الوقت- لم يعد الجدل الدائر حول وجود اتفاق حقيقي لوقف إطلاق النار في غزة مسألة تقنية أو قانونية فحسب، بل تحوّل إلى مرآة تعكس حالة الانهيار الأخلاقي والسياسي للنظام الدولي برمّته، فحسب تقارير حديثة صادرة عن الأمم المتحدة، وعلى رأسها تصريحات المقررة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيزي، لا يوجد في الواقع أي “وقف إطلاق نار” فعلي في غزة، بل مجرد صيغة إعلامية مفرغة من مضمونها، تُستخدم لتخفيف الضغط السياسي عن حكومة الاحتلال الصهيوني وحلفائها، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية.
وهم الهدنة: وقف نار على الورق فقط
تشير ألبانيزي بوضوح إلى أن ما جرى الترويج له باعتباره اتفاق وقف إطلاق نار منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي، لم يكن سوى إعادة تنظيم لشكل العنف، لا إنهائه، فالأرقام التي وثقتها الأمم المتحدة تظهر أن أكثر من 450 فلسطينياً قُتلوا منذ بدء سريان الاتفاق المعلن، ما يؤكد أن آلة القتل لم تتوقف، بل واصلت عملها بوتيرة مختلفة، وبأساليب أقل ضجيجاً ولكنها أكثر فتكاً.
القصف الجوي لم يتوقف كلياً، والعمليات البرية لم تُنهَ، بل ترافقت مع نمط جديد من القتل البطيء: القنص، التجويع، الحرمان من العلاج، ومنع الدفء والمأوى، وهذا ما يدفع المقررة الأممية إلى القول إن الحديث عن وقف إطلاق النار في غزة لا يعدو كونه “خداعاً سياسياً” يخدم الطرف المعتدي.
القنص والتجويع: أدوات إبادة بلا كاميرات
في توصيفها للوضع الميداني، ترسم ألبانيزي صورة قاتمة لما يجري يومياً في قطاع غزة، قناصة إسرائيليون يستهدفون المدنيين أثناء توجههم إلى المستشفيات أو أثناء بحثهم عن الطعام، في مشهد يعيد إلى الأذهان أكثر الفصول سوداوية في تاريخ النزاعات الحديثة.
ولا يقتصر الأمر على الرصاص، فالموت في غزة بات يأتي بأشكال متعددة: نقص حاد في الأدوية، انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية، غياب التدفئة والملاجئ، وانتشار الأمراض، وخصوصاً بين الأطفال وكبار السن، وتشير تقارير أممية إلى أن أطفالاً يموتون ليس بفعل القصف المباشر، بل بسبب البرد والجوع وانعدام الرعاية الصحية، وهو ما يعزز توصيف ما يجري بوصفه عملية إبادة جماعية ممنهجة، لا مجرد “أضرار جانبية” لحرب.
الإبادة الجماعية: توصيف قانوني أم حقيقة سياسية؟
تذهب فرانشيسكا ألبانيزي إلى أبعد من توصيف الجرائم، فتؤكد أن ما يحدث في غزة يرقى قانونياً إلى مستوى الإبادة الجماعية، وفق تعريف اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948، لكنها في الوقت ذاته تشير إلى ظاهرة أخطر: تطبيع العالم مع هذه الإبادة.
فالإبادة، كما تقول، لم تعد صادمة للضمير العالمي كما يفترض، بل باتت “مألوفة”، تُستهلك أخبارها يومياً دون أن تقود إلى فعل سياسي حقيقي، هذا التطبيع لا يعني أن الشعوب قبلت بما يجري، بل على العكس، فالمظاهرات والاحتجاجات في مختلف دول العالم، من أوروبا إلى أمريكا اللاتينية، تؤكد أن الناس العاديين يرفضون هذه الجرائم ويحاولون تغيير الواقع.
المشكلة، حسب ألبانيزي، تكمن في الحكومات، التي تصفها بأنها إما خائفة من مواجهة الولايات المتحدة وكيان الاحتلال الاسرائيلي، أو متواطئة معهما بشكل مباشر.
الولايات المتحدة: العائق الأساسي أمام إنهاء الإبادة
في صلب تقرير الأمم المتحدة، تبرز حقيقة سياسية لا لبس فيها، الدعم الأمريكي هو المانع الأساسي لوقف الإبادة الجماعية في غزة. فواشنطن، وفق توصيف ألبانيزي، لا تكتفي بحماية كيان الاحتلال الاسرائيلي دبلوماسياً في مجلس الأمن عبر استخدام الفيتو، بل تشارك عملياً في إدارة الصراع وتوفير الغطاء السياسي والعسكري له.
ترى المقررة الأممية أن كيان الاحتلال الاسرائيلي ليس مجرد حليف للولايات المتحدة، بل جزء لا يتجزأ من بنيتها الاستراتيجية في الشرق الأوسط، وبالتالي، فإن ما يتعرض له الفلسطينيون ليس حدثاً معزولاً أو انحرافاً مؤقتاً، بل انعكاس مباشر للسياسة الأمريكية في المنطقة، القائمة على ضمان التفوق الإسرائيلي بأي ثمن، حتى لو كان هذا الثمن إبادة شعب بأكمله.
التخلص من الفلسطينيين: غزة كنقطة البداية
تحذر ألبانيزي من أن ما يجري في غزة قد لا يكون سوى المرحلة الأولى في مخطط أوسع يهدف إلى إعادة هندسة الوجود الفلسطيني، فسياسة التدمير الشامل، والتهجير القسري، وتجريد السكان من مقومات الحياة، ليست مجرد أدوات ضغط على فصائل المقاومة، بل آليات لإفراغ الأرض من سكانها.
وتؤكد أن واشنطن تساعد، بشكل مباشر أو غير مباشر، كيان الاحتلال الإسرائيلي في هذا المسار، بدءاً من غزة، ولكن مع مخاطر حقيقية لتوسع النموذج إلى مناطق أخرى، سواء في الضفة الغربية أو حتى خارج فلسطين، ضمن سياق إقليمي أكثر انفجاراً.
عالم عاجز أم متواطئ؟
أحد أخطر ما يرصده تقرير الأمم المتحدة هو العجز البنيوي للمجتمع الدولي، فالمؤسسات الدولية، رغم توثيقها للجرائم، تبدو عاجزة عن ترجمة هذه التقارير إلى إجراءات رادعة، أما الدول الكبرى، فتتعامل مع غزة بمنطق المصالح لا المبادئ.
هذا العجز لا يمكن فصله عن ميزان القوى العالمي، حيث تفرض الولايات المتحدة وحلفاؤها خطوطاً حمراء تمنع أي تحرك جدي لمحاسبة كيان الاحتلال الاسرائيلي، وهنا تكمن المفارقة: النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية لمنع تكرار الإبادات الجماعية، يقف اليوم متفرجاً على إبادة موثقة، تُنقل وقائعها بالصوت والصورة.
الشعوب في مواجهة الحكومات
رغم هذا المشهد القاتم، ترى ألبانيزي بارقة أمل في التحركات الشعبية، وخصوصاً في أوروبا، فالمظاهرات الواسعة، وحملات المقاطعة، والضغط المتزايد على الشركات المتورطة في دعم الاحتلال، تشكل أدوات حقيقية يمكن أن تُحدث فرقاً إذا ما استُثمرت بشكل منظم.
وتؤكد أن الدور الحقيقي للمجتمع الدولي لا يقتصر على البيانات والإدانات، بل يجب أن يشمل قطع العلاقات الاقتصادية والعسكرية مع كيان الاحتلال، وفرض عقوبات حقيقية عليه، تماماً كما جرى في حالات تاريخية أخرى، مثل نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.
المقاطعة سلاح أخلاقي واقتصادي
في هذا السياق، تعود أهمية حركات المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS)، التي ترى فيها ألبانيزي نموذجاً فعالاً للضغط على كيان الاحتلال الاسرائيل خارج القنوات الرسمية المعطلة، فالمقاطعة الاقتصادية ليست مجرد فعل رمزي، بل أداة سياسية قادرة على تغيير الحسابات، وخصوصاً في ظل حساسية الاقتصاد الإسرائيلي للعلاقات التجارية والاستثمارية.
وتشير إلى أن التاريخ أثبت أن التحركات الشعبية المنظمة قادرة على كسر إرادة الحكومات المتواطئة، أو على الأقل رفع تكلفة استمرارها في دعم أنظمة تمارس الإبادة.
غزة اختبار الإنسانية الأخير
في نهاية المطاف، لا يمثل تقرير الأمم المتحدة عن غزة مجرد وثيقة حقوقية، بل اتهاماً أخلاقياً وسياسياً للنظام الدولي، فغياب وقف إطلاق نار حقيقي، واستمرار القتل بعد الإعلان عنه، وتطبيع الإبادة الجماعية، كلها مؤشرات على أن العالم يقف أمام اختبار تاريخي.
إما أن يُعاد الاعتبار للقانون الدولي وحقوق الإنسان كمرجعية حقيقية، أو أن يُكرَّس منطق القوة والإفلات من العقاب كنظام عالمي جديد، وفي هذا الاختبار، تبدو غزة اليوم ليست فقط ضحية، بل مرآة تعكس ما آل إليه ضمير العالم.