الوقت - بعد التدخل العسكري الأمريكي في فنزويلا واختطاف رئيسها، وجّه ترامب أنظاره نحو كوبا مؤخراً، ووجّه تهديداته إلى هافانا، وبعد الهجوم على فنزويلا، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن كمية النفط الفنزويلي المُصدّر إلى كوبا ستصل إلى "الصفر"، كما زعم ترامب أن "كوبا على وشك الانهيار، لم يعد لهذا البلد أي دخل، كان دخله كله يأتي من النفط الفنزويلي، والآن لا تتلقى أي نفط".
على الرغم من هذه الضغوط، لا تزال كوبا تحصل على جزء من احتياجاتها النفطية من مصادر أخرى، مثل المكسيك، إلا أن المحللين يحذرون من أن قطع النفط الفنزويلي قد يُعرّض اقتصاد كوبا الهشّ للغاية لخطر الانهيار.
لكن السؤال الذي يطرحه الكثيرون هو: ما الذي يريده الرئيس الأمريكي المثير للجدل من كوبا تحديداً؟ ولماذا صعّدت واشنطن مؤخراً من تهديداتها ضد هافانا؟
من كوبا الأمس إلى كوبا اليوم
منذ ثورة عام ١٩٥٩، احتلت كوبا مكانةً فريدةً في السياسة الخارجية الأمريكية، وتحدّت الحكومة الكوبية باستمرار سلطة واشنطن على مدى العقود الماضية، وقد أظهر غزو خليج الخنازير، وأزمة الصواريخ، وعقود من العقوبات الأمريكية، إلى جانب مئات العمليات السرية ومحاولات عزل كوبا دبلوماسياً، أن كوبا تُشكّل تحدياً مستمراً للولايات المتحدة، ولا يزال هذا التحدي قائماً بالنسبة للأمريكيين بعد ما يقرب من سبعة عقود.
في الوقت نفسه، ومنذ عام ١٩٥٩، حققت الثورة الكوبية إنجازات اجتماعية حقيقية، مثل انتشار التعليم على نطاق واسع، ومتوسط عمر يُضاهي متوسط العمر في الدول المتقدمة، ونظام رعاية صحية أولية جيد، وحياة ثقافية ثرية رغم نقص الموارد المادية، وتمكنت من التمسك باستقلالها عن الولايات المتحدة، حتى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، لم تزدهر كوبا ولم تنهر، بل حافظت على مسارها بثبات.
أما اليوم، فكوبا في وضع مختلف تماماً. تشهد كوبا أعمق أزمة اقتصادية لها منذ عقود، إذ تعاني من تضخم يتجاوز 20%، وتراجع مستمر في الناتج المحلي الإجمالي لسنوات، ونقص مزمن في الغذاء والوقود والدواء، وقد انهار قطاع السياحة، المصدر الرئيسي للعملات الأجنبية في الجزيرة، تحت وطأة الجائحة وتهالك البنية التحتية. لسنوات، كانت فنزويلا تزود كوبا بالطاقة، ولكن منذ انهيار فنزويلا، ازداد الوضع صعوبة على الكوبيين. ومع اختطاف مادورو والحصار الفعلي للنفط الفنزويلي، انقطع هذا الشريان الحيوي فجأة، ولم تعد إمدادات النفط المكسيكية المحدودة كافية لكوبا، وتواجه كوبا الآن سلسلة من انقطاعات التيار الكهربائي، ما يعطل الحياة اليومية ويؤثر على النقل والإنتاج وتوزيع الغذاء.
ومع ذلك، لم يؤدِ الانهيار الاقتصادي إلى ثورة في كوبا، فقد مكّن الخوف من الفوضى والعنف، إلى جانب تماسك النخبة الحاكمة، الشعب الكوبي من الصمود في وجه الوضع الراهن، كما أن الضغط الأمريكي عزز الحكومة الكوبية بدلاً من تقسيمها.
ماذا يريد ترامب من كوبا؟
يتساءل الكثيرون عما تريده الولايات المتحدة تحديدًا من قادة كوبا، فبخلاف فنزويلا، تعاني كوبا، وهي دولة جزرية، من نقص حاد في النفط، وصادراتها محدودة، حتى أنها اضطرت إلى استيراد السكر، وهو محصول اشتهرت به سابقًا.
في الوقت نفسه، لا توجد معارضة حقيقية للحكومة الكوبية في هافانا.
يعتقد مايكل بوستامانتي، الخبير في الشؤون الكوبية بجامعة ميامي، أن الولايات المتحدة لم تُفصح بوضوح عما تريده من كوبا، لكن ما تحاول إدارة ترامب منعه هو تدفق المهاجرين الكوبيين.
يقول بوستامانتي: "قد تُطلق الحكومة الكوبية حملة هجرة جماعية إلى الولايات المتحدة كوسيلة لإقناع واشنطن بالجلوس إلى طاولة المفاوضات لتخفيف العقوبات"، مشيرًا إلى أن هافانا استخدمت هذا التكتيك عدة مرات من قبل، بما في ذلك في أواخر الستينيات عندما توجه مئات الآلاف من الأشخاص إلى ميامي في "رحلات الحرية".
في السنوات الأخيرة، شهدت الولايات المتحدة موجة هجرة جماعية أخرى من كوبا، حيث غادر أكثر من مليون شخص البلاد، تسببت هذه الهجرة الجماعية في انخفاض عدد سكان كوبا بأكثر من 10% بين عامي 2020 و2024، وقد حفزت جائحة كوفيد-19 هذه الهجرة، إذ قضت السياحة على المصدر الرئيسي للدخل في كوبا.
في عام 2024، لم يزر كوبا سوى 2.2 مليون زائر، أي أقل من نصف العدد قبل الجائحة، وفقدت كوبا منذ ذلك الحين نحو 10% من سكانها.
وقد أدى هذا الوضع إلى مزيد من الاضطرابات الاقتصادية، ويسعى العديد من الكوبيين إلى البحث عن فرص للسفر إلى الخارج، من جهة أخرى، ساهم قرار الرئيس النيكاراغوي دانيال أورتيغا في عام 2021 بإلغاء تأشيرات الدخول للكوبيين في تسهيل هذه الموجة من الهجرة، ما سمح للكوبيين بالهجرة إلى الولايات المتحدة دون الحاجة إلى قارب، يسعى ترامب بجدية إلى عكس اتجاه الهجرة من كوبا إلى الولايات المتحدة، وقد قام بترحيل كوبيين على نطاق غير مسبوق، جعلت الإدارة الأمريكية الحالية الهجرة القانونية من كوبا شبه مستحيلة، وفي الشهر الماضي علقت جميع طلبات الهجرة واللجوء المقدمة من الكوبيين.
مع ذلك، ظلّ عدد عمليات ترحيل الكوبيين منخفضًا نسبيًا حتى الآن، فقد أعادت إدارة ترامب 1600 كوبي العام الماضي، في حين حاول أكثر من 675 ألف كوبي دخول الولايات المتحدة خلال الفترة من السنة المالية 2022 إلى 2025، وفقًا لتقرير صادر عن إدارة الجمارك وحماية الحدود الأمريكية.
مصدر للمعادن الأرضية النادرة
تُعدّ كوبا أيضًا مصدرًا للمعادن الأرضية النادرة، ولا سيما الكوبالت والزنك، والتي تعتبرها الولايات المتحدة بشكل متزايد حيوية لتطوير اقتصادها التكنولوجي، تمارس الصين حاليًا ضغوطًا على الولايات المتحدة نظرًا لهيمنتها في استخراج العناصر الأرضية النادرة، وقد منحت هذه الميزة بكين ورقة رابحة ضد الولايات المتحدة، إذ يُمكن أن تُغني موارد المعادن الأرضية النادرة في كوبا الولايات المتحدة عن استيراد هذه المواد من الصين، من هذا المنطلق، قد يكون جزء من أهداف الضغط الأمريكي على كوبا مرتبطًا بالحصول على المعادن الأرضية النادرة.
إمكانية التدخل العسكري في كوبا
في الوقت نفسه، يرى كثيرون أن من غير المرجح أن تُقدم إدارة ترامب على عمليات عسكرية في كوبا، ويعتقد مايكل بوستامانتي أن تكتيك إدارة ترامب ضد كوبا هو الضغط على الجزيرة وحصارها حتى تنهار اقتصاديًا وسياسيًا، إلا أن هذا السيناريو مستبعد، إذ نجت كوبا من عدة فترات اقتصادية صعبة وهجرات جماعية، فبعد انهيار الاتحاد السوفيتي في أوائل التسعينيات، واجهت البلاد انخفاضًا في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 30%، وكان وضعها أسوأ بكثير مما هو عليه اليوم، ومع ذلك، لم يتسبب هذا الوضع السيئ في الانهيار السياسي للحكومة الكوبية، ولا يبدو أن الضغط الاقتصادي قادر على إحداث انهيار كوبا الآن.
في الواقع، يبدو أن السياسة الأمريكية تجاه كوبا لا تزال متأثرة بنموذج الحرب الباردة، وهو نموذج يركز على حصار اقتصادي دام ستة عقود، ظل قائمًا رغم فشل الضغط على كوبا لتنفيذ إصلاحات سياسية، إلا أن حملة الضغط هذه لم تُفلح في إحداث تغيير سياسي في كوبا، وقد أسفرت هذه الحملة في مجملها عن تقريب كوبا من بكين وموسكو، وهو أمرٌ لا يُرضي واشنطن على الإطلاق.
باستثناء فترة عامين في الولاية الثانية لباراك أوباما، وبعض الإصلاحات السياسية الطفيفة في عهد جو بايدن، لا تزال الولايات المتحدة تُعامل كوبا كتهديد، وظلت سياستها تجاه كوبا، التي وُضعت في بدايات الحرب الباردة، دون تغيير يُذكر.
هل تُمثل التهديدات الكوبية للولايات المتحدة تهديدات حقيقية؟
أعربت الولايات المتحدة مرارًا عن استيائها من علاقات كوبا مع روسيا والصين، إلا أن علاقة كوبا بروسيا رمزية أكثر منها واقعية، فقد تعثرت الاتفاقيات الاقتصادية بين الجانبين بسبب الصعوبات المالية وعدم التنفيذ، ولم تكن صادرات النفط الروسية إلى كوبا كافية لتخفيف انقطاعات التيار الكهربائي المتكررة في الجزيرة.
كما أن العلاقات الكوبية الصينية ليست مُرضية، فكوبا دولة موقعة على مبادرة الحزام والطريق الصينية، ووقعت اتفاقيات في مجال البنية التحتية والطاقة مع بكين، ومنحت شركة البترول الوطنية الصينية حصة في التنقيب عن النفط الكوبي، ولكن بالمقارنة مع الأسواق الأكبر في أمريكا اللاتينية، تُعد كوبا نقطة صغيرة في العلاقات الاقتصادية الخارجية للصين، بلغ حجم التبادل التجاري الثنائي بين الصين وكوبا حوالي 862 مليون دولار أمريكي في عام 2023، وهو ما يمثل ثلث حجم التبادل التجاري بينهما وبين السلفادور، التي تضم 60% من سكان كوبا، كما شهدت صادرات كوبا من المواد الخام، مثل النيكل والكوبالت، ركوداً، وواجهت الشركات الصينية التي تنفذ مشاريع في كوبا صعوبات بسبب عجز هافانا عن سداد ديونها.
أما العلاقات العسكرية بين كوبا والصين فهي محدودة للغاية، وتقتصر على لقاءات عسكرية رمزية بين البلدين، ويصعب إجراء مناورات عسكرية مشتركة، ولا توجد قواعد عسكرية صينية في كوبا، وقد أثارت تقارير صدرت عام 2024 حول وجود قواعد مراقبة صينية في كوبا مخاوف في أوساط الأمن القومي الأمريكي، إلا أن الوضع ليس خطيراً بالنسبة للولايات المتحدة، فوجود نقاط تنصت في الجزيرة ليس بالأمر الجديد، إذ سبق للاتحاد السوفيتي (ثم روسيا) أن أدار أكبر منشأة مراقبة في نصف الكرة الغربي في لوردس، كوبا، لعقود. بالطبع، لو أقامت الصين منشأة رادار هناك، لأمكنها رصد تحركات المزيد من الطائرات والسفن الأمريكية في المنطقة، إلا أن هذه المعلومات ذات أهمية محدودة بالنسبة للصين، لأن أي حرب بين الولايات المتحدة والصين ستندلع قرب سواحلها، لا في منطقة الكاريبي، لذا، تُعدّ عمليات الاستخبارات الأمريكية في شرق آسيا مصدر قلق أكبر بكثير لبكين، ولا يبدو أن الأنشطة العسكرية والاقتصادية الصينية المحدودة في كوبا تُشكّل تهديدًا مباشرًا للولايات المتحدة.
