الوقت ـ تتواصل الاعتداءات التي ينفذها المستوطنون الإسرائيليون في مناطق متفرقة من الضفة الغربية وسط تصاعد التحذيرات الفلسطينية من خطورة هذه الهجمات وما تحمله من مؤشرات على تسارع محاولات فرض وقائع جديدة على الأرض، في ظل حماية توفرها قوات الاحتلال للمستوطنين وتزايد النشاط الاستيطاني في أنحاء الضفة.
وجاءت أحدث هذه الاعتداءات في قرية المغير شرق رام الله، حيث أصيب عدد من الفلسطينيين، بينهم طفل، خلال هجوم مشترك نفذه مستوطنون وقوات الاحتلال الإسرائيلي على منزل إحدى العائلات في القرية، في مشهد يعكس طبيعة المواجهة اليومية التي تشهدها العديد من التجمعات الفلسطينية الواقعة بالقرب من البؤر الاستيطانية.
وبحسب مصادر محلية، اقتحمت قوات الاحتلال برفقة مستوطنين محيط منزل المواطن محمد حامد أبو عليا، وأطلقت وابلاً من الرصاص الحي والرصاص المعدني المغلف بالمطاط وقنابل الصوت، كما حاولت إزالة السياج المحيط بالمنزل وسط حالة من التوتر والاستنفار بين الأهالي الذين سارعوا إلى المنطقة بعد إطلاق العائلة نداءات استغاثة.
وأعلن الهلال الأحمر الفلسطيني إصابة مواطن بالرصاص الحي في الفخذ، إضافة إلى إصابة مواطنين آخرين بالرصاص المعدني المغلف بالمطاط، فيما أصيب الطفل رائد عودة أبو عليا (10 أعوام) بقنبلة صوتية في الرأس، قبل نقل المصابين إلى المستشفى لتلقي العلاج.
ولم يقتصر الاعتداء على استهداف المنزل، إذ أفادت مصادر محلية بأن مستوطنين أطلقوا مواشيهم داخل أراضٍ زراعية جنوب القرية، ما ألحق أضراراً بالمزروعات والأشجار المثمرة، في سلوك يتكرر بصورة متزايدة في مناطق عدة من الضفة الغربية ويستهدف، وفق مؤسسات فلسطينية، إضعاف قدرة المزارعين على التمسك بأراضيهم ودفعهم إلى مغادرتها.
حماس: اعتداءات منظمة تستهدف اقتلاع الفلسطينيين
وفي تعقيبها على التطورات، حذرت حركة حماس من خطورة تصاعد اعتداءات المستوطنين، معتبرة أن ما يجري في المغير وغيرها من القرى الفلسطينية يجسد مستوى متقدماً من "الإرهاب المنظم" الذي يتم تحت حماية قوات الاحتلال.
وقال القيادي في الحركة عبد الرحمن شديد إن الاعتداءات التي تشمل إطلاق النار على المواطنين والاعتداء على الممتلكات والأراضي الزراعية تأتي ضمن محاولات تهدف إلى اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم وفرض سياسة التهجير القسري، مشدداً على أن صمود الأهالي وتمسكهم بأراضيهم يمثلان خط الدفاع الأول في مواجهة هذه المخططات.
ودعا شديد إلى تعزيز حالة الإسناد الشعبي بين القرى والبلدات الفلسطينية وتفعيل لجان الحماية المجتمعية والتصدي الجماعي لهجمات المستوطنين، مطالباً في الوقت ذاته بتحرك عربي وإسلامي ودولي للضغط على إسرائيل ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات المستمرة في الأراضي الفلسطينية.
المغير.. قرية في قلب الاستهداف الاستيطاني
وتعد قرية المغير من أكثر المناطق التي شهدت خلال السنوات الأخيرة اعتداءات متكررة من المستوطنين، نظراً لموقعها الجغرافي المحاذي لعدد من البؤر الاستيطانية المقامة على أراضٍ فلسطينية شرقي رام الله.
ويقول سكان محليون إن الهجمات تتخذ أشكالاً متعددة، تشمل اقتحام الأراضي الزراعية، وإحراق الممتلكات، والاعتداء على المزارعين والرعاة، ومنع الوصول إلى مساحات واسعة من الأراضي، ما يؤدي إلى خسائر اقتصادية متراكمة ويزيد الضغوط على السكان.
ويرى مراقبون أن الاعتداءات المتكررة في المغير ومناطق الأغوار وشمال ووسط الضفة الغربية لم تعد حوادث منفصلة، بل باتت جزءاً من نمط ميداني متواصل يهدف إلى توسيع السيطرة الاستيطانية وفرض وقائع جديدة على الأرض تمهد لضم فعلي لمزيد من الأراضي الفلسطينية.
أرقام تعكس اتساع دائرة الانتهاكات
وتؤكد الإحصاءات الفلسطينية اتساع نطاق الانتهاكات خلال الفترة الأخيرة. فقد وثق مركز معلومات فلسطين "معطى" تسجيل 1183 انتهاكاً نفذتها قوات الاحتلال والمستوطنون في مختلف أنحاء الضفة الغربية خلال الفترة الممتدة بين 3 و9 يوليو/تموز 2026.
ووفق التقرير، شملت الانتهاكات 166 اقتحاماً للمدن والبلدات والمخيمات الفلسطينية، و130 حالة اعتقال واحتجاز، و41 حالة إطلاق نار أسفرت عن استشهاد فلسطيني وإصابة 44 آخرين.
كما سجل المركز 292 حالة تضييق على الحواجز العسكرية، و43 حالة إغلاق للطرق والمناطق الفلسطينية، إلى جانب 57 عملية هدم وتدمير لمنازل وممتلكات المواطنين.
وفي ملف اعتداءات المستوطنين، وثق التقرير 136 اعتداء مباشراً نفذه مستوطنون ونشطاء استيطانيون، فضلاً عن 252 حالة اعتداء أو مصادرة للممتلكات، و7 انتهاكات استهدفت المقدسات الإسلامية والمسيحية، و3 انتهاكات طالت قطاعي التعليم والطواقم الطبية، إضافة إلى 6 حالات إبعاد وتهجير قسري.
واقع ميداني مرشح لمزيد من التصعيد
ويأتي هذا التصعيد في وقت تشهد فيه الضفة الغربية توتراً متصاعداً على خلفية استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية وتوسع النشاط الاستيطاني، وسط تحذيرات فلسطينية من أن غياب أي إجراءات دولية رادعة يشجع المستوطنين على توسيع نطاق هجماتهم.
ويرى متابعون للشأن الفلسطيني أن استمرار الاعتداءات على القرى الواقعة بمحاذاة المستوطنات والبؤر الاستيطانية يهدد بمزيد من الاحتقان والتوتر، خاصة مع تزايد المخاوف من تحوّل هذه الهجمات إلى أداة ممنهجة لفرض التهجير التدريجي على التجمعات الفلسطينية في المناطق المستهدفة.
وفي ظل هذا الواقع، تبقى قرى مثل المغير نموذجاً لحالة المواجهة اليومية التي يخوضها الفلسطينيون للدفاع عن أراضيهم وممتلكاتهم، في وقت تتواصل فيه المطالبات الفلسطينية بتوفير حماية دولية للسكان المدنيين ووضع حد لاعتداءات المستوطنين المتصاعدة في مختلف محافظات الضفة الغربية.
