات المتحدة، والذي قد يؤثّر على حسابات ترامب في تبني مسار الحرب الجديدة مع إيران، صرح السيد هاني زاده: «لتحليل سلوك ترامب، لا بد من مراعاة التحولات الداخلية الأمريكية. تُظهر استطلاعات الرأي تراجعاً حاداً في شعبية الجمهوريين نتيجة ما يُوصف بـ "المغامرات" التي يقودها فريق ترامب، وهو وضع قد ينعكس سلباً على الجمهوريين في انتخابات الكونغرس».
وأردف: «رغم أن سياسات الجمهوريين والديمقراطيين تجاه إيران والمنطقة تتّسم بدرجة كبيرة من التوافق، إلا أن تراجع عدد ممثلي الجمهوريين في كل من مجلس النواب ومجلس الشيوخ، قد يساهم في الحدّ من النهج الهجومي لترامب».
وقال: «غير أن هذا الأمر يظلّ في نهاية المطاف شأناً داخلياً أمريكياً، بينما تكمن الأهمية الحقيقية في سياسات واشنطن تجاه إيران والمنطقة. ومن هنا، يجب مراقبة أي تحرك عسكري أمريكي بدقة فائقة للحيلولة دون اتساع رقعة الحرب. يبدو أن المشهد الحالي يتسم بالحساسية والخطورة، في حين ينصب تركيز الأمريكيين في الداخل على انتخابات الكونغرس».
محورية مضيق هرمز في استراتيجية ترامب لكبح جماح الصين
وفي معرض تحليله للتحركات الأمريكية الأخيرة وإعلانها السيطرة على إدارة مضيق هرمز، قال الخبير: «إن ما أقدمت عليه القوات الأمريكية مؤخراً من استحداث ممر غير قانوني في جنوب مضيق هرمز، وتوجيه السفن بناءً على إدارة البحرية الأمريكية، يبرهن على أن هذه البلاد قد نأت بنفسها عن كافة التزاماتها؛ إذ لا تهدف إلا إلى فرض نوع من "الاستعمار الجديد"، سواء في أعالي البحار أو على اليابسة في المنطقة».
وأضاف أن هذا الإجراء يُعد، أولاً، انتهاكاً صارخاً لسيادة إيران على مجالها البحري. أما الأمر الآخر، فهو محاولة الأمريكيين السيطرة على صادرات النفط العالمية عبر التحكم في الممرات المائية، حيث يبرز الهدف النهائي لواشنطن في حرمان الصين من نفط غرب آسيا.
وتابع قائلاً: «إن ما حدث في فنزويلا - من الإطاحة بالرئيس وتغيير نظام الحكم بهدف حرمان الصين من نفط فنزويلا - لم يكن إلا بروفة لما يحدث الآن، إذ جاء الدور على غرب آسيا. تسعى الولايات المتحدة عبر بسط هيمنتها على الممرات البحرية إلى عرقلة صادرات نفط المنطقة، ولا سيما المتجهة إلى الصين، لإدخال اقتصاد هذه الأخيرة في مأزق».
وعليه، فإن الغاية القصوى من السيطرة على الممرات المائية، وبالأخص مضيق هرمز، هي قطع شريان النفط عن الصين، وخاصةً وارداتها من إيران. وهذا الأمر لا يشكّل تهديداً استراتيجياً وجدياً للصين فحسب، بل يفرض تحديات جسيمة على إيران في حال تمكنت أمريكا من إحكام قبضتها على المضيق.
ضرورة صياغة نظام قانوني لمضيق هرمز بالتعاون مع سلطنة عمان
وفي إشارته إلى الدور الحاسم الذي تلعبه سلطنة عمان، كدولة ساحلية أخرى على الخليج الفارسي، في رسم مستقبل إدارة مضيق هرمز، أوضح السيد هاني زاده: «تتمتع السلطنة بتأثير جوهري في تحولات المنطقة، حيث تنتهج سياسةً تتّسم بالثبات تجاه القضايا الإقليمية والدولية. وعلى مدار السنوات الماضية، بذلت عُمان جهوداً صادقةً لتهيئة مناخٍ من التوافق وتقريب وجهات النظر بين إيران والولايات المتحدة».
ومع ذلك، أشار إلى أنه نظرًا للمحدودية في القدرات السياسية والجغرافية والأمنية، فإن سلطنة عمان ليست في موقعٍ يتيح لها لعب دور منفرد في حلّ المعضلات الإقليمية المعقدة. ورغم ذلك، فهي تحظى بمكانة مرموقة في الرأي العام، مما يجعلها قادرةً على التأثير في فضّ الكثير من النزاعات الإقليمية والدولية.
ولهذا السبب، شهدت الآونة الأخيرة لقاءات بين مسؤولين من إيران وسلطنة عمان، استهدفت وضع حزمة من الآليات والترتيبات للتعاون المشترك في مضيق هرمز، وهو ما قد يحمل أصداءً وإيجابيات ملموسة على مسار التطورات في المنطقة.
وعقب رفضه لتصريحات ترامب بشأن فرض رسوم بنسبة 20% على الشحنات العابرة لمضيق هرمز، قال الخبير: «إن هذا الطرح يبدو أقرب إلى "الكوميديا السوداء" منه إلى الواقع السياسي. ومع ذلك، وبالنظر إلى سعي أمريكا لترسيخ هيمنتها ونفوذها في المنطقة، فإن احتمال محاولتها فرض إرادتها على هذا الممر الاستراتيجي عبر حصار المضيق يظل قائماً».
وأضاف: «في ظل هذه الظروف، قد تستغل أمريكا تفوقها العسكري لفرض إملاءاتها، سواء عبر تحصيل رسوم أو حتى تقييد حركة الملاحة في المضيق. لذا، لا ينبغي لإيران أن تسمح بما يمكن تسميته بـ "الأمن الأمريكي" في مضيق هرمز أن يسود المنطقة، بل يجب عليها، بالاعتماد على قدراتها العسكرية، كبح جماح أي توسع عسكري أمريكي في هذا الممر».
وأوضح: «من الطبيعي أن يكون تحصيل الرسوم - من المنظور الذي يُطرح - حقاً أصيلاً لإيران، بما أن مضيق هرمز يقع ضمن مجالها البحري. وبإمكان إيران، استناداً إلى القوانين الدولية، ممارسة حقوقها وصلاحياتها لمنع عبور السفن خارج المسارات التي تحددها. لذا، يجب الإسراع في تفعيل هذه الآليات، وإرساء النظام القانوني المنشود في مضيق هرمز».
إيران مستعدة لصدّ أي عدوان أمريكي جديد
وفي الختام، وردّاً على سؤال حول استراتيجية الدفاع الإيرانية في المواجهات الأخيرة، ومدى قدرتها على الرد على التحركات الأمريكية - خاصةً بعد استئناف الحصار البحري - أكد السيد هاني زاده: «إن الاستراتيجية الدفاعية لإيران هي استراتيجية رصينة، تقوم على العقلانية وتستند إلى المعطيات الميدانية والسياسية. وفي ظل الظروف الراهنة، صمّمت إيران آليات جديدة لمواجهة أي هجوم أمريكي محتمل، كما تواصل القوات المسلحة الإيرانية رصد كافة تحركات البحرية الأمريكية بيقظة تامة».
