الوقت - في أدبيات العلاقات الدولية، لا تُنتج القوة فقط في ساحات المعارك أو خلف طاولات التفاوض؛ ففي بعض الأحيان، يُحدث حدثٌ رمزي أكثر من عملية عسكرية أو اتفاق سياسي، في إعادة تعريف ميزان القوة. إن تشييع قائد الثورة الإسلامية الشهيد في العراق هو من هذا القبيل من الأحداث؛ إنه حدث يجب تحليله في إطار “جيوسياسية الرموز”، وليس مجرد طقس حدادي.
لقد دخلت منطقة غرب آسيا، بعد المواجهة المباشرة بين إيران وأمريكا والكيان الصهيوني، مرحلةً لم يعد فيها الميدان العسكري هو ساحة التنافس الأهمّ، بل أصبحت “المعركة على الاستراتيجية والاستشراف المستقبلي”. يحاول كل فاعل أن يخلق في أذهان الخصوم والحلفاء والرأي العام هذا الانطباع بأن موقعه الاستراتيجي لا يزال راسخاً. في ظل هذه الظروف، يتحول حفلٌ ذو أبعاد عابرة للحدود الوطنية إلى جزءٍ من عملية إنتاج القوة بحد ذاتها.
كان جوزيف ناي، مُنظّر القوة الناعمة، يرى أن الدول تبلغ ذروة نفوذها عندما تستطيع استقطاب الآخرين دون إكراه، من خلال الجاذبية والشرعية ورأس المال الاجتماعي. وإذا طبّقنا هذا الإطار النظري على العراق، فإن تشييع قائد إيران الشهيد يمكن اعتباره اختباراً لقياس القوة الناعمة للجمهورية الإسلامية. ليست المسألة مجرد عدد المشاركين، بل هي تكمن في معرفة ما إذا كانت إيران لا تزال تمتلك القدرة على خلق تقارب عابر للحدود، وإنتاج رأس مال رمزي في واحد من أهمّ الميادين الجيوسياسية في المنطقة أم لا.
منذ عام 2003 فصاعداً، تحوّل العراق إلى أهم نقطة تماس بين مصالح إيران والولايات المتحدة. وأيُّ تطور كبير في هذا البلد يؤثّر بشكل مباشر على البنية الأمنية لغرب آسيا. لهذا السبب، فإن تشييع قائد إيران الشهيد في العراق سيكون، بالنسبة للمراقبين الدوليين، ليس مجرد حدث داخلي، بل مؤشراً لتقييم توازن القوى الإقليمي.
في السنوات الأخيرة، اعتمدت العديد من مراكز الأبحاث الغربية على فرضية مفادها أن الضغوط الاقتصادية، والاغتيالات، والعقوبات، والحروب بالوكالة، قد قلّصت تدريجياً من العمق الاستراتيجي لإيران. ولقد واجه التشييع الذي جرى في العراق بمشاركة واسعة من الشرائح السياسية والاجتماعية، هذه الفرضية بتساؤلات جدية.
من المنظور الجيوسياسي، لا يُعد العراق مجرد جارٍ لإيران، بل هو حلقة الوصل بين شرق العالم العربي وغربه، وشريان التواصل الحيوي بين الخليج الفارسي، وبلاد الشام، والبحر المتوسط. وأيُّ إظهارٍ للنفوذ في هذه الجغرافيا، يؤثّر بطبيعة الحال على الحسابات الأمنية للفاعلين الإقليميين. ولهذا السبب، سيثير هذا الحفل حساسيةً في بغداد، والرياض، وأبوظبي، وأنقرة، وواشنطن، وتل أبيب.
ويجب التذكير بأن أحد أهمّ المفاهيم الأمنية التي يمكن ملاحظتها في هذا الحدث، هو “الردع الإدراكي”. فالردع لا يعتمد فقط على عدد الصواريخ، والطائرات، والقوات العسكرية؛ بل يعتمد أيضاً على تصوّر الخصوم لدرجة التماسك، والشرعية، والدعم الاجتماعي الذي يتمتع به أي فاعل. وإذا شعر الخصم أن قوةً إقليميةً ما لا تزال تمتلك قدرة التعبئة الاجتماعية والشرعية العابرة للحدود، فإنه سيتصرف بحذر أكبر في حساباته. من هذا المنظور، يمكن للتشييع أن يكون جزءاً من معادلة الردع؛ ليس كأداة عسكرية، بل كأداة إدراكية.
أيضاً، وفي الوقت نفسه، يجد هذا الحفل معناه في سياق “حرب الروايات”. ففي عصر الإعلام الرقمي، تمتلك الصور والروايات والتصورات أحياناً وزناً يعادل التحولات الميدانية. وإذا ركزت وسائل الإعلام المقربة من إيران على الحضور الواسع والروابط الاجتماعية، وركزت وسائل الإعلام المعارضة على التنظيم السياسي أو أبعاد أخرى من الحفل، فسيتشكل عملياً روايتان مختلفتان لحدث واحد. وهذا الاختلاف في الروايات هو جزء من التنافس الجيوسياسي اليوم في المنطقة.
کذلك، من المهم الإشارة إلى أن هذا الحفل لن يكون مجرد خبر عابر بالنسبة للدول الخليجية. فقد سعت هذه الدول في السنوات الأخيرة إلى إدارة علاقاتها مع إيران بين التعاون والتنافس. لذلك، فإن أي مؤشر على استمرار أو تغير النفوذ الإقليمي لطهران، يمكن أن يؤثر على حساباتها الأمنية والدبلوماسية. ومن هنا، استطاع التشييع في العراق أن يحظى بالاهتمام كأحد المؤشرات غير الرسمية لتقييم البيئة الأمنية المستقبلية.
كما ينبغي أن نضيف أن أهمية هذا الحدث بالنسبة للكيان الصهيوني، تكمن في أن استراتيجيته في السنوات الأخيرة قامت على تقليص الشبكات الموالية لإيران وزيادة التكاليف الإقليمية على طهران. من هذا المنظور، فإن أي حدث يُفسَّر من وجهة نظر المحللين على أنه استمرار أو إحياء لقدرات النفوذ الإيراني، سيكون له مكانة خاصة في التقييمات الأمنية لتل أبيب؛ وإن كانت التصورات حول تبعاته الحقيقية قد تختلف.
في الختام، كانت أهمية هذا الحفل تكمن في قدرته على أن يصبح أحد أول المؤشرات السياسية والرمزية في مرحلة ما بعد الحرب. فالقوى الإقليمية والعالمية لا تحلل مستقبل غرب آسيا فقط برصد التحركات العسكرية، بل تلتفت أيضاً إلى الرموز، والتجمعات، والروايات، ومدى قدرة الفاعلين على الحفاظ على رأس المال الاجتماعي.
ولعل هذا هو السبب في أن تشييع قائد الثورة الشهيد في العراق، أكثر من كونه نهايةً لحياة سياسية، سيكون بداية مرحلة جديدة في التنافس على نُظُم مستقبل غرب آسيا؛ نُظُم تظل فيها القوة الصلبة محدّدةً، ولكن دون القوة الناعمة، والردع الإدراكي، والتفوق في حرب الروايات، لن تكون وحدها قادرةً على تثبيت التوازن.
