الوقت- في خطوة تُعدّ قمة الوقاحة السياسية والانحياز الأعمى، أعلنت سفارة الولايات المتحدة في الأراضي الفلسطينية المحتلة عن تقديم خدمات قنصلية روتينية، بما في ذلك إصدار جوازات السفر، داخل مستوطنات الضفة الغربية المحتلة، بدءًا من مستوطنة إفرات غير الشرعية يوم الـ 27 من فبراير 2026. هذا الإجراء غير المسبوق يمثل اعترافًا عمليًا ومباشرًا بسيادة الاحتلال الصهيوني على أرض فلسطينية مسلوبة، ويُعدّ تتويجًا لسياسة أمريكية متعمدة تهدف إلى تثبيت الاستيطان وتشريع الضم التدريجي للضفة الغربية بأكملها.
يأتي هذا القرار بعد تصريحات متطرفة أدلى بها السفير الأمريكي مايك هاكابي، الذي أكد أن توسع "إسرائيل" من النيل إلى الفرات "سيكون أمرًا جيدًا"، مستندًا إلى تفسيرات توراتية متطرفة تُبرر الاستيلاء على أراضٍ عربية واسعة، الإدارة الأمريكية، بقيادة دونالد ترامب، تُكمل بذلك مسارًا طويلًا من الدعم المطلق للاحتلال: نقل السفارة إلى القدس، الاعتراف بضم الجولان، وصفقة القرن التي سلمت ثلث الضفة الغربية للصهاينة، هذا التواطؤ ليس مجرد خطأ دبلوماسي، بل هو جريمة مشتركة ضد القانون الدولي وضد حقوق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، إنه يُثبت أن واشنطن لم تعد حتى تتظاهر بالحياد، بل أصبحت شريكًا فعليًا في عملية الاستعمار الاستيطاني والتهجير العرقي، الولايات المتحدة تُساهم اليوم في دفن أي أمل بسلام عادل، وتُعزز مناخًا يُشجع على المزيد من العنف والانتهاكات.
خطوة تاريخية في خدمة الاحتلال
يُمثل قرار السفارة الأمريكية بتقديم خدمات جوازات السفر داخل مستوطنة إفرات، ثم بيتار إيليت، نقلة نوعية خطيرة في سياسة واشنطن تجاه الاحتلال، للمرة الأولى في التاريخ، تُرسل الولايات المتحدة موظفيها القنصليين إلى أراضٍ محتلة غير شرعية لتقديم خدمات رسمية للمستوطنين، في تحدٍ سافر لقرار مجلس الأمن 2334 الذي يُصنف هذه المستوطنات "انتهاكًا صارخًا" للقانون الدولي وليس لها أي شرعية قانونية، هذا الإجراء ليس مجرد تسهيل إداري، بل هو اعتراف ضمني بسيادة "إسرائيل" على الضفة الغربية، وتشريع تدريجي لضمها، وزارة الخارجية الإسرائيلية وصفت القرار بـ"الخطوة التاريخية" التي تُقرّب العلاقات بين البلدين أكثر من أي وقت مضى، ما يكشف الطبيعة الحقيقية لهذا التواطؤ: تحالف استراتيجي يُقدّم الدعم السياسي واللوجستي لمشاريع الاستيطان والتهويد، بهذا الفعل، تُصبح أمريكا شريكًا مباشرًا في جريمة الحرب المستمرة ضد الشعب الفلسطيني، وتُثبت أن ادعاءاتها بحقوق الإنسان مجرد شعارات فارغة تُستخدم لتبرير دعم الاحتلال.
تصريحات هاكابي.. الوجه الحقيقي للسياسة الأمريكية
تصريحات السفير مايك هاكابي، الذي وصف توسع "إسرائيل" من النيل إلى الفرات بأنه "سيكون أمرًا جيدًا"، ليست زلة لسان، بل تعبير صريح عن العقيدة المتطرفة التي تُسيطر على الإدارة الأمريكية الحالية، هذا الرجل، الذي يُعرف بتطرفه الصهيوني المسيحي، يُروّج علنًا لفكرة "إسرائيل الكبرى" التي تبتلع دولًا عربية بأكملها، مستندًا إلى تفسيرات دينية متطرفة تُحوّل الاحتلال إلى "وعد إلهي".
هذه التصريحات، التي أثارت استنكارًا واسعًا في العالم العربي والإسلامي، تُكشف الوجه الحقيقي لواشنطن: رفض تام لحل الدولتين، ودعم غير مشروط لمشاريع الضم والاستيطان، هاكابي لم يقف عند التصريحات؛ فقد تزامن قراره مع إعلان السفارة عن خدمات قنصلية في المستوطنات، ما يُثبت أن كلامه ليس نظريًا، بل يُترجم إلى سياسات عملية تُعزز الاحتلال وتُهدد الاستقرار الإقليمي بأكمله، هذا السفير يُجسد التحالف بين التطرف الديني والمصالح الإمبريالية، ويُظهر أن الإدارة الأمريكية تُقدّم اليوم دعمًا علنيًا لأطماع استعمارية توسعية.
ترامب وإرث الخيانة المستمر
لا يُمكن فصل هذا القرار عن إرث دونالد ترامب الطويل في خدمة الاحتلال الصهيوني، في فترته الأولى، اعترف ترامب بالقدس عاصمة لـ"إسرائيل"، نقل السفارة إليها، وسلّم نحو ثلث الضفة الغربية عبر "صفقة القرن" المشؤومة التي حُرمت الفلسطينيين من حقوقهم الأساسية، اليوم، يُكمل ترامب مساره بصمت مطبق تجاه انتهاكات الاحتلال، وبدعم مباشر من خلال سفيره المتطرف. الإدارة الأمريكية لا تعترف حتى بغير قانونية المستوطنات، بل تُعاملها كجزء طبيعي من إسرائيل، مخالفةً بذلك قرارات الأمم المتحدة والاتفاقيات الدولية، هذا الموقف يُحوّل أمريكا من "وسيط سلام" مزعوم إلى شريك فعلي في الجريمة، يُمنح الاحتلال الوقت والغطاء اللازمين لاستكمال ضم الضفة الغربية وتهويد القدس، إن رفض ترامب لحل الدولتين، وتقديمه مسارات معقدة ومشروطة تُحرم الفلسطينيين من دولة مستقلة، يُثبت أن السياسة الأمريكية ليست خاطئة فحسب، بل هي متعمدة في دعم الاحتلال وتكريس الظلم التاريخي.
كذبة السلام وخداع الرأي العام العالمي
كل الحديث الأمريكي عن "رؤية ذات معنى" لدولة فلسطينية مستقلة، سواء في خطة ترامب أو قرارات الأمم المتحدة، لم يعد سوى لفاظات جوفاء تُستخدم للتضليل وكسب الوقت، الولايات المتحدة تُدرك تمامًا أنها تُساهم في دفن حل الدولتين، وتُعطي "إسرائيل" الفرصة لاستكمال مشروع الضم الكامل للضفة الغربية وتهويد القدس، تقديم الخدمات القنصلية في المستوطنات ليس خطأ إداريًا، بل استراتيجية مدروسة لتطبيع الاحتلال دوليًا، وإضفاء الشرعية على جرائم الحرب المستمرة، هذا التواطؤ الفاضح يكشف زيف الادعاءات الأمريكية بالدفاع عن القانون الدولي وحقوق الإنسان؛ فهي تُقدّم الدعم المباشر للجاني، وتُعاقب الضحية، على العالم أن يُدرك أن واشنطن لم تعد حليفًا للسلام، بل عدوًا للعدالة، وأن صمتها ودعمها يُشجعان على المزيد من الانتهاكات والتهجير، الشعب الفلسطيني يواجه اليوم تحالفًا شرسًا بين الاحتلال والإمبريالية الأمريكية، ولا سبيل للخلاص إلا بالمقاومة الشاملة والضغط الدولي الحقيقي لكسر هذا التواطؤ الإجرامي.
تحليل استراتيجي للتواطؤ الأمريكي وتداعياته الإقليمية
يُشكل هذا الإجراء الأمريكي، الذي يُعد سابقة تاريخية في تقديم خدمات قنصلية داخل مستوطنات الضفة الغربية المحتلة، تحولاً استراتيجياً عميقاً في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، من الناحية القانونية، يتعارض الإعلان بشكل مباشر مع قرار مجلس الأمن 2334 لعام 2016، الذي يُصنف المستوطنات انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي ويطالب بوقف كامل لأنشطة الاستيطان، بتقديم خدمات جوازات السفر في إفرات وبيتار إيليت، تُرسل واشنطن رسالة واضحة بأنها لا تعترف عملياً بشرعية هذه القرارات الدولية، بل تُعامل المستوطنات كجزء طبيعي من الكيان الإسرائيلي، هذا النهج يُعزز من عملية التطبيع التدريجي للاحتلال، ما يُسهل على "إسرائيل" التقدم نحو ضم فعلي للمناطق المحتلة دون مقاومة دولية فعالة.
من الناحية السياسية، يتزامن القرار مع تصريحات السفير مايك هاكابي المتطرفة، التي أكد فيها أن توسع "إسرائيل" من النيل إلى الفرات "سيكون أمراً جيداً"، مستنداً إلى تفسيرات توراتية، مع تأكيده أن المنطقة جيم (التي تشكل نحو 60% من الضفة الغربية) "هي إسرائيل"، هذه التصريحات، رغم محاولات واشنطن التخفيف منها بوصفها "مأخوذة خارج السياق"، تكشف عن توجه إدارة ترامب نحو تبني رؤية صهيونية مسيحية متطرفة ترفض حل الدولتين وتُقدس السيطرة الإسرائيلية على الأراضي المحتلة، النتيجة هي تعزيز التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" على حساب الحقوق الفلسطينية، ما يُضعف موقف السلطة الفلسطينية ويُشجع على تصعيد الاستيطان والتهجير.
إقليمياً، يُثير هذا التواطؤ ردود فعل شديدة من الدول العربية والإسلامية، التي أدانت الخطوة كتشريع للاحتلال وانتهاك للقانون الدولي، ما يُعمق الشقاق في العلاقات الأمريكية-العربية ويُعيق أي جهود للتطبيع الإضافي، كما يُفاقم التوترات في المنطقة، حيث يُنظر إليه كدعم مباشر لسياسات الضم التي قد تؤدي إلى انفجار أمني واسع، في المحصلة، يُمثل هذا الإجراء نهاية لأي ادعاء أمريكي بالحياد أو الوساطة، ويُحول الولايات المتحدة إلى شريك فعلي في مشروع استعماري يهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية، ما يتطلب استجابة دولية موحدة لمواجهة هذا التحول الخطير واستعادة الالتزام بالقانون الدولي.
