الوقت- أثار الحديث عن محادثات ثنائية جرت في باريس بين مسؤولين رفيعي المستوى يمثلون الحكومة المؤقتة في سوريا والجانب الإسرائيلي، كما نُقل عن موقع أكسيوس وتداولته وسائل إعلام عربية، موجة واسعة من التساؤلات والقلق السياسي، فمثل هذا الخبر لا يمكن التعامل معه بوصفه تسريباً عابراً أو لقاءً بروتوكولياً، بل يتجاوز ذلك ليشكّل مؤشراً على تحولات محتملة في مسار الصراع العربي–الإسرائيلي، أهمية الخبر لا تكمن فقط في حصول اللقاء، بل في توقيته وسياقه الإقليمي والدولي، وفي الرسائل التي قد يسعى كل طرف إلى إيصالها من خلاله.
سياق إقليمي مضطرب يفسر دوافع اللقاء
تأتي هذه المحادثات في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، حيث تشهد المنطقة إعادة ترتيب للأولويات والتحالفات، في ظل ضغوط سياسية واقتصادية وأمنية غير مسبوقة، الحكومة المؤقتة في سوريا، التي خرجت من سنوات طويلة من الحرب والعقوبات، تواجه تحديات داخلية كبرى تتعلق بإعادة الإعمار واستعادة الاستقرار، في المقابل، تسعى "إسرائيل" إلى استثمار هذا الوضع الهش لفرض وقائع سياسية وأمنية جديدة تخدم مصالحها الاستراتيجية.
دلالات اختيار باريس كمكان للمحادثات
اختيار باريس كمسرح محتمل لهذه المحادثات لا يمكن فصله عن الرمزية السياسية والدبلوماسية التي تمثلها العواصم الأوروبية في إدارة الملفات الحساسة. ففرنسا، بما لها من تاريخ في الشرق الأوسط، غالباً ما تلعب دور الوسيط غير المعلن في القضايا الشائكة، ما يمنح اللقاء غطاءً دبلوماسياً بعيداً عن الأضواء المباشرة، غير أن هذا الاختيار يعكس أيضاً رغبة "إسرائيل" في تدويل أي مسار تفاوضي وإخراجه من إطاره الإقليمي، بما يتيح لها هامش مناورة أوسع وضغوطاً غير مباشرة على الحكومة المؤقتة في سوريا، وخاصة في ظل اختلال موازين القوى.
الآثار السلبية المحتملة على الموقف السوري
تكمن الخطورة الأساسية لمثل هذه المحادثات في ما قد تتركه من آثار سلبية على موقف الحكومة المؤقتة في سوريا المبدئي، فالدخول في حوار ثنائي مع إسرائيل، دون إطار واضح أو ضمانات وطنية، قد يفتح الباب أمام تآكل تدريجي للثوابت السياسية، وعلى رأسها قضية الجولان المحتل.
كما أن مجرد انعقاد اللقاء يمنح إسرائيل ورقة سياسية تستخدمها للترويج لفكرة أن الصراع مع الحكومة المؤقتة في سوريا بات قابلاً للحل عبر التفاوض المباشر، متجاهلة واقع الاحتلال والانتهاكات المستمرة، هذا الأمر قد يضعف موقف الحكومة المؤقتة في سوريا التفاوضي مستقبلاً، ويخلق انقساماً في الرأي العام حول جدوى هذه المسارات ومخاطرها.
مخاطر تحويل الحوار إلى مسار تطبيعي تدريجي
أحد أخطر أبعاد هذه المحادثات يتمثل في احتمال تحويلها من تواصل محدود إلى مسار تطبيعي تدريجي، يبدأ بلقاءات تقنية أو أمنية وينتهي بتغييرات سياسية أعمق. التجارب السابقة في المنطقة أظهرت أن إسرائيل تعتمد سياسة الخطوات الصغيرة لتطبيع الواقع دون تقديم تنازلات جوهرية، هذا النهج قد يؤدي إلى إفراغ الصراع من مضمونه الحقيقي، وتحويله إلى ملف تفاوضي بارد، منفصل عن قضايا الاحتلال والحقوق التاريخية. مثل هذا المسار، إن تُرك دون ضوابط صارمة، قد يُضعف موقف الحكومة المؤقتة في سوريا ويقيد خياراتها المستقبلية.
المطالب الإسرائيلية غير المشروعة كجوهر الخلاف
التجربة التاريخية مع "إسرائيل" تشير بوضوح إلى أن أي حوار أو تفاوض لا يكون متكافئاً، بل ينطلق غالباً من مطالب إسرائيلية غير مشروعة تمس جوهر السيادة الوطنية للطرف الآخر، في حالة الحكومة المؤقتة في سوريا، تتمحور هذه المطالب عادة حول ترتيبات أمنية طويلة الأمد، أو اعترافات سياسية مبطنة، أو القبول بواقع الاحتلال تحت مسميات مختلفة، مثل هذه المطالب، حتى وإن طُرحت بشكل غير مباشر، تشكل تهديداً حقيقياً للمصالح الوطنية للشعب السوري، لأنها تسعى إلى تثبيت مكاسب الاحتلال بدل إنهائه، وإلى تحويل الصراع من قضية حق إلى مسألة تفاهمات تقنية وأمنية.
انعكاسات داخلية وشعبية لا يمكن تجاهلها
لا يمكن فصل أي خطوة سياسية من هذا النوع عن انعكاساتها الداخلية، فالشعب السوري، الذي دفع أثماناً باهظة خلال السنوات الماضية، ينظر بحساسية شديدة إلى أي تحرك قد يُفهم على أنه تنازل عن الحقوق أو التفاف على القضايا الوطنية الكبرى، إن غياب الشفافية حول طبيعة هذه المحادثات وأهدافها يزيد من منسوب الشك والقلق الشعبي، وقد يفتح الباب أمام تفسيرات متباينة، بعضها يرى في الأمر ضرورة سياسية مؤقتة وبعضها الآخر يعتبره مساراً خطيراً نحو التطبيع، هذا الانقسام المحتمل بحد ذاته يُعد أثراً سلبياً يجب أخذه في الحسبان تجاه دعم الحكومة المؤقتة في سوريا.
البعد الإقليمي وتأثير المحادثات على الصراع العربي–الإسرائيلي
لا تقتصر تداعيات هذه المحادثات على الساحة السورية وحدها، بل تمتد إلى الإطار الأوسع للصراع العربي–الإسرائيلي، ففتح قنوات حوار ثنائي خارج سياق حل شامل وعادل قد يساهم في تفكيك الموقف العربي الجماعي، ويمنح "إسرائيل" فرصة لتعميق سياسة التعامل المنفرد مع كل طرف على حدة، هذا الأمر يضعف مركزية القضية الفلسطينية ويعيد رسم أولويات الصراع بما يخدم الاحتلال، من هنا، تبرز أهمية النظر إلى هذه المحادثات باعتبارها قضية إقليمية، لا مجرد شأن ثنائي محدود الأثر.
بين الحسابات السياسية وصون الحقوق الوطنية
في المحصلة، فإن خبر المحادثات السورية–الإسرائيلية في باريس، حتى وإن بقي في إطار التسريبات، يفرض مقاربة تحليلية حذرة توازن بين فهم تعقيدات الواقع السياسي وضرورة حماية المصالح الوطنية العليا، الواقعية السياسية لا تعني القبول بالمطالب غير المشروعة، ولا تبرر الانزلاق إلى مسارات قد تُستخدم لاحقاً للضغط أو الابتزاز.
المطلوب، إن وُجد أي حراك دبلوماسي، أن يكون منضبطاً بثوابت واضحة، وعلى رأسها استعادة الحقوق كاملة غير منقوصة من قبل الحكومة المؤقتة في سوريا. دون ذلك، تبقى هذه المحادثات مصدر قلق مشروع، وعاملاً قد يحمل في طياته مخاطر تفوق بكثير أي مكاسب محتملة.
