الوقت- في ظل استمرار العدوان الواسع الذي يشنه الكيان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني، ولا سيما في قطاع غزة، تتكشّف تباعاً معطيات صادمة حول أوضاع الأسرى الفلسطينيين داخل السجون ومراكز الاحتجاز الإسرائيلية. فإلى جانب القصف والتجويع والحصار، يبدو أن معاناة الفلسطينيين تمتد خلف جدران السجون، حيث توثق تقارير حقوقية محلية ودولية ممارسات قاسية ترقى إلى جرائم تعذيب ممنهجة وانتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني.
وفي هذا السياق، كشف تقرير حديث صادر عن منظمة حقوقية إسرائيلية تُدعى «بتسيلم» عن أبعاد جديدة وخطيرة من الانتهاكات التي يتعرض لها الأسرى الفلسطينيون في سجون الكيان الإسرائيلي، مستنداً إلى شهادات مباشرة لأسرى أُفرج عنهم خلال الأشهر الماضية. التقرير يسلّط الضوء على أنماط متكررة من التعذيب الجسدي والنفسي، إضافة إلى اعتداءات وتهديدات جنسية، وسياسات تجويع وإهمال طبي متعمّد.
شهادات صادمة من داخل السجون
بحسب التقرير، فإن شهادات الأسرى الفلسطينيين المفرج عنهم تكشف عن استخدام منهجي للعنف المفرط خلال فترات الاعتقال والتحقيق، حيث أفاد عدد كبير منهم بتعرضهم للضرب الشديد، والركل، والتقييد المؤلم لفترات طويلة، وإجبارهم على اتخاذ أوضاع جسدية مرهقة لساعات أو أيام متواصلة. وأكد بعض الأسرى أن آثار هذه الممارسات استمرت معهم حتى بعد الإفراج عنهم، في شكل كسور، وتمزقات عضلية، وحروق ناتجة عن استخدام أدوات أو مواد مؤذية.
كما أشار التقرير إلى أن التعذيب لم يكن عشوائياً أو فردياً، بل جرى في إطار سياسة واضحة، تهدف إلى كسر إرادة الأسرى وانتزاع اعترافات منهم، أو معاقبتهم جماعياً على خلفية انتمائهم الوطني والسياسي.
اعتداءات وتهديدات جنسية
أحد أخطر ما ورد في تقرير «بتسيلم» هو توثيق حالات تعرض فيها أسرى فلسطينيون لاعتداءات جنسية مباشرة أو لتهديدات ذات طابع جنسي، سواء أثناء التحقيق أو خلال الاحتجاز. وذكر التقرير أن بعض الأسرى أُجبروا على التعري، أو تعرضوا للمسّ بأجسادهم بطريقة مهينة، فيما جرى تهديد آخرين باغتصابهم أو إيذاء أفراد من عائلاتهم جنسياً.
وتؤكد المنظمة الحقوقية أن هذه الممارسات تشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، واتفاقية مناهضة التعذيب، وأن استخدامها كسلاح نفسي يعكس مستوى خطيراً من الانحطاط في التعامل مع الأسرى الفلسطينيين داخل منظومة السجون التابعة للكيان الإسرائيلي.
سياسة التجويع والإذلال
التقرير الحقوقي لم يتوقف عند حدود التعذيب الجسدي والجنسي، بل كشف أيضاً عن سياسة تجويع متعمدة تُمارس بحق الأسرى الفلسطينيين. فبحسب الشهادات، يتم تقليص كميات الطعام إلى الحد الأدنى، وغالباً ما تقتصر الوجبات اليومية على قطع من الخبز الجاف أو القليل من الخضار، مثل الخيار، دون أي قيمة غذائية كافية.
أما المياه، فتُقدّم بكميات شحيحة، حيث يحصل بعض الأسرى على زجاجة مياه واحدة فقط طوال اليوم، في ظروف احتجاز تفتقر إلى التهوية والنظافة. ويؤكد التقرير أن هذه السياسة أدت إلى فقدان عدد كبير من الأسرى لأوزانهم بشكل حاد، وإصابتهم بحالات إغماء وضعف عام.
إهمال طبي ممنهج
إلى جانب التجويع، أشار التقرير إلى حرمان الأسرى الفلسطينيين من الرعاية الطبية الأساسية، حتى في الحالات الطارئة. فقد أفاد أسرى مصابون بأمراض مزمنة، أو بجروح ناتجة عن التعذيب، بأنهم حُرموا من العلاج أو الأدوية اللازمة، وأن طلباتهم المتكررة لمقابلة أطباء قوبلت بالتجاهل أو الرفض.
كما لفتت المنظمة إلى أن الظروف الصحية داخل السجون، من اكتظاظ شديد، وانعدام النظافة، ونقص أدوات الاستحمام، تشكل بيئة خصبة لانتشار الأمراض، دون أن يقابل ذلك أي إجراءات وقائية من قبل إدارة السجون التابعة للكيان الإسرائيلي.
سياق تصعيد شامل منذ بدء الحرب على غزة
يربط التقرير بين تصاعد هذه الانتهاكات وبين بدء العدوان الواسع على قطاع غزة، حيث يشير إلى أن الكيان الإسرائيلي شدد إجراءاته القمعية داخل السجون بالتوازي مع عملياته العسكرية. ووفقاً للمنظمة الحقوقية، فإن هذه الممارسات تعكس توجهاً سياسياً وأمنياً يستخدم الأسرى الفلسطينيين كأداة للانتقام الجماعي والضغط النفسي على المجتمع الفلسطيني بأكمله.
ويؤكد التقرير أن عدد حالات التعذيب الموثقة ارتفع بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة، ما يدل على أن ما يجري ليس تجاوزات فردية، بل سياسة رسمية تحظى بتغطية أو صمت من المستويات العليا في منظومة الحكم الإسرائيلية.
موقف الفصائل الفلسطينية
من جهته، أعلن المكتب الإعلامي للأسرى الفلسطينيين في حركة حماس أن ما ورد في تقرير «بتسيلم» يؤكد صحة ما كانت الحركة والمؤسسات الفلسطينية تحذر منه منذ سنوات، بشأن وجود سياسة تعذيب ممنهجة داخل سجون الكيان الإسرائيلي.
وأكد البيان أن هذه الممارسات تشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، داعياً المجتمع الدولي، والمؤسسات الحقوقية، والأمم المتحدة، إلى التحرك العاجل لوقف الانتهاكات، ومحاسبة المسؤولين عنها، وضمان حماية الأسرى الفلسطينيين وفقاً للقانون الدولي.
دعوات للمحاسبة الدولية
وطالبت حماس وعدد من المؤسسات الحقوقية الفلسطينية بتفعيل آليات المساءلة الدولية، بما في ذلك محكمة الجنايات الدولية، للتحقيق في جرائم التعذيب والإهمال الطبي والتجويع، التي يتعرض لها الأسرى الفلسطينيون داخل سجون الكيان الإسرائيلي.
كما دعت إلى إرسال لجان تحقيق دولية مستقلة لزيارة السجون ومراكز الاحتجاز، والاطلاع المباشر على أوضاع الأسرى، بعيداً عن الرواية الرسمية الإسرائيلية.
صمت دولي وتساؤلات أخلاقية
رغم خطورة ما ورد في التقرير، يثير مراقبون تساؤلات حول استمرار الصمت الدولي، أو الاكتفاء ببيانات خجولة لا ترتقي إلى مستوى الجرائم الموثقة. ويشير حقوقيون إلى أن تجاهل هذه الانتهاكات يشجع على استمرارها، ويقوض منظومة العدالة الدولية، ويكرس سياسة الإفلات من العقاب.
ويرى محللون أن توثيق الانتهاكات من قبل منظمة إسرائيلية مثل «بتسيلم» يمنح هذه التقارير مصداقية إضافية، ويفرض على المجتمع الدولي مسؤولية أخلاقية وقانونية أكبر للتحرك، بعيداً عن المعايير المزدوجة.
تكشف التقارير الحقوقية الأخيرة عن واقع مظلم يعيشه الأسرى الفلسطينيون في سجون الكيان الإسرائيلي، حيث تتداخل سياسات التعذيب، والتجويع، والإهمال الطبي، في منظومة قمعية متكاملة. ومع استمرار العدوان على غزة، يبدو أن معاناة الأسرى تشكل وجهاً آخر من أوجه الحرب المفتوحة على الشعب الفلسطيني.
وبينما تتزايد الدعوات للمحاسبة، يبقى السؤال مطروحاً حول مدى استعداد المجتمع الدولي لتحويل هذه التقارير إلى خطوات عملية تضع حداً لانتهاكات طال أمدها، وتعيد الاعتبار لمبادئ حقوق الإنسان التي يُفترض أنها عالمية وغير قابلة للتجزئة.
