الوقت- حذّرت الأمم المتحدة، في تقرير نشره موقعها في فلسطين استناداً إلى مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا"، من أن نحو 950 ألف نازح في قطاع غزة يعيشون في مواقع معرضة لمخاطر فيضانات تتراوح بين متوسطة ومرتفعة، بينهم أكثر من 400 ألف يواجهون مخاطر مرتفعة. وأفاد التقرير بأن 294 ألفاً و250 أسرة في القطاع تحتاج إلى دعم في مجال الإيواء خلال موسم الشتاء. وكان المكتب نفسه قد ذكر في السادس من أكتوبر أن نحو 1.9 مليون نازح، أي أكثر من 90 بالمئة من السكان، يعيشون في مخيمات ومراكز إيواء مكتظة تفتقر إلى أدنى مقومات الأمان والحماية، محذراً من خطر غرق الخيام الواقعة على الشريط الساحلي وفي المنخفضات الماطرة. وهي أرقام لا تصف خطراً محتملاً بقدر ما ترسم خريطة معروفة المواقع لكارثة تنتظر أول عاصفة. فالتحذير هنا لا يتعلق بنقص عام في المساعدات فحسب، بل بمخاطر جغرافية محددة يمكن تتبعها موقعًا بموقع، ما يجعل الاستعداد لها ممكنًا إن توفرت الإرادة والموارد.
إيواء بلا غطاء كافٍ
أخطر ما في التقرير الأممي نسبة التغطية، فالإمدادات المتاحة أتاحت تقديم مساعدات إيواء جزئية لنحو 18 بالمئة فقط من الأسر المحتاجة، أي أن أربع أسر من كل خمس تدخل الشتاء دون أي دعم. وتنسجم هذه الصورة مع تحذيرات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، الذي أكد في سبتمبر أن أكثر من 60 بالمئة من خيام النازحين مهترئة وتحتاج إلى استبدال فوري، وقال في أغسطس إن 2.15 مليون نازح، موزعين على 509 آلاف و393 أسرة، يعيشون ظروفاً إنسانية قاسية، بينهم أكثر من 800 ألف في خيام غير صالحة للحياة. وقد أكدت جهات حقوقية فلسطينية وأممية في الشتاء الماضي أن العواصف والفيضانات دمرت وأتلفت آلاف الخيام والملاجئ المؤقتة، ما يعني أن الخطر هذه المرة مجرَّب لا افتراضي. وحين تكون المواقع المعرضة للفيضان محددة، وعدد الأسر المحتاجة معروفاً، وحصة التغطية مقاسة بالنسبة المئوية، لا يعود بوسع أحد الادعاء بأن الكارثة ستفاجئه، لأن كل عناصر التوقع متوفرة قبل أن تهطل الأمطار.
الجوع يلتحق بالبرد
لا يأتي خطر الشتاء منفرداً، فقد أعلن برنامج الأغذية العالمي قبل أيام تقليص مساعداته الغذائية في غزة بنحو الثلث بسبب نقص التمويل، مؤكداً حاجته العاجلة إلى 450 مليون دولار لمواصلة عملياته في غزة والضفة الغربية بين أكتوبر 2026 ومارس 2027. وبحسب البرنامج، تراجع عدد المستفيدين من مساعداته الغذائية والنقدية من 1.6 مليون شخص إلى 1.1 مليون اعتباراً من أكتوبر، أي أن نحو نصف مليون فلسطيني خرجوا من دائرة المساعدة، فيما انخفض عدد الوجبات الساخنة اليومية من 250 ألفاً إلى 150 ألف وجبة. وحذر التقرير الأممي من تزايد الجوع إثر تقليص الوجبات. ويعني اجتماع البرد والجوع أن أجساد الأطفال وكبار السن ستواجه الأمطار وهي أقل قدرة على المقاومة. ويعني خفض الوجبات الساخنة بمئة ألف وجبة يوميًا أن موائد كثيرة ستفقد وجبة دافئة في أبرد أشهر السنة، وهو ما يضاعف خطورة التعرض للبرد والرطوبة.
أزمة بسببين: تمويل ومعابر
تقوم الأزمة على سببين متداخلين. الأول تمويلي، فالبرنامج يتحدث عن نقص يفرض تقليص المساعدات، وسبق أن تحدثت الجهات الإنسانية عن فجوة في تمويل قطاع الإيواء لم يُغطَّ منها إلا الثلث. والثاني متعلق بالدخول، إذ تقول الجهات الفلسطينية إن إسرائيل لم تلتزم ببنود وقف إطلاق النار الساري منذ العاشر من أكتوبر 2025، ومنها فتح المعابر وإدخال الكميات المتفق عليها من المساعدات الغذائية والإغاثية والطبية ومواد الإيواء. وقد رأينا في الأيام الماضية كيف أُوقف دخول السلع التجارية لعدة أيام. وعليه فإن سد الفجوة المالية وحده لا يكفي، ما لم يُسمح للخيام ومواد العزل والغذاء بالدخول فعلياً. وكانت الجهات الفلسطينية قد طالبت بإدخال 200 ألف خيمة و300 ألف طرد إيواء، بينما لم يُؤمَّن، وفق ما ورد سابقاً، سوى 34 بالمئة من ميزانية قطاع الإيواء المطلوبة، وبهذا يصبح أي حديث عن مساعدات الشتاء مرتبطاً بقرارين متلازمين: قرار مالي من المانحين، وقرار سياسي بفتح الطريق أمام الشحنات، ولا يغني أحدهما عن الآخر.
مساحة تضيق أمام النزوح
يزداد الخطر لأن النازحين الذين تغرق خيامهم لن يجدوا أرضًا بديلة بسهولة. فقد حذرت منظمة "هيومن رايتس ووتش" من أن المنطقة الواقعة خلف الخط الأصفر باتت تشمل نحو 64 بالمئة من مساحة القطاع، وأن قرابة 2.1 مليون فلسطيني محشورون في مساحة تتقلص، وهو ما يعني أن نقل الأسر من موقع مهدد بالفيضان إلى موقع آمن يصطدم بقلة الأراضي المتاحة وبالقيود الأمنية. وهكذا تتقاطع ثلاثة قيود: أرض محدودة، وإيواء غير كافٍ، ومساعدات متراجعة، وهي معادلة تجعل أي منخفض جوي قوي اختباراً قاسياً لقدرة السكان على البقاء. وقد تكررت التحذيرات الأممية والمحلية منذ أسابيع، من مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في السادس من أكتوبر، إلى المكتب الإعلامي الحكومي في سبتمبر، إلى وزارة التنمية الاجتماعية التي تحدثت عن 300 ألف عائلة مهددة، ومشكلة الإنذار المتكرر أنه يتحول بمرور الوقت إلى خلفية مألوفة للأخبار بينما تبقى الفجوة بين التحذير والاستجابة قائمة.
ما المطلوب قبل المنخفض الأول
المطلوب واضح ومحدد: السماح الفوري ودون شروط بإدخال الخيام والشوادر والمواد العازلة، وتمويل عاجل يغطي احتياجات برنامج الأغذية العالمي البالغة 450 مليون دولار، وخطة طوارئ تحدد مواقع آمنة لإعادة إيواء الأسر المعرضة للخطر المرتفع قبل هطول الأمطار الكبرى. وتقع المسؤولية على الدول المانحة التي يمكنها سد الفجوة التمويلية، وعلى الوسطاء الضامنين الذين يملكون أدوات الضغط لتنفيذ بنود الاتفاق، وعلى إسرائيل بصفتها الجهة المتحكمة بالمعابر والمسؤولة عن تيسير مرور المواد الإنسانية دون عوائق. ويمكن البدء بإجراءات فورية منخفضة الكلفة، أولها توزيع الشوادر والمواد العازلة على من حددتهم الأمم المتحدة أنفسهم ضمن الفئة الأعلى خطرًا، وهم أكثر من 400 ألف نازح. ويبقى السؤال: هل تتحول الأرقام الأممية الدقيقة هذه المرة إلى شحنات وخيام وأسرّة جافة، أم تنتظر العاصفة الأولى لتتحول من تحذير إلى مأساة؟
