الوقت-أعادت التطورات السياسية الأخيرة في الكيان الصهيوني الجدل إلى الواجهة بشأن مسؤولية الحكومة، وعلى رأسها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، عن الإخفاقات الأمنية التي سبقت هجوم السابع من أكتوبر 2023. ذلك الهجوم الذي شكّل أحد أخطر التحديات الأمنية في تاريخ "إسرائيل" الحديث، وأسفر عن خسائر بشرية وعسكرية كبيرة، وأدخل المنطقة في حرب واسعة لا تزال تداعياتها مستمرة، وفي ظل هذه الأحداث، يبرز ملف التحقيق في أسباب الفشل كأحد أكثر القضايا حساسية وانقسامًا داخل المجتمع السياسي والإسرائيلي عمومًا، وخاصة مع إصرار الحكومة الحالية على تشكيل لجنة تحقيق تُعيَّن من قبل السلطة التنفيذية، وهو ما أثار اعتراضات واسعة من المعارضة، وعائلات الضحايا، وشخصيات رسمية بارزة.
تشير الوقائع إلى أن حكومة نتنياهو أعلنت، في أواخر العام الماضي، نيتها تشكيل لجنة تحقيق حكومية للنظر في الإخفاقات الأمنية والاستخباراتية التي سبقت الهجوم، هذه الخطوة جاءت في وقت تتصاعد فيه الضغوط الشعبية والسياسية المطالِبة بلجنة تحقيق رسمية مستقلة تُشكَّل بقرار قضائي، على غرار لجان التحقيق التي أُنشئت في "إسرائيل" عقب أزمات كبرى سابقة، إلا أن الحكومة بررت خيارها بالقول إن الظروف الاستثنائية التي تمر بها الدولة لا تسمح بلجنة “مسيسة”، على حد وصفها، معتبرة أن لجنة حكومية قادرة على إنجاز التحقيق بسرعة وفعالية.
في المقابل، رأت المعارضة أن هذا التوجه يُفقد التحقيق مصداقيته منذ البداية، لأن الجهة التي ستُحقق هي نفسها الجهة المتهمة بالتقصير، وقد عبّرت عائلات الضحايا عن رفضها القاطع لهذا المسار، معتبرة أن أي لجنة لا تتمتع بالاستقلال الكامل عن الحكومة لن تكون قادرة على كشف الحقيقة أو تحميل المسؤوليات بشكل عادل، كما حذرت شخصيات سياسية وقانونية من أن تعيين أعضاء اللجنة بقرار حكومي يمنح نتنياهو وحلفاءه القدرة على تحديد نطاق التحقيق، وانتقاء الشهود، وربما استبعاد أسئلة تمس القرارات السياسية العليا التي سبقت الهجوم.
من الناحية التحليلية، يرى مراقبون أن إصرار نتنياهو على هذا النوع من التحقيق لا يمكن فصله عن موقعه السياسي الهش، فالهجوم وقع في ظل حكومته، وبعد سلسلة تحذيرات أمنية وتقارير استخباراتية تحدثت، وفق تسريبات إعلامية، عن مؤشرات غير طبيعية على حدود غزة، لجنة تحقيق مستقلة، بصلاحيات واسعة وتحت إشراف القضاء، قد تفتح الباب أمام تحميل المسؤولية السياسية المباشرة لرئيس الوزراء، وهو ما قد يهدد مستقبله السياسي، وخاصة في ظل تراجع شعبيته واتساع رقعة المطالبات باستقالته.
كما أن السياق السياسي الداخلي يلعب دورًا مهمًا في هذا الملف. فإسرائيل تعيش منذ سنوات حالة استقطاب حاد، تفاقمت مع خطط التعديلات القضائية التي قادها نتنياهو وحكومته قبل الحرب، هذا الانقسام جعل الثقة بين الشارع والمؤسسات الرسمية في أدنى مستوياتها، وأي محاولة للتحقيق في حدث بحجم السابع من أكتوبر دون استقلالية حقيقية تُنظر إليها باعتبارها امتدادًا للأزمة السياسية، لا خطوة لمعالجتها.
من جهة أخرى، تشير تحليلات صحفية إلى أن نتنياهو يسعى من خلال لجنة حكومية إلى إعادة توجيه المسؤولية نحو المستويات العسكرية والأمنية، بدلًا من القيادة السياسية، فالتاريخ الإسرائيلي يُظهر أن لجان التحقيق المستقلة غالبًا ما تنتهي بتوصيات قاسية تطال كبار المسؤولين، كما حدث بعد حرب أكتوبر 1973. هذا الإرث يجعل القيادة السياسية الحالية أكثر حذرًا من تكرار التجربة، وخاصة في ظرف سياسي معقد قد يقود إلى انتخابات مبكرة.
اللافت في هذا السياق هو أن الاعتراض على اللجنة الحكومية لم يقتصر على المعارضة، بل شمل أيضًا أصواتًا من داخل المؤسسة الرسمية، فقد عبّر الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ عن قلقه من أن يؤدي التحقيق غير المستقل إلى تقويض ثقة الجمهور، مؤكدًا أن كشف الحقيقة يجب أن يكون فوق أي اعتبار سياسي، هذا الموقف يعكس إدراكًا رسميًا لخطورة إدارة الملف بمنطق المناورة السياسية، لما لذلك من أثر طويل الأمد على صورة الدولة ومؤسساتها.
في المحصلة، يكشف الجدل حول لجنة التحقيق في فشل السابع من أكتوبر عن أزمة أعمق من مجرد خلاف إجرائي. إنها أزمة تتعلق بمفهوم المساءلة السياسية، وحدود السلطة التنفيذية، ومدى استعداد القيادة لتحمل مسؤولية قراراتها في لحظات مفصلية، وبينما ترى الحكومة أن تحقيقًا تديره بنفسها كافٍ لكشف الحقائق، يرى منتقدوها أن غياب الاستقلالية يجعل النتائج معروفة سلفًا، وغير قادرة على إغلاق جراح لم تلتئم بعد.
تبقى الحقيقة أن أي تحقيق لا يحظى بثقة شريحة واسعة من المجتمع الإسرائيلي سيظل موضع تشكيك، ولن يحقق الهدف الأساسي منه، وهو استخلاص الدروس ومنع تكرار الفشل، ومع استمرار الحرب وتداعياتها السياسية والأمنية، سيظل ملف المسؤولية عن السابع من أكتوبر عاملًا ضاغطًا على حكومة نتنياهو، وقد يتحول في المرحلة المقبلة إلى أحد العوامل الحاسمة في إعادة رسم المشهد السياسي في "إسرائيل".
