الوقت- لم يعد جنوب سوريا هامشاً في الصراع بين دمشق وتل أبيب، بل صار إحدى بؤره الرئيسية، حيث يلتقي استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية بمحاولة الحكومة الجديدة تثبيت سيادتها الوطنية. وبحسب تقرير لوكالة "شينخوا" في منتصف أكتوبر، واصلت القوات الإسرائيلية توغلها وأقامت حواجز عسكرية في أكثر من موقع، فيما اتهمت دمشق إسرائيل بتقويض الأمن والاستقرار، ودعتها إلى التعامل بجدية مع المفاوضات، مؤكدة التزامها بمسار يفضي إلى اتفاق يحترم أمنها وسيادتها. وتعود جذور التوتر إلى ما بعد سقوط الحكومة السابقة، حين وسعت إسرائيل وجودها في منطقة الفصل الخاضعة لإشراف الأمم المتحدة وأقامت مواقع في القنيطرة ودرعا وريف دمشق. وقد خرج سوريون في دمشق وحمص والحسكة إلى الشوارع احتجاجاً بعد مقتل شاب في توغل جديد. وتزداد دلالة المشهد لأن هذه التطورات تجري بالتوازي مع مسار تفاوضي برعاية أمريكية، ما يعني أن الميدان والطاولة يتحركان معاً، وأن ما يُفرض في الأول يؤثر مباشرة في ما يُقبل على الثانية.
روايتان متقابلتان
تبرر إسرائيل تحركاتها باعتبارات أمنية ومنع تشكل تهديد على حدودها الشمالية، وهو منطق يرتبط، كما يشرح خبراء، بعقيدة ما بعد السابع من أكتوبر 2023 القائمة على إنشاء أحزمة أمنية ونقل المواجهة إلى أرض الخصم. أما دمشق فترى فيها انتهاكاً لسيادتها وسلامة أراضيها، وتشترط عودة الأوضاع إلى ما قبل الثامن من ديسمبر 2024 وإحياء اتفاق فض الاشتباك لعام 1974. والروايتان ليستا متكافئتين في قوة الدليل، فإحداهما تتحدث عن وقاية محتملة، والأخرى تستند إلى وقائع ميدانية من قواعد وحواجز واعتقالات وتجريف. وقد أكد الأمين العام للأمم المتحدة خلال زيارته دمشق أن انتهاك السيادة غير مقبول ويجب أن يتوقف، لكن توغلاً جديداً في ريف درعا وقع في اليوم التالي مباشرة، في دلالة على المسافة بين الخطاب الدولي والواقع.
كلفة الاستنزاف على الدولة المركزية
أخطر ما في استمرار هذه العمليات أنها تضرب جوهر ما تحاول الدولة الجديدة بناءه: الاقتدار. فحين تجري التوغلات والاعتقالات والتجريف في قرى حدودية دون قدرة السلطة المركزية على منعها، يتآكل الشعور بوجود دولة تحمي مواطنيها. وقد اختارت دمشق المسار الدبلوماسي وضبط النفس، فأكد وزير خارجيتها أمام مجلس الأمن رفض انتهاك السيادة والتمسك بالحلول السياسية، لكن مراقبين يرون أن السؤال لم يعد هل اتخذت الحكومة موقفاً، بل إلى أي حد يستطيع هذا المسار وقف التوغلات والاعتقالات. وتزيد الاحتجاجات الأخيرة من الضغط الشعبي، وتفتح باب الاستقطاب الداخلي وتجاذب الفاعلين المحليين، بما يمنح الخارج ثغرات جديدة للنفاذ إلى الداخل السوري. ويحذر محللون من أن الاستنزاف البطيء أخطر من الضربة الواحدة، لأنه يغيّر سلوك السكان تدريجياً: مزارع يتوقف عن الوصول إلى حقله، وراعٍ يبتعد عن مراعيه، وأسرة تفكر في الرحيل، فتتراجع قدرة الدولة على الإمساك بأطرافها دون أن يُعلن أي احتلال رسمي جديد.
هندسة السيطرة: ما وراء الذريعة الأمنية
يقدم محللون قراءتين متكاملتين لما تفعله إسرائيل. فيرى خالد خليل أن الانتشار الحالي ليس دائماً بالضرورة، بل يهدف إلى استغلال المرحلة الانتقالية السورية لفرض شروط تفاوضية والاحتفاظ بأوراق ضغط. أما باسل معراوي فيربط ما يجري بمقاربة أوسع تقوم على الاحتفاظ بالأرض دون تحمل أعباء إدارة سكانها، عبر التضييق على المزارعين والرعاة وتجريف الأراضي واقتلاع الأشجار واحتجاز مدنيين ثم الإفراج عنهم لنشر الخوف، ما قد يقود إلى تغيير ديموغرافي تدريجي دون قرارات تهجير معلنة. وتتقاطع القراءتان عند نقطة واحدة: الوجود العسكري أداة ضغط وصناعة للواقع، لا إجراء دفاعياً محضاً. وتدعم التقارير هذا التقدير، إذ تحدثت عن تسع نقاط عسكرية تمتد من جبل الشيخ إلى حوض اليرموك، وعن سيطرة على سد المنطرة ومساحات زراعية ورعوية واسعة، أي أن الأدوات المادية للسيطرة موجودة على الأرض، وهي تتجاوز في وظيفتها ما تتطلبه مراقبة الحدود.
الاتفاق الأمني: شبه مكتمل لكنه معطل سياسياً
يقدّر معراوي أن نحو 90 بالمئة من الترتيبات المقترحة أُنجزت، لكن الخلافات السياسية والظروف الانتخابية الإسرائيلية تعرقل إعلان اتفاق نهائي. ويستبعد خليل التوصل إليه في الأجواء الانتخابية الراهنة، معتبراً أن نتنياهو يفضل استمرار التوتر لأنه بات يتخذ الحرب أداة سياسية. وفي المقابل تملك واشنطن مصلحة في منع اندلاع توتر جديد بين أطراف ترتبط معها بعلاقات وثيقة، هي سوريا وتركيا وإسرائيل، وتبدو سوريا مرشحة للدخول في ترتيبات إقليمية للنقل والطاقة. غير أن الفارق جوهري بين اتفاق يستعيد روح اتفاق 1974 ويقوم على انسحاب متبادل ومتدرج، واتفاق يكرّس وقائع ما بعد ديسمبر 2024 ويمنحها غطاءً قانونياً. وتتحول المفاوضات في هذه الحالة إلى سباق بين ما يُنجز على الطاولة وما يُفرض في الميدان، فكل نقطة تُقام وكل أرض تُقتطع تغير ميزان التفاوض قبل أن يُوقَّع شيء، وهو ما يجعل أولوية دمشق تثبيت مبدأ الانسحاب أولاً لا القبول بترتيبات تأتي لاحقاً.
ثلاثة مسارات.. وخلاصة
يطرح معراوي ثلاثة سيناريوهات: اتفاق بعد الانتخابات الإسرائيلية وتشكيل حكومة جديدة بضغط أمريكي، أو استمرار نهج الحكومة الحالية مع بقاء دمشق بعيدة عن المواجهة المباشرة وتعزيز صمود السكان، أو انفلات التوتر إلى مواجهة مباشرة، وهو احتمال يستبعده لأن واشنطن لن تسمح به. والأرجح، بحسب مجمل المؤشرات، مسار هجين: مفاوضات مستمرة تتخللها توغلات تدريجية، تُعرَّف بنتيجة الانتخابات وطبيعة الضغط الأمريكي. ويتوقف استقرار أي اتفاق على ثلاثة شروط: جدول واضح لانسحاب القوات، ومراقبة أممية فعلية تعيد تفعيل دور قوة فض الاشتباك، وحماية السكان المحليين وأراضيهم. كما يتطلب نجاح أي تسوية ضمانات إقليمية ودولية تتجاوز الرعاية الأمريكية، تشمل أنقرة وعواصم عربية معنية، لأن الجنوب السوري لا يُدار في فراغ، والتنافس الإسرائيلي التركي على النفوذ داخل سوريا قد يحوّله إلى ساحة اختبار لتوازنات أوسع إذا لم يُحتوَ. وبغير ذلك سيتحول الجنوب السوري من منطقة تسوية إلى بؤرة دائمة لعدم الاستقرار والتنافس الإقليمي.
