الوقت- في الأيام الأخيرة، تكثفت الاستعدادات في السعودية لعقد قمة في الرياض، بحضور الحركات الرئيسية في جنوب اليمن، بما في ذلك المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، وقبيلتي حضرموت والمهرة، ونخب عدن، وعناصر من الحكومة السابقة المستقيلة (المجلس الرئاسي)، ويأتي هذا الحدث السياسي في ظل تصاعد الخلافات بين السعودية والإمارات العربية المتحدة حول النفوذ وتقاسم السلطة في جنوب اليمن، وتمثل هذه القمة تطوراً استراتيجياً، يتجاوز كونه مجرد سعي للسلام، فهو مشروع لإعادة صياغة المعادلات السياسية في جنوب اليمن، مع الرياض في مركز الصدارة وأبوظبي في مركزها.
الاستعدادات العسكرية قبل المفاوضات
تأتي قمة الرياض في أعقاب تطور عسكري مهم، في الأسابيع السابقة، شنت القوات المدعومة من السعودية سلسلة هجمات على مواقع المجلس الانتقالي الجنوبي ووحدات الحضرمانيين النخبوية (التي تتلقى عادةً دعمًا ماليًا ولوجستيًا من الإمارات) في محافظات حضرموت والمهرة وشبوة، كان الهدف من العملية إجبار هذه القوات على التراجع، وتحديدًا إنهاء الوجود العسكري الإماراتي المباشر ونفوذه في هذه المناطق، مثّل هذا العمل العسكري ورقة رابحة للرياض للوصول إلى طاولة المفاوضات بموقف مهيمن، وقد أظهرت القمة السياسية التي أعقبت العملية بوضوح "تأثير القوة العسكرية على الدبلوماسية"، ودليلًا على أن الرياض قد أخذت زمام المبادرة في الجنوب.
طبيعة القمة: هندسة سياسية لا محادثات سلام
من النقاط الأساسية في تحليل هذا الحدث التمييز بين "محادثات السلام" و"الهندسة السياسية"، تشير الدلائل إلى أن القمة ستُعقد بالدرجة الأولى بهدف تحقيق الهدف الأخير.
غياب أبوظبي الملحوظ: لا تضطلع الإمارات العربية المتحدة، بصفتها الداعم المالي والسياسي الرئيسي للمجلس الانتقالي الجنوبي والعديد من القوى المحلية في حضرموت، بأي دور فاعل أو استضافة في الاجتماع، ويشير هذا الغياب بحد ذاته إلى تغير موازين القوى.
التخطيط المركزي: تستضيف السعودية الاجتماع وتُصممه بالكامل، ومن خلال جمع طيف واسع من الحركات الجنوبية خارج المجلس الانتقالي الجنوبي، تسعى الرياض إلى إنشاء تحالف بديل أو موازٍ أكثر ولاءً للسعودية منه لأبوظبي.
إنهاء احتكار التمثيل: يتمثل أحد الأهداف الواضحة في كسر احتكار المجلس الانتقالي الجنوبي لتمثيل شعوب الجنوب بشكل حصري، ومن خلال إعطاء صوت لقبيلتي حضرموت والمهرة (اللتين لطالما كانتا حذرتين من هيمنة الحركات المتمركزة في عدن) وغيرها من الجماعات، تعمل الرياض على إرساء توازن القوى داخل الفصيل الجنوبي.
الأهداف الاستراتيجية للمملكة العربية السعودية
تسعى هذه المناورة السياسية العسكرية التي تقوم بها الرياض إلى تحقيق ثلاثة أهداف استراتيجية رئيسية:
1- احتواء المشروع الانفصالي المدعوم من الإمارات
خلصت المملكة العربية السعودية إلى أن الاستقلال التام لجنوب اليمن تحت قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي (الذي أصبح فعلياً أداةً للنفوذ الإماراتي) يُشكل تهديداً أمنياً خطيراً طويل الأمد، ويستند هذا القلق إلى ثلاثة محاور:
الحدود: تشترك المملكة العربية السعودية في حدود برية طويلة مع جنوب اليمن (في حال الاستقلال)، إن وجود حكومة ضعيفة، تعتمد على منافس إقليمي (الإمارات) أو عرضة لتأثير التيارات المتطرفة، قد يُشكل تهديداً لأمن الحدود الجنوبية للمملكة العربية السعودية.
موارد الطاقة: تتركز احتياطيات اليمن الكبيرة من النفط والغاز بشكل رئيسي في المناطق الجنوبية (مثل حضرموت)، ويُعد تحكم حكومة صديقة أو على الأقل محايدة في هذه الموارد أمراً بالغ الأهمية بالنسبة للرياض.
الموانئ والممرات المائية: يؤثر الموقع الاستراتيجي لموانئ جنوب اليمن، مثل عدن والمكلا ونشيطون على ساحل بحر العرب وبالقرب من باب المندب، على الأمن البحري والتجاري للمملكة العربية السعودية، ولا ترغب الرياض في أن تقع هذه النقاط الحيوية في أيدي خصمها.
2- إعادة تعريف تمثيل الجنوب في المفاوضات الوطنية المستقبلية
تتطلع الرياض أيضًا إلى ما هو أبعد من ذلك، فأي حوار سياسي نهائي لإنهاء الحرب في اليمن سيتطلب تعيين ممثلين عن الشمال والجنوب، وتريد المملكة العربية السعودية ضمان وجود ممثلين للجنوب في تلك المفاوضات يضعون مصالحها في المقام الأول، لا مصالح الإمارات، ومن خلال التأكيد على دور الحركات الأخرى وإضعاف الموقف الحصري للمجلس الانتقالي الجنوبي، تعمل الرياض على بناء تحالف يمكنه في المستقبل الظهور في المفاوضات بصفته "الممثل الشرعي للجنوب" والمعتمد من قبل الرياض.
3- توجيه رسالة إلى أنصار الله
يوجه الاجتماع أيضًا رسالة دبلوماسية قوية إلى الخصم الرئيسي في صنعاء (أنصار الله). الرسالة واضحة: "الرياض، لا أبوظبي، هي الآن من يدير دفة الأمور في جنوب اليمن"، تُؤكد هذه الخطوة لأنصار الله أنه في حال وجود أي نية للتفاوض بشأن مستقبل جنوب اليمن أو الاتفاق على نموذج حكومة اتحادية، فإن الطرف المعارض في الجنوب هو القوات المدعومة من السعودية، قد يُمهد هذا الطريق لمحادثات مباشرة أو غير مباشرة بين الرياض وصنعاء حول الإطار السياسي المستقبلي لليمن، دون أن تلعب الإمارات دورًا حاسمًا.
الخلاصة والتوقعات
ينبغي النظر إلى اجتماع الرياض كنقطة تحول في التنافس بين الحليفين السابقين للتحالف المناهض لأنصار الله. فالسعودية، من خلال الجمع بين القوة العسكرية والمبادرة السياسية، تُغير قواعد اللعبة في جنوب اليمن، وتعكس هذه الخطوة إرهاق الرياض من مشروع الإمارات الموازي في الجنوب، وسعيها لترسيخ الجبهة التي تدعمها قبل الدخول في أي مفاوضات جادة بشأن مستقبل اليمن.
إلا أن آفاق هذه الإجراءات تواجه تحديات جسيمة:
رد الإمارات: لن تتخلى أبوظبي ببساطة عن مصالحها الاقتصادية والأمنية والسياسية الواسعة على الساحل الجنوبي لليمن، وقد نشهد تصاعدًا في حدة التنافس بالوكالة أو مناورات سياسية متبادلة.
انعدام الثقة التاريخي بالرياض من قبل الجنوبيين: بالنظر إلى السياق التاريخي للانقسامات بين القوى الجنوبية، سيكون من الصعب على الرياض توحيد قبائل حضرموت وحركات الحراك المؤيدة للاستقلال، ونخبة عدن، والمجلس الانتقالي الجنوبي تحت مظلة واحدة، فالانقسامات الداخلية في الجنوب متجذرة بعمق.
بشكل عام، لا تسعى الرياض من خلال هذه الخطوة إلى حل الأزمة اليمنية فحسب، بل تسعى أيضًا إلى ترسيخ هيمنتها في مواجهة منافستها الإقليمية (الإمارات) ورسم النظام الأمني المنشود في جوارها الجنوبي، وسيلعب نجاح هذا المشروع أو فشله دورًا حاسمًا في رسم ملامح المستقبل السياسي لليمن، مع ذلك، لن تُعتبر هذه المحادثات دليلاً على قوة السعودية، بل دليلاً على ضعف الرياض، إذ تُثبت أنها لم تعد قادرة على حكم الجنوب بالقوة والتحالفات العسكرية، وأنها اضطرت إلى اللجوء إلى هندسة سياسية مكلفة ومُرهقة، ما يعني تآكلاً استراتيجياً.
