الوقت- في خطاب يعكس تصاعد التوترات في المنطقة، وجه قائد حركة أنصار الله، السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي، اتهامات مباشرة وشديدة اللهجة للكيان الإسرائيلي، واصفاً ممارساته في قطاع غزة بأنها "إبادة جماعية ممنهجة"، لم يقتصر الخطاب على إدانة العمليات العسكرية، بل امتد ليقدم تحليلاً عميقاً لما يعتبره طبيعة وحشية للكيان الصهيوني، محذراً من مخططات تتجاوز غزة لتصل إلى قلب المقدسات الإسلامية في القدس، هذا الخطاب لا يمثل فقط موقف الحركة، بل يعيد تشكيل خريطة الخطاب السياسي في المنطقة، ويضع الدول العربية والإسلامية والمجتمع الدولي أمام مسؤولياتهم الأخلاقية والإنسانية.
إفلاس إنساني.. استراتيجية استهداف المدنيين والمرافق الحيوية
يرسم قائد حركة أنصار الله صورة للوضع في غزة، مؤكداً أن استهداف المدنيين ليس مجرد أضرار جانبية، بل هو "الهدف الأكبر" للعمليات العسكرية الإسرائيلية، ويشير الخطاب إلى أن الهجمات الممنهجة على المستشفيات، مثل مجمع الشفاء ومجمع ناصر الطبي، واعتقال الكوادر الطبية، واستهداف فرق الإنقاذ والصحفيين، كلها أدلة على ما وصفه بـ"الإفلاس الأخلاقي والسياسي" للكيان الإسرائيلي.
يرى الحوثي أن هذه الممارسات، التي تتضمن استخدام التجويع والحصار كأسلحة حرب، تكشف عن وحشية متأصلة في فكر وثقافة المشروع الصهيوني، وتجرده من أي قيمة إنسانية، التحليل المقدم في الخطاب يجادل بأن هذه الأفعال ليست ردود فعل عسكرية، بل هي جزء من استراتيجية متعمدة تهدف إلى كسر إرادة الشعب الفلسطيني وإبادته بشكل منظم، ويؤكد أن هذا السلوك الإجرامي، الذي يتجاوز كل القوانين والأعراف الدولية، يضع "إسرائيل" في مواجهة مباشرة ليس فقط مع الفلسطينيين، بل مع الإنسانية جمعاء، ما يستدعي وقفة دولية حاسمة تتجاوز مجرد الإدانات الشكلية.
تواطؤ دولي وصمت عربي..غطاء استمرار الجرائم
ينتقل الخطاب إلى مستوى التحليل الدولي والإقليمي، موجهاً اتهامات صريحة للولايات المتحدة الأمريكية بأنها شريك كامل في الجرائم المرتكبة، حيث توفر الدعم العسكري والسياسي الذي يمكّن "إسرائيل" من الاستمرار في عدوانها، كما يلقي باللوم على صمت العديد من الدول الأوروبية، التي يرى أنها فشلت في ممارسة أي ضغط حقيقي لوقف ما وصفه آلة القتل الإسرائيلية.
على الصعيد الإقليمي، ينتقد الحوثي بشدة موقف بعض الأنظمة العربية التي تطمئن العدو الصهيوني وتشجعه إما بصمتها أو بتطبيعها للعلاقات، معتبراً أن تصوير هذه الجرائم على أنها مجرد حوادث هو فهم خطير وخيانة للمسؤولية، هذا التحليل يربط بين استمرار العدوان والغطاء الدولي والصمت الإقليمي، مقدماً حجة مفادها بأن الجرائم في غزة لم تكن لتصل إلى هذا المستوى من الوحشية لولا وجود شبكة من الدعم المباشر وغير المباشر، ويدعو الخطاب العالم الإسلامي، قادة ونخباً وشعوباً، إلى تحمل مسؤولياتهم الدينية والأخلاقية واتخاذ مواقف عملية تتجاوز البيانات والتصريحات.
ما بعد غزة.. مخطط تدمير الأقصى وبناء الهيكل
يحذر قائد حركة أنصار الله من أن الأهداف الإسرائيلية لا تقتصر على قطاع غزة، بل تمتد إلى مشروع استراتيجي أكبر وأخطر يتمثل في تهويد القدس وتدمير المسجد الأقصى، يؤكد الخطاب أن الحديث عن بناء الهيكل ليس مجرد شعارات أو حرب إعلامية، بل هو هدف محوري في العقيدة والمخطط الصهيوني، وأن هناك خطوات عملية تُتخذ لتحقيقه.
ويشير إلى أن استمرار استهداف المسجد الأقصى والمصلين فيه، وتصريحات المسؤولين الإسرائيليين حول تمويل بناء الهيكل المزعوم، كلها مؤشرات على جدية هذا المخطط، يربط الحوثي بين العدوان على غزة وهذا المشروع الأكبر، معتبراً أن إضعاف المقاومة الفلسطينية هو خطوة ضرورية لتمرير مخططات تهويد القدس دون مقاومة تذكر، هذا التحذير يهدف إلى رفع مستوى الوعي لدى الأمة العربية والإسلامية بأن المعركة الحالية ليست معركة حدود أو أمن، بل هي معركة وجود وهوية ومقدسات، وأن التهاون في مواجهة ما يحدث في غزة اليوم سيفتح الباب أمام كارثة أكبر تهدد أحد أقدس مقدسات المسلمين.
الدعوة للمواجهة.. مسؤولية إنسانية ودينية
في مواجهة هذا الواقع، لا يكتفي الخطاب بالتحليل والتشخيص، بل يقدم دعوة صريحة للمواجهة وتحمل المسؤولية، يشدد قائد حركة أنصار الله على أن ما يحدث في فلسطين هو عدوان سافر على الإنسانية جمعاء، وأن المسؤولية لا تقع على عاتق الفلسطينيين وحدهم، ويوجه نداءً مباشراً إلى العالم الإسلامي، حكوماته وقادته ونخبه، مطالباً إياهم بالخروج من دائرة الصمت واتخاذ مواقف عملية ترقى إلى مستوى الحدث.
يرى الحوثي أن هذه المسؤولية متعددة الأبعاد: فهي مسؤولية "إنسانية" تجاه شعب يتعرض للإبادة، ومسؤولية أخلاقية تفرض نصرة المظلوم، ومسؤولية دينية تقتضي الدفاع عن المقدسات الإسلامية، ينتقد الخطاب بشدة فكرة قبول ممارسات "إسرائيل" في العالم العربي والإسلامي، واصفاً إياه بـ"الكارثة الكبرى والخيانة العظمى"، هذه الدعوة تمثل جوهر رسالة الخطاب، حيث تحاول تحويل حالة الإدانة السلبية إلى فعل إيجابي ومواجهة شاملة، مؤكداً أن الصمت والتخاذل لن يؤدي إلا إلى تمادي العدو في تحقيق كامل مخططاته العدوانية.
في الختام، يقدم خطاب قائد حركة أنصار الله رؤية متكاملة لا تقتصر على إدانة الأحداث الجارية، بل تضعها في سياق تاريخي وعقائدي أوسع، محذراً من أن المعركة الحالية هي حلقة في سلسلة مشروع يهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية وتهديد المقدسات، الخطاب يمثل دعوة للاستيقاظ، ليس فقط للشعوب، بل للأنظمة والمؤسسات الدولية، مؤكداً أن الصمت والتواطؤ هما بمثابة ضوء أخضر لاستمرار ما وصفها بأبشع الجرائم في العصر الحديث، وتبقى الكرة الآن في ملعب المجتمع الدولي والدول العربية والإسلامية لتحديد موقفها من هذه الاتهامات والتحذيرات الخطيرة.