الوقت - في الولاية الثانية لدونالد ترامب، اتسعت الهوة بين الولايات المتحدة وأوروبا أكثر من أي وقت مضى. لم تعد الخلافات مقتصرة على القضايا الجيوسياسية فحسب، بل باتت الآليات التي حافظت على التحالف لعقود تتهاوى.
على الرغم من أن فكرة الاعتماد على الذات وتقليص الاعتماد على الولايات المتحدة طُرحت من قِبل القادة الأوروبيين قبل سنوات، إلا أنها ظلت نظرية في معظمها حتى الآن؛ أما الآن، فقد بات هذا النهج واضحًا على أرض الواقع، ويؤكد المسؤولون الأوروبيون بوضوح على ضرورة اتباع مسار جديد.
في هذا السياق، وخلال مؤتمر ميونخ للأمن، صرّح رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في كلمته بأن على الدول الأوروبية إنهاء اعتمادها على الدعم العسكري الأمريكي، وأن ذلك ممكن من خلال تعزيز التعاون فيما بينها. وأكد ستارمر قائلاً: "أتحدث عن رؤية للأمن الأوروبي واستقلال أكبر للقارة، لا تعني انسحاب الولايات المتحدة، بل تستجيب بشكل كامل للدعوة إلى تقاسم أكبر للأعباء، وتعيد بناء العلاقات التي أثبتت جدواها".
كما شددت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، في مؤتمر ميونخ، واصفةً الوضع العالمي ردًا على المواقف الأمريكية ضد بروكسل، على أن أوروبا القوية يجب أن تتحمل مسؤولية دفاعها. وقالت فون دير لاين: "يجب على أوروبا تطبيق بند الدفاع المشترك، وهذا هو المعنى الحقيقي لأوروبا، لكن هذا الالتزام لا يكون ساريًا إلا إذا بُني على الثقة والقدرة، ولذلك يجب أن نكون على أهبة الاستعداد بشكل جماعي".
في خطاب ألقاه في مؤتمر ميونيخ، انتقد المستشار الألماني علنًا تراجع القيادة الأمريكية، مصرحًا بأن النظام الدولي القائم على القواعد "لم يعد كما كان"، وأن على أوروبا الاستعداد لفترة تصبح فيها الضمانات الأمنية التي تقدمها واشنطن أقل موثوقية. وقال ميرتز: "لم تعد حرية أوروبا وأمنها مضمونين، ويجب على القارة الخضراء أن تكون مستعدة لتحمل المزيد من المسؤوليات".
وفي هذا الصدد، أكد ميرتز أنه ناقش مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تشكيل قوة ردع نووية أوروبية، وهي قضية من شأنها أن تُغير بنية الأمن الأوروبي. كما تحدث المستشار الألماني عن "انقسام عميق" بين أوروبا والولايات المتحدة، وهو انقسام قال إنه لا يقتصر على القضايا الدفاعية فحسب، بل يشمل أيضًا المجالات الاقتصادية والقيمية.
وإلى جانب القادة الأوروبيين، يُبدي الرأي العام في القارة تشككًا في سياسات واشنطن؛ إذ تُظهر استطلاعات الرأي الأخيرة أن قطاعات كبيرة من الرأي العام الألماني والفرنسي والبريطاني لا تعتبر الولايات المتحدة شريكًا موثوقًا به.
تباين العلاقات الأوروبية الأمريكية
على مدى العقود الماضية، اعتمدت أوروبا اعتمادًا كبيرًا على الدعم الأمني والاقتصادي الأمريكي. فمن معاهدة حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى التعاون الاقتصادي الواسع النطاق، كان التحالف مع واشنطن ذا أهمية بالغة لأمن القارة واستقرارها الاقتصادي. إلا أن سياسات ترامب، إلى جانب فرض تعريفات جمركية باهظة على الشركاء الغربيين، والإجراءات الأحادية الجانب كمحاولة الاستيلاء على جزيرة غرينلاند، دفعت القادة الأوروبيين إلى إدراك ضرورة مراجعة استراتيجياتهم الأمنية والاقتصادية.
أظهرت هذه التطورات أن الاعتماد المطلق على الولايات المتحدة قد يجعل أوروبا عرضة للخطر في المنعطفات الحرجة. لذا، بدأت الدول الأوروبية في السنوات الأخيرة بالتفكير في تطوير "استقلال استراتيجي" حقيقي يحمي القارة الخضراء من الضغوط السياسية والاقتصادية من واشنطن.
يُعدّ نقاش تشكيل "حلف شمال أوروبي" مستقل أحد أبرز التدابير في المجال الأمني. فرغم أن الناتو لا يزال ركيزة أساسية للأمن الأوروبي، يسعى القادة الأوروبيون إلى إيجاد هياكل قادرة على الاستجابة بسرعة وفعالية في أوقات الأزمات دون الاعتماد كليًا على الولايات المتحدة. يُظهر التركيز على تطوير الصناعات الدفاعية المحلية، وزيادة الميزانيات العسكرية، وبناء قدرات عسكرية مشتركة بين دول الاتحاد الأوروبي، عزماً راسخاً على تقليل الاعتماد على واشنطن.
وفي أعقاب الأزمة الأوكرانية، باتت جهود الدول الأوروبية لتقليل اعتمادها الأمني على الولايات المتحدة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. ويرى العديد من القادة الأوروبيين أن نهج ترامب، الذي يضغط على كييف للتوصل إلى اتفاق مع روسيا ومنحها تنازلات إقليمية، باعتبارها خصماً غربياً تقليدياً، لا يوقف روسيا، بل قد يشجعها على اتخاذ إجراءات أكثر عدوانية ضد دول أخرى في المستقبل.
وقد أثار هذا الخلاف الحاد بين أوروبا وواشنطن مخاوف عميقة بشأن مدى التزام أمريكا بأمن حلفائها. ويخشى القادة الأوروبيون من أن يُفاجأوا، في منعطفات حاسمة كما حدث في أوكرانيا، بقرارات أمريكية أحادية الجانب، بل ويُتركوا وحيدين في مواجهة أعدائهم. كما فاقمت قضية غرينلاند ورغبة ترامب في ضمها هذه المخاوف.
ومن العوامل الأخرى التي دفعت القادة الأوروبيين إلى تعزيز التكامل الداخلي، تغير نهج الولايات المتحدة تجاه حلفائها القدامى. انعكس هذا التحول في الرؤية أيضاً في وثيقة الأمن القومي الأمريكي الجديدة، حيث حذرت إدارة ترامب من أن الحضارة الأوروبية قد تواجه انحداراً خطيراً خلال العقدين المقبلين. ويُظهر هذا الموقف أن واشنطن لم تعد تنظر إلى أوروبا كشريك استراتيجي، كما كانت تفعل في السابق، ساعيةً للحفاظ على بنيتها، بل تسعى إلى إضعافها.
علاوة على ذلك، وبينما يتحدث كبار المسؤولين الأمريكيين عن تشكيل نظام جديد على الساحة الدولية، فإن النهج العام للولايات المتحدة يقوم أيضاً على دفع الفاعلين العالميين نحو تعزيز استقلاليتهم في مختلف المجالات. في الوقت نفسه، تسعى الدول الأوروبية، أكثر من غيرها، إلى تحديد موقع أكثر استقلالية لها في هذا النظام الناشئ من خلال تعزيز تماسكها الداخلي.
محاولة التخلص من نير واشنطن الاقتصادي
في المجال الاقتصادي، تعيد أوروبا تعريف موقعها تدريجياً، وتقلل اعتمادها المفرط على السوق والدعم المالي الأمريكي. ولذلك، أصبح توسيع التعاون التجاري مع الصين أحد الركائز الأساسية لاستراتيجية أوروبا الجديدة في الأشهر الأخيرة.
يمكن اعتبار توقيع القوى الأوروبية عقوداً جديدة مع الصين، المنافس القوي للولايات المتحدة، دليلاً واضحاً على تغير التوجه الاستراتيجي لأوروبا. لا تقتصر هذه الاتفاقيات على كونها معاملات اقتصادية بحتة، بل تحمل أيضاً رسالة سياسية حول رغبة أوروبا في تحسين موقعها في النظام العالمي المتطور.
تهدف هذه السياسة، من جهة، إلى تنويع مسارات التجارة والاستثمار حتى لا تكون أوروبا عرضةً للقرارات المفاجئة من واشنطن، ومن جهة أخرى، إلى تمكينها من الاستفادة من قدرة الأسواق العالمية الكبرى للحفاظ على النمو الاقتصادي والتنافسية.
في المقابل، أعلن الأوروبيون مؤخرًا أنهم يدرسون بديلًا لبطاقات "فيزا وماستركارد" لتقليل اعتمادهم على واشنطن والحد من مخاطر ضغوطها ونفوذها. ويهدف هذا الإجراء إلى توفير حل دفع موحد يحل محل الحلول التي تقدمها الشركات الأمريكية العملاقة.
تُظهر هذه التحركات أن سياسات واشنطن، بدلًا من الحفاظ على الحلفاء الغربيين في فلكها ومواصلة هيمنتها، تُشكل عاملًا مُنفرًا يدفعهم بعيدًا عن محيطها، وهذا يُمثل فرصةً للمنافسين الصاعدين، مثل الصين، لتعزيز مكانتهم في النظام العالمي الجديد في ظل الوضع الهش لواشنطن.
عموماً، لا يُعدّ تقليص الاعتماد الاقتصادي والعسكري على الولايات المتحدة رد فعلٍ قصير الأجل، بل هو مؤشرٌ على إعادة نظرٍ جذرية في استراتيجية أوروبا الأمنية والاقتصادية. ستُهيّئ هذه التغييرات أوروبا بشكلٍ أفضل لمواجهة الأزمات المستقبلية، والانقسامات السياسية عبر الأطلسي، والتحديات العالمية، وتُظهر رغبة القارة الخضراء في التحوّل من مجرد متفرج أو تابع إلى فاعلٍ مستقلٍ وقوي.
