الوقت - بعد تحرير مدينة الموصل العراقية من عناصر تنظيم "داعش" الإرهابي بفضل تماسك القوات العراقية بكافة صنوفها واستجابة الشعب العراقي لفتوى الجهاد الكفائي التي أطلقتها المرجعية الدينية، بدأت التساؤلات تثار بشأن التحديات التي تواجه هذه المدينة بعد مرحلة "داعش" خصوصاً في ظل الخلافات السياسية التي يشهدها العراق بين الحكومة العراقية وإقليم كردستان من جانب، وبين المكونات الأساسية للشعب العراقي لاسيّما السنّة والشيعة.
وتجدر الإشارة إلى أن الموصل تعد ثاني مدينة من حيث عدد السكان بعد العاصمة بغداد، كما أنها تحظى بأهمية استراتيجية بسبب موقعها الجغرافي قرب المثلث الحدودي العراقي - السوري - التركي، بالإضافة إلى التنوع القومي والطائفي لهذه المدينة التي تضم العرب والأكراد والتركمان والإيزديين والشبك والمسيحيين وغيرهم من الأعراق والديانات. كما تضم هذه المدينة الكثير من حقول النفط وأنابيب نقل الوقود من العراق إلى تركيا ومنها إلى العالم الخارجي.
وبالعودة إلى التحديات التي تواجه الموصل بعد تحريرها من "داعش" في مختلف المجالات يمكن الإشارة إلى أبرزها على النحو التالي:
التحدي الأمني والسياسي
من المشاكل التي تواجه الموصل في المرحلة القادمة كيفية إدارتها أمنياً وسياسياً خصوصاً وأن القوات التي شاركت في تحريرها كانت مؤلفة من قوى متعددة في مقدمتها الجيش العراقي وقوات مكافحة الإرهاب والشرطة الاتحادية وقوات البيشمركة الكردية والحشد الشعبي الذي يضم في صفوفه مختلف مكونات الشعب العراقي لاسيّما الشيعة والسنّة والمسيحيين والتركمان والإيزديين والشبك. ويبدو أن الطريق الأمثل لإدارة هذه المدينة سياسياً وأمنياً يتمثل بتشكيل مجلس يضم ممثلي جميع هذه المكونات وممثلي التشكيلات الأمنية والسياسية التي شاركت في تحرير المدينة.
إعادة الإعمار والنازحين
نتيجة العمليات العسكرية التي أدت إلى تحرير مدينة الموصل والعمليات الإجرامية التي نفذتها عناصر تنظيم "داعش" والتي شملت التفجيرات بالسيارات المفخخة والأحزمة الناسفة، بالإضافة إلى الهجمات الجوية التي نفذها طيران التحالف الدولي بقيادة أمريكا والتي أدت إلى الحاق دمار كبير بهذه المدينة لاسيّما الجسور والبنايات ومن بينها جامعة الموصل, وما صاحب ذلك من نزوح كبير للمدنيين الذين قدر عددهم بمئات الآلاف، بات من الطبيعي أن يشكل إعادة بناء هذه المدينة وإعادة النازحين إلى أماكن سكناهم تحدياً كبيراً من الناحيتين الإنسانية والعمرانية في ظل ظروف اقتصادية صعبة يواجهها العراق بسبب التكاليف العسكرية والأمنية الباهظة لمحاربة الإرهاب من جهة، وتراجع أسعار النفط في الأسواق العالمية من جهة أخرى.
المناطق الواقعة تحت سيطرة إقليم كردستان
التحدي الآخر الذي تواجهه مدينة الموصل بعد تحريرها من "داعش" يتمثل بالمناطق التي سيطرت عليها قوات البيشمركة التابعة لإقليم كردستان ومن بينها قضاء سنجار، وإصرار قيادة الإقليم على ضم هذه المناطق إلى الإقليم، الأمر الذي ترفضه الحكومة المركزية في بغداد وباقي المكونات العراقية الشيعية والسنيّة، ما يعني أن العراق وتحديداً مدينة الموصل أمام تحدٍ جديد بسبب هذه المشكلة التي يتطلب حلّها الاحتكام إلى الدستور العراقي والتوصل إلى اتفاقيات بين كافة مكوّناته تأخذ بعين الاعتبار الوضع المعقد للبلد من جميع النواحي السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية.
تواجد القوات التركية في شمال العراق
عقب توغل القوات التركية في شمال العراق بحجة ملاحقة عناصر ومقرات حزب العمال الكردستاني المعارض والذي تصنفه أنقرة كمنظمة إرهابية, وبعد تكريس هذا التواجد العسكري التركي بذريعة الدفاع عن المكوّن التركماني في العراق لاسيّما في الموصل وتحديداً في قضاء تلعفر, بات هذا التواجد يشكل تحدياً آخر أمام الحكومة العراقية المركزية والحكومة المحلية في الموصل، ما يتطلب تكاتف جهود جميع المكونات العراقية لحل هذه المعضلة وإرغام أنقرة على سحب قواتها من العراق ومنعها من التدخل في شؤون البلاد لإعادة الأمن والاستقرار إلى ربوعها وعموم المنطقة.
ويعتقد المراقبون إن هذه المعضلة لايمكن حلّها ما لم يتحد العراقيون لإرغام نائب رئيس الجمهورية أسامة النجيفي وشقيقه "أثيل النجيفي" والمكوّن السياسي الذي ينتمون إليه للكفّ عن التبرير لوجود القوات التركية في العراق والتعاطي مع هذا التواجد بمثابة غزو عسكري للبلاد لابدّ من إنهائه بأسرع وقت ممكن.
الوضع الاجتماعي والثقافي في الموصل
من التحديات الأخرى والمهمة التي تواجه الموصل بعد تحريرها من "داعش" وجود الخلايا النائمة لهذا التنظيم التي يمكن أن تقوم بعمليات إجرامية ضد المدنيين والقوات العسكرية التي تمسك الأرض، بالإضافة إلى وجود الأطفال واليافعين الذين غرر بهم "داعش" للالتحاق بصفوفه والذين باتوا يشكلون خطراً لايمكن الاستهانة به خصوصاً وإن الكثير من هؤلاء يحملون عقائد فاسدة ومتطرفة تغريهم بتنفيذ عمليات انتحارية كما حصل في السابق أثناء تحرير المدينة من "داعش".