الوقت - نقلت شبكة “i24” الناطقة بلسان الكيان الإسرائيلي، عن مصدر دبلوماسي صهيوني، نبأ الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الصهيوني إلى هرقيسا، عاصمة الكيان الانفصالي “أرض الصومال”، في أول رحلة رسمية له منذ اعتراف كيانه بهذا الإقليم الخارج عن الشرعية.
وفي هذا السياق، أفرد “مركز أبحاث الأمن القومي” التابع للكيان الصهيوني تقريراً مطولًا دوّن سطوره الباحثان “إيكي حزان” و"يهوشع كاليسكي"، أضاءا فيه على ما وصفاه بـ"الأهمية العسكرية والاستراتيجية" لهذا الاعتراف، وطرق استثماره أمنياً وعسكرياً في المستقبل القريب.
وجاء في التقرير أن الاعتراف المتبادل بين تل أبيب و“أرض الصومال”، وفتح قنوات دبلوماسية وتجارية بين الجانبين، من شأنه أن يُمهِّد لبناء سلسلة من القدرات الدفاعية والهجومية الجديدة للكيان الصهيوني.
وقد نقل موقع Middle East Monitor عن مصادر استخبارية في العام المنصرم أنّ سلطات “أرض الصومال”، عبر وساطة إماراتيّة، أبدت استعدادها للسماح للكيان الصهيوني ببناء قاعدة عسكرية على أراضيها، مقابل الاعتراف بها دولةً مستقلةً، وفتح أبواب الاستثمارات الصهيونية في شرايين اقتصادها المتصدّع.
ويُرجّح محللو المركز أن “أرض الصومال”، في ظل الشراكة الوليدة، قد تتيح للكيان محطات عسكرية خفيّة وتسهيلات أمنية سريّة فوق أراضيها، مستدلين بتصريحات أدلى بها الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات في الإقليم الانفصالي، عبّر فيها صراحةً عمّا يسمّيه “حرص سلطات أرض الصومال على حماية مصالح الغرب عامةً، ومصالح إسرائيل خاصةً”، حسب قوله.
المزايا العسكرية والأمنية لتمركز صهيوني عند بوابة أفريقيا الشرقية
يستفيض تقرير المركز الصهيوني بتعداد المنافع الاستراتيجية التي قد يجنيها الكيان من بناء قاعدة عسكرية في “أرض الصومال”، فيشير إلى أن إقامة منظومات رادارية وكشف مبكر هناك، يُعزّز قدرة الكيان على التنبؤ بالحملات الصاروخية والطائرات المسيّرة، ويمكّنه من التفاعل الفوري مع الأخطار الآتية من جنوب البحر الأحمر.
كما يمنح تمركزُه هناك الموقع الجغرافي ميزة “الاختراق القريب”، حيث يتيح للكيان مهاجمة أهداف تابعة لأنصار الله في اليمن من مسافة لا تتجاوز بضع مئات من الكيلومترات، خلافاً للمسافات البعيدة التي تبلغ ألفي كيلومتر أو تزيد، لو انطلق الهجوم من داخل حدود الكيان نفسه؛ ما يعني فعاليةً أكبر، وتكلّفةً أقل، ووقتًا أقصر في تنفيذ الضربات.
أما في البعد الدفاعي، فإن هذا التموضع الميداني يوفّر إمكانية اعتراض الصواريخ الباليستية في بدايات انطلاقها، وتحديداً في “مرحلة التسارع” حيث يكون الصاروخ في أضعف حالاته من حيث السرعة والمناورة والحماية، ما يزيد فرص تدميره قبل أن يبلغ طور الخطر الأكبر.
ويكشف التقرير عن نفعٍ مزدوج لهذا النوع من الاعتراض: فمن جهة، يمنع تساقط شظايا الصواريخ أو مخلّفات الاعتراض داخل أراضي الكيان، وهو ما يحول دون أضرار مباشرة أو “جانبية” قد تصيب المدنيين، ومن جهة أخرى، يعطي القيادة الصهيونية هامش مناورة أوسع وزمنَ ردّ إضافي، في حال فشل الاعتراض الأوّلي، بل يجنّبهم مشهد ذعر المدنيين وموجات النزوح المؤقت نحو الملاجئ، بما يصاحب ذلك من تكلفة نفسية واقتصادية باهظة.
ورغم أن هذا النمط الدفاعي ما زال حتى اللحظة حبيس القيود الجيوسياسية والبنية التقنية المحدودة، فإنّ التقرير يتوقع أن التطور التقني والابتكار السريع في مجال الرادارات الدقيقة وأنظمة الليزر المحمولة جوًّا، مثل مشروع “الضوء القوي”، سيجعل من هذا الاحتمال واقعاً ماثلاً في المستقبل القريب، وبهذا، قد يتمكن الكيان من إدارة معاركه البعيدة عن حدوده، على أرض خصومه، بأدوات أكثر قدرةً وأسرع فعلاً وأقل كلفةً.
النكسة أمام أنصار الله واستراتيجية “الهروب إلى الأمام”
وفي سياق متصل، أشارت تحليلات عدة إلى أنّ فشل الكيان الصهيوني في كسر شوكة “أنصار الله” في اليمن، وعجز الإدارة الأمريكية عن تطويع اليمنيين وثنيهم عن نصرة غزة، دفع بالتحالف الصهيوأمريكي إلى اقتفاء أثرٍ جديد في خارطة الهيمنة، فكان أن وُضِعَتْ عينُهم على باب البحر الأحمر الجنوبي، وأقلقهم المدّ الشعبي المناهض لهم في هذه الساحة، فصاغوا مشروع “أرض الصومال” ككيان وظيفي جديد، يؤدّي الأدوار التي فشلت فيها أنظمة أخرى.
وهكذا، يبدو أن القرن الإفريقي مقبلٌ على توتُّرٍ متصاعد، تُشكَّل معالمه بحبر المطامع، وتُهندس تفاصيله على طاولة القوى الطامحة لرسم خرائط الهيمنة باسم “الدبلوماسية”، فيما الحقيقة ليست سوى استعمار جديد يتزيّا بثوب الاعتراف.
ختام القول:
إنّ ما يُخطّط له في ظلال هذا الاعتراف المشبوه، ليس سوى فتح نافذة شرّ على خاصرة أفريقيا، وتحويل أرض الصومال إلى قاعدة أمامية تُمكّن الكيان الصهيوني من خوض معاركه بالوكالة، وتمنحه القدرة على الطعن في ظهر الأمة من خاصرتها الضعيفة.
