الوقت- في الذكرى الأولى لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة، الذي دخل حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول 2025، أصدرت منظمة "هيومن رايتس ووتش" تقريراً حذّرت فيه من أن إسرائيل تواصل توسيع نطاق سيطرتها داخل القطاع عبر تحريك ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" غرباً، بينما تتزايد الدعوات الإسرائيلية إلى اعتباره حدوداً جديدة. وبحسب التقرير، باتت المنطقة الواقعة خلف الخط تشمل نحو 64 بالمئة من مساحة غزة، فيما يُحشر قرابة 2.1 مليون فلسطيني في مساحة تتقلص تدريجياً، مع منعهم من العودة إلى منازلهم الواقعة في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية. ويأتي التقرير بعد عام كامل من اتفاق كان يفترض أن يفتح الباب أمام الانسحاب وإعادة الإعمار، لكنه أفضى، وفق المنظمة، إلى واقع معاكس يتسع فيه نطاق السيطرة وتضيق فيه مساحة الحياة.
من ترتيب عسكري مؤقت إلى حدود جديدة
كان يفترض أن يحدد الخط الأصفر نطاق انتشار القوات الإسرائيلية بموجب ترتيبات وقف إطلاق النار، أي أن يكون إجراءً مؤقتاً ينتهي بانسحاب تدريجي. غير أن تحريكه غرباً أدى، بحسب التقرير، إلى توسيع المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية وحرمان مزيد من الفلسطينيين من الوصول إلى منازلهم وأراضيهم. والأخطر أن المنظمة نقلت عن مسؤولين إسرائيليين وصفهم الخط بأنه "الحدود الجديدة" لإسرائيل، وهو توصيف يكشف أن ما يُقدَّم رسميًا بوصفه ضرورة أمنية قابلة للمراجعة يجري التعامل معه عملياً كحدود دائمة. وهنا تكمن خطورة الأمر، فحين يتحول خط عسكري مرن إلى حدود تُفرض بالقوة، تفقد الهدنة معناها، ويصبح الاتفاق غطاءً لتغيير الجغرافيا لا لإنهاء الحرب. ويزيد من قلق المراقبين أن تجارب كثيرة في النزاعات المماثلة أظهرت أن الخطوط التي تُرسم بوصفها مؤقتة تميل إلى البقاء، لأن كلفة التراجع عنها سياسياً وعسكرياً ترتفع كلما طال أمد وجودها على الأرض.
أرقام متباينة تؤكد أن الخط يتحرك
تتفاوت تقديرات نسبة المساحة الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية بين جهة وأخرى، فقد تحدث المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان في وقت سابق عن نحو 55 بالمئة، فيما تقدّر هيومن رايتس ووتش النسبة بـ64 بالمئة، وتذهب مديرة المرصد في غزة مها الحسيني إلى نحو 70 بالمئة بعد أن كانت 53 بالمئة عقب توقيع الاتفاق. وهذا التباين ليس خللاً في الرصد بقدر ما هو دليل على أن الخط نفسه يتحرك باستمرار. فقد وثّق رصد ميداني أن التوسع في ديسمبر/كانون الأول 2025 بلغ حي التفاح شرقي غزة بنحو مئتي متر، ودُمّر ما لا يقل عن أربعين مبنى بين الموضعين القديم والجديد، قبل أن تتسع السيطرة في يوليو/تموز 2026 إلى أحياء الزيتون والشجاعية وأجزاء من دير البلح وخان يونس ورفح، مع تحريك العلامات وإصدار أوامر إخلاء جديدة. ووفق الحسيني، حُشر قرابة مليوني فلسطيني في نحو 120 كيلومترًا مربعًا من أصل 360 هي مساحة القطاع.
الهدف الخطر: تهجير بغطاء أمني
ربطت هيومن رايتس ووتش بين توسيع السيطرة الإسرائيلية والتصريحات الصادرة عن مسؤولين إسرائيليين بشأن دفع الفلسطينيين إلى مغادرة القطاع، محذرة من أن استمرار تحريك الخط قد يكرس حدوداً تُفرض بالقوة بعيداً عن ترتيبات الهدنة، وداعية إلى رفض التهجير القسري والتطهير العرقي. ويتقاطع ذلك مع تحذير سابق للمرصد الأورومتوسطي من أن إنشاء مواقع عسكرية ثابتة ومحصنة قرب الخط يتعارض مع المرحلة الثانية من الاتفاق، التي كان يفترض أن تقود إلى انسحاب لا إلى تحصين الوجود العسكري. والمنطق الذي تقوم عليه هذه التحذيرات واضح، فكلما ضاقت المساحة المتاحة للسكان وتفاقمت ظروف العيش فيها، زادت الضغوط عليهم للرحيل، فيتحقق التهجير دون إعلان رسمي، بل تحت غطاء أمني يصعب تحديه في المنابر الدولية.
كلفة إنسانية تتضاعف مع اقتراب الشتاء
تتجلى الكلفة الإنسانية لهذا التمدد في تفاصيل يومية قاسية، فقد استشهد الطفل جهاد الغندور (7 سنوات) متأثراً بجراح أصيب بها برصاص الاحتلال في مخيم جباليا، فيما أطلقت آليات إسرائيلية النار على منطقة نزوح مكتظة بالخيام قرب مفترق الشجاعية شرقي مدينة غزة، حيث أبلغ مواطنون عن توسيع نطاق الخط. وتحذر المنظمة الدولية للهجرة من أن نحو 1.8 مليون شخص يعيشون في مواقع النزوح، معظمهم في مناطق معرضة لخطر الفيضانات مع اقتراب الشتاء، داعية إلى إدخال الخيام ومواد الإيواء الطارئ فوراً. كما حذرت صحة غزة من كارثة تهدد نحو 350 ألف مريض بأمراض مزمنة. وهكذا تتقاطع ثلاثة ضغوط: انكماش المساحة، وتدهور الإيواء، وتراجع الخدمات، وهي معادلة تجعل البقاء أكثر كلفة يوماً بعد يوم.
اختبار لمعنى الاتفاق أمام المجتمع الدولي
في المحصلة، لا يتعلق التحذير الحقوقي بخط على الخريطة بقدر ما يتعلق بسابقة خطيرة: أن يتحول ترتيب عسكري مؤقت، وُقّع باسم وقف الحرب، إلى حدود فعلية تُفرض بالقوة على شعب بأكمله. وقد دعت هيومن رايتس ووتش المجتمع الدولي إلى خطوات عاجلة لحماية المدنيين وضمان المساءلة عن الانتهاكات وتهيئة الظروف اللازمة لإعادة إعمار غزة، وهي مطالب تقع مسؤولية تنفيذها أولاً على الدول الراعية والضامنة للاتفاق. ويستند الموقف الحقوقي إلى قواعد راسخة في القانون الدولي الإنساني تحظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة وتمنع النقل القسري للسكان في الأراضي المحتلة، وهي قواعد لا تسقط بمرور الوقت ولا بتغيير التسميات. فالاكتفاء بالبيانات الباهتة في وقت تتحرك فيه العلامات على الأرض يعني قبولاً ضمنياً بالأمر الواقع. ويبقى السؤال: هل يتحرك العالم قبل أن يصبح الخط الأصفر حدوداً يصعب محوها، أم أن توصيف "المؤقت" سيظل يُستخدم غطاءً لواقع دائم؟
