الوقت- شهدت غزة خلال الليلتين الماضيتين أشد موجة برد منذ بداية فصل الشتاء، بردٌ بات عدوًا جديدًا لنحو مليوني لاجئ مزقتهم الحرب في غزة، هذا هو الشتاء الثالث على التوالي الذي يشهد ظروفًا كارثية لسكان غزة تحت وطأة الأمطار والبرد. في الواقع، تُركت غزة وحيدةً في مواجهة الإبادة الجماعية خلال عامين من الحرب، واليوم تُترك وحيدةً في مواجهة برد الشتاء القارس، حيث تشهد هذه المنطقة المنكوبة بالحرب حاليًا أمطارًا غزيرة تُحطم خيام النازحين وتتسبب في انهيار المباني عليهم، وقد خلّف هذا الوضع عشرات الشهداء والضحايا حتى الآن.
تُظهر الأفلام والتقارير أن أي خيمة في غزة لا تصمد أمام البرد القارس والرياح الشتوية العاتية، ومع اقتراب فصل الشتاء، يُعاني النازحون في غزة من ظروف قاسية ناجمة عن الأمطار الغزيرة وانخفاض درجات الحرارة.
1.6 مليون فلسطيني يُواجهون سوء التغذية
أعلن المستشار الإعلامي لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) أن 1.6 مليون فلسطيني في قطاع غزة يُعانون حاليًا من سوء تغذية حاد أو متعدد المستويات، وانعدام الأمن الغذائي، نتيجة استمرار "إسرائيل" في منع وصول الإمدادات الإنسانية الأساسية، ولا سيما خلال فصل الشتاء.
وحذّر عدنان أبو حسنة من عواقب نظام جوي شديد القسوة اجتاح غزة، قائلاً إن هذه الظروف أدت إلى هدم آلاف الخيام المتهالكة، وانتشار المياه والصرف الصحي في المناطق السكنية، ما كان له أثر كارثي على حياة النازحين، حسب قوله، فإن معظم الخيام رديئة الصنع، مصنوعة من البلاستيك والأقمشة المؤقتة، وهي عاجزة عمليًا عن الحماية من الأمطار والعواصف.
وأضاف مسؤول الأونروا إن النظام الإسرائيلي أوقف 6000 شاحنة تحمل مئات الآلاف من الخيام والبطانيات والملابس الشتوية والمواد الغذائية - تكفي غزة لثلاثة أشهر من الغذاء - عند المعابر.
وتفيد التقارير أيضًا بأن الشتاء القارس يُتلف الخيام، التي لا تُشكل حاجزًا لا للبرد ولا للأمطار، ويعاني سكان قطاع غزة من ظروف إنسانية بالغة الصعوبة، حيث ضاعف البرد والأمطار الغزيرة وانعدام المأوى الآمن معاناة اللاجئين الذين مزقتهم الحرب.
كما صرّح فيليب لازاريني، الأمين العام لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا)، بأن ازدياد هطول الأمطار، والشعور باليأس والموت، ومصاعب الشتاء القارس المستمر منذ عامين، قد فاقمت مشاكل سكان غزة.
وأضاف إن سكان غزة يعيشون في خيام متداعية تغمرها مياه الأمطار، وإن المساعدات الإنسانية لا تصل إليهم بالقدر الكافي.
إعادة الإعمار تحت الحصار والمماطلة وفصل الشتاء
الحقيقة هي أنه بعد عامين من الحرب المدمرة التي شنها النظام الإسرائيلي، لا تزال جبال الأنقاض التي خلفتها الغارات الجوية تغطي شوارع وأحياء قطاع غزة؛ أنقاض لم تشوه وجه المدينة فحسب، بل شلّت الحياة اليومية لسكانها.
الطرق المغلقة والأزقة غير الآمنة والمنازل التي تحولت إلى أكوام من التراب أصبحت مشهداً متكرراً للعائلات التي تعيش هذا الكابوس يومياً، وعلى الرغم من مرور الوقت، لا تزال الآلات والمعدات اللازمة لإزالة الأنقاض وبدء إعادة الإعمار حبيسة الأدراج، يقول سكان غزة إن العالم شاهد هذه الصور مراراً وتكراراً على شاشات التلفزيون، لكن عملياً لم يُمارس أي ضغط فعّال لإجبار نظام الاحتلال على إحضار المعدات وبدء إعادة الإعمار.
في غضون ذلك، أدى تأخير تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار ومنع بدء إعادة الإعمار إلى مضاعفة معاناة السكان، وأصبح فصل الشتاء وسيلةً لتفاقم الضغط؛ فصلٌ زادت فيه الأمطار والبرد من خطورة الأنقاض، وجعلت الحياة في الخيام والمنازل شبه المدمرة لا تُطاق، ويرى كثيرون في هذه السياسة محاولةً مُتعمّدة لإجبار السكان على ترك منازلهم.
الشتاء أقسى من الحرب
تناولت صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية الوضع المأساوي في قطاع غزة في تقرير لها، وأكدت أنه على الرغم من وقف إطلاق النار، فإن سكان هذه المنطقة يُعانون شتاءً جديدًا من المعاناة والمشقة.
ووفقًا للصحيفة، لا تزال أزمة الغذاء الحادة والظروف المعيشية الصعبة في غزة قائمة، ويأتي هذا في حين أن النظام الصحي والطبي في القطاع عاجز عن تلبية حتى الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية للسكان بسبب الدمار الهائل.
وكتبت صحيفة "واشنطن بوست"، نقلاً عن لجنة من الخبراء الدوليين: "يعاني ما يقرب من ثلاثة أرباع سكان قطاع غزة من انعدام الأمن الغذائي الحاد".
في جزء آخر من التقرير، ورد أن العواصف الشتوية الأخيرة أودت بحياة عشرات الفلسطينيين، وأن عرقلة الكيان الصهيوني لدخول المساعدات الإنسانية جعلت الوضع لا يُطاق بالنسبة للاجئين وسكان غزة، وقد عرّض نقص الوقود ومعدات التدفئة والغذاء الكافي، بالإضافة إلى البرد القارس، حياة آلاف آخرين لخطر جسيم.
اللامبالاة العالمية التامة
يشكو العديد من مناصري المقاومة الفلسطينية من لامبالاة العالم تجاه الوضع في غزة، وانتقد نصر الدين عامر، أحد قادة حركة أنصار الله اليمنية، هذه اللامبالاة خلال فصل الشتاء، قائلاً: "حوّل المطر ومياه البحر والشتاء حياة سكان غزة، الذين يعيشون في الخيام، إلى مأساة حقيقية، والآن، لا بد من طرح السؤال: أين الضامنين لتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار؟" وأضاف: "أين تركيا وقطر ومصر؟ أين أمريكا الكاذبة؟ لا تتخذ الأطراف الوسيطة أي إجراء، ولا يتفاعل العالم، ولا ينبس العالم العربي ببنت شفة، حتى أن الأوضاع في غزة لم تعد أولوية بالنسبة لوسائل الإعلام."
في حين أن الدول الأوروبية التي تدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان وكرامته لم تتخذ أي إجراء لتخفيف معاناة اللاجئين في غزة خلال فصل الشتاء، فإن منظمات حقوق الإنسان تتجاهل وضع الفلسطينيين.
