الوقت - بعد 23 عاماً من التدخل العسكري، طوت أمريكا أخيراً صفحة وجودها العسكري في العراق. بدأ هذا الوجود بغزو عام 2003، ومضى باحتلال بغداد وصياغة بنية سياسية جديدة، وانتهى عام 2011 بانسحاب القوات الأمريكية. ثم عاد بعد ثلاث سنوات فحسب، تحت عنوان مكافحة الإرهاب، مع ظهور تنظيم «داعش» الإرهابي واتساع رقعته.
وفي أحدث التطورات، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية أن قواتها أتمّت الانسحاب المنظّم لمعدّاتها وجنودها من قاعدة أربيل الجوية في إقليم كردستان العراق. ويمكن عدّ ذلك طيّاً لفصل عسكري طويل في التاريخ المعاصر للعراق، وإن كان انتهاء الحضور العسكري لا يعني بالضرورة انتهاء النفوذ الأمريكي في هذا البلد.
بداية الحرب: من سقوط بغداد إلى انهيار بنيان الدولة
بدأ الهجوم الأمريكي البريطاني على العراق في 20 مارس 2003، وبعد أسابيع قليلة، في 9 أبريل، سقطت بغداد. انهار حكم صدام، وآلت إدارة البلاد إلى «سلطة الائتلاف المؤقتة» بقيادة أمريكية.
وفي الأشهر الأولى نفسها، أدّى قراران مثيران للجدل دوراً محورياً في تشكيل عراق ما بعد صدام: حلّ الجيش العراقي، وتطبيق سياسة اجتثاث البعث. وقد أتى هذان القراران على جانب كبير من البنى العسكرية والأمنية والإدارية للبلاد، وتركا آلاف العسكريين والموظفين الحكوميين بلا موضع واضح في النظام السياسي الجديد.
ورأى منتقدو هذه السياسات أن واشنطن، حين أضعفت البنى القائمة، أحدثت فراغاً أمنياً وإدارياً هائلاً، سرعان ما صار تربةً خصبةً لنمو التمرد المسلح والجماعات الطائفية، ثم لاحقاً الشبكات التكفيرية. في المقابل، شدّد المسؤولون الأمريكيون آنذاك على ضرورة بناء هيكل سياسي وأمني جديد بعد إسقاط نظام صدام.
الفلوجة: رمز المقاومة المسلحة في وجه الاحتلال
في عامي 2003 و2004 اتسعت رقعة المواجهات بين القوات الأمريكية والجماعات العراقية المسلحة، وصارت الفلوجة من أبرز بؤر المقاومة المسلحة.
الفلوجة مدينة في محافظة الأنبار غربي العراق، على بعد نحو 50 كيلومتراً غربي بغداد، وقد غدت منذ الأشهر الأولى للاحتلال الأمريكي من أهم مراكز معارضة الوجود الأجنبي. كانت المدينة سنّيةً في غالبيتها، وكان كثير من أبنائها يعملون في المؤسسات العسكرية والأمنية لنظام صدام حسين، ولذلك ساور جزءاً من مجتمعها المحلي القلق على مكانته في النظام السياسي الجديد بعد سقوط حكم البعث.
وفي أبريل 2003، بعد أسابيع قليلة من سقوط بغداد، أطلقت القوات الأمريكية النار على متظاهرين في المدينة. وأفادت منظمة «هيومن رايتس ووتش» في تحقيقها بشأن أحداث الفلوجة بأن نحو 20 مدنياً قُتلوا وأُصيب العشرات في حادثتين وقعتا يومي 28 و30 أبريل.
وفي عام 2004، بعد مقتل أربعة متعاقدين أمنيين من شركة «بلاك ووتر» سيئة السمعة، شنّ الجيش الأمريكي عمليتين كبيرتين في المدينة؛ الأولى في الربيع والثانية في نوفمبر. وعُدّت معركة الفلوجة الثانية من أشرس المواجهات التي خاضتها القوات الأمريكية منذ حرب فيتنام، ودُمّرت أجزاء من المدينة خلال القتال العنيف.
وتحدثت مصادر عسكرية أمريكية عن مقتل نحو ألفين من مناهضي الوجود الأمريكي واعتقال نحو 1200 آخرين في نحو تسعة أيام من القتال، استُخدم فيها المدفعية وقذائف الهاون والغارات الجوية على نطاق واسع. وبقيت الفلوجة في الذاكرة العامة العراقية لا ساحةَ معركة فحسب، بل رمزاً من رموز حرب العراق وما خلّفه الاحتلال من آثار اجتماعية وإنسانية. وهكذا كانت في عام 2014 من أولى المدن العراقية الكبرى التي سقطت بيد «داعش».
أبو غريب: جرح في صورة أمريكا
وفي العام نفسه، فجّر الكشف عن صور التعذيب والإذلال التي تعرّض لها السجناء العراقيون في سجن أبو غريب، أزمةً أخرى لأمريكا. أظهرت الصور المنشورة جنوداً أمريكيين يعذّبون سجناء كان معظمهم من المدنيين، فقوبلت بردّ فعل غاضب وعنيف من الرأي العام في العراق وسائر أنحاء العالم.
حوكم عدد من العسكريين الأمريكيين وعوقبوا في هذه القضية، لكن أبو غريب ظلّ أكبر بكثير من ملف قضائي، وصار من أشهر رموز انتهاك حقوق السجناء خلال احتلال العراق.
وطُرحت ملفات أخرى بشأن سلوك القوات الأمريكية والمتعاقدين الأمنيين في العراق. ومنها مجزرة "حديثة" عام 2005، التي سُجّلت جريمةً أخرى للعسكريين الأمريكيين بحق المدنيين العراقيين.
فبعد مقتل جندي من مشاة البحرية الأمريكية في محافظة الأنبار، هاجم عسكريون أمريكيون المنطقة وقتلوا في يوم واحد 24 مدنياً عراقياً، بينهم نساء وأطفال. وأثبتت تقارير عسكرية وحقوقية لاحقة كيفية مقتل هؤلاء، ومنها إطلاق النار من مسافة قريبة. واستمر المسار القضائي في القضية سنوات، لكن المخالفين لم يدخلوا السجن في نهاية المطاف، إذ شملهم عفو رئاسي أمريكي فأفلتوا من العقاب.
انفلات أمني واسع وشروخ طائفية
بالتزامن مع التمرد على قوات الاحتلال، دخل العراق مرحلةً من العنف الطائفي. وفي ظل الحضور العسكري الأمريكي الكثيف، غادر الأمن البلاد مغادرةً تامةً، فكان قتلى وجرحى من المواطنين، ولا سيما الشيعة، يتساقطون كل يوم تقريباً في التفجيرات والهجمات الإرهابية. وكان تفجير مرقد الإمامين العسكريين في سامراء في فبراير 2006 من نقاط التحوّل في تلك المرحلة، إذ أطلق موجةً من العنف الطائفي عمّت البلاد.
وبلغ القتل والموت في تلك الحقبة التاريخية السوداء حداً تتباين معه التقديرات من عشرات الآلاف إلى مئات الآلاف. فبحسب بيانات «Iraq Body Count»، قُتل نحو 12 ألف مدني عام 2003، و11.7 ألفاً عام 2004، و16.6 ألفاً عام 2005، ونحو 29.5 ألفاً عام 2006، جراء الحرب والهجمات الإرهابية؛ أي أن مجموع الضحايا المدنيين الموثّقين في السنوات الأربع الأولى بلغ نحو 70 ألفاً. وفي المقابل، قدّرت دراسات سكانية نشرتها مجلة «ذا لانسيت» عدد الوفيات الناجمة عن العنف حتى يونيو من العام نفسه بنحو 601 ألف. ومن جهة أخرى، قدّرت دراسة بريطانية أجرتها «أوبينيون ريسيرش» عدد الضحايا العراقيين في حرب العراق حتى عام 2008 بما يزيد على مليون نفس.
«زيادة القوات»: تبدّل في تكتيك واشنطن
في عام 2007 نفّذت إدارة جورج دبليو بوش الاستراتيجية المعروفة بـ«زيادة القوات» أو «Surge». وبموجبها ارتفع عدد القوات الأمريكية في العراق، وانصبّ مزيد من التركيز على تأمين بغداد ومحافظة الأنبار.
وكان الانخفاض الملحوظ في مستوى العنف خلال عامي 2007 و2008 حصيلة جملة عوامل، منها العمليات العسكرية الأمريكية والعراقية، وتغيّر الاستراتيجية الأمنية، وتشكيل قوات «الصحوات» بين العشائر السنية، وتراجع نسبي في الاشتباكات الطائفية.
غير أن تراجع العنف لم يكن نهايةً لمشكلات العراق السياسية. فقد بقيت الخلافات بين القوى السياسية، ومسألة تقاسم السلطة، ووضع كركوك، والعلاقة بين بغداد وإقليم كردستان، ومستقبل احتلال الأراضي العراقية، من القضايا الرئيسية للبلاد.
انسحاب 2011: نهاية الاحتلال أم تبدّل في صورة الوجود؟
في ديسمبر 2011 غادرت آخر القوات القتالية الأمريكية العراق. جاء هذا الانسحاب بموجب اتفاق أمني بين بغداد وواشنطن، وأنهى ظاهرياً أكثر من ثماني سنوات من الوجود العسكري الأمريكي المباشر.
لكن الفراغ الأمني الناجم عن حلّ الجيش، وعجز أمريكا عن تأسيس جيش كفء في السنوات اللاحقة، ولا سيما بعد المرحلة الأولى من الانسحاب، أضيف إلى المشكلات السياسية والاجتماعية الداخلية في العراق والحرب في سوريا، فهيّأ ذلك كله لظهور «داعش» السريع.
وفي عام 2014، حين استولى «داعش» بسرعة على مساحات واسعة من شمال العراق وغربه وسقطت الموصل، أعادت أمريكا قواتها إلى العراق مرةً أخرى، وهذه المرة بمهمة معلنة هي مكافحة الإرهاب ودعم الحكومة العراقية.
عودة أمريكا: الحرب على «داعش»
صحيح أن نشأة «داعش» ترتبط مباشرةً بتطورات سوريا، وبما أقدمت عليه دول عربية وغربية، وأمريكا خاصةً، من تجهيز المعارضة المسلحة وتنظيمها، وقد كان للجماعات التكفيرية والإرهابية بينها دور بارز، غير أن الجذر الأعمق لظهور «داعش» ينبغي البحث عنه في عراق ما بعد 2003.
فبعد الغزو الأمريكي، أنتجت حلقة من التحولات سلسلةً متصلةً: حلّ الجيش العراقي، واجتثاث البعث، وانهيار البنية الأمنية، والتمرد المسلح، وتشكّل «القاعدة في العراق» بقيادة أبي مصعب الزرقاوي. وانتهت هذه السلسلة لاحقاً إلى قيام «الدولة الإسلامية في العراق والشام» أو «داعش» بزعامة «إبراهيم عوّاد إبراهيم»، المعروف بـ«أبي بكر البغدادي».
وقد تتبّع مؤرخون ومحللون بارزون على الدوام دور أمريكا في تكوين تنظيم «داعش» الإرهابي، حتى إن المسألة طفت بعد سنوات في حملة المنافسة الانتخابية الرئاسية، فقال ترامب في خطاب انتخابي في 16 أغسطس 2014 إن ظهور «داعش» جاء نتيجةً مباشرةً لقرارات أوباما وكلينتون.
واعترفت هيلاري كلينتون في مذكراتها بأن أمريكا كانت تُقدم على إرسال السلاح لمعارضي نظام بشار الأسد، وهي تعلم أن الجماعات التكفيرية الإرهابية قد تستفيد منه. وفضلاً عن هذه الاعترافات، أفادت قوى المقاومة العراقية ووسائل إعلام عراقية وإقليمية، في مناسبات عدة، بحصولها على أدلة ووثائق تثبت تقديم الجيش الأمريكي مساعدات للتكفيريين، ونقل المحاصَرين منهم بالمروحيات من قِبل القوات الأمريكية، حين كانوا في حصار قوات «الحشد الشعبي» حديثة التأسيس.
وقد تشكّل «الحشد الشعبي» استجابةً لفتوى «الجهاد الكفائي» التي أصدرها السيد السيستاني، المرجعية الشيعية العليا في العراق، لمواجهة الفتنة التكفيرية. وبتوجيهات اللواء الشهيد قاسم سليماني وقيادته الميدانية، أدّى دوراً عظيماً ومفصلياً في إفشال هذه الفتنة وإحباط المخطط الأمريكي الشرير للعراق والمنطقة. وقد ثقل هذا الدور البطولي للواء سليماني على الأمريكيين حتى إنه، بعد حين، في يناير 2020، وبينما كان في طريقه إلى بغداد في زيارة رسمية بدعوة من الحكومة العراقية، استُشهد بأمر من ترامب في مطار المدينة، مع رفيق دربه القديم أبي مهدي المهندس.
من ادّعاء الانسحاب إلى الجدل حول سيادة العراق
تُظهر تجربة السنوات الأخيرة أن واشنطن برّرت وجودها العسكري على الأراضي العراقية أساساً بالتعاون الأمني وتدريب القوات العراقية ومواجهة التهديدات الإرهابية، ولم تكن مستعدةً لانسحاب عسكري كامل من هذا البلد.
ومع ذلك، وحتى مع الانسحاب الكامل للقوات، فإن واشنطن، بحسب تحليل نشرته وكالة «رويترز»، لا تزال تتحكم فعلياً في العائدات النفطية للعراق.
والعراق من الاقتصادات الشديدة الارتهان للنفط، إذ يُؤمَّن الجزء الأعظم من إيرادات الحكومة من صادرات النفط. ومن ثمّ فإن طريقة تحويل العائدات النفطية وحفظها والوصول إليها، ذات أهمية حيوية للاستقرار الاقتصادي والمالي للبلاد.
وبعد غزو 2003، أُنشئ «صندوق تنمية العراق»، وكانت العائدات النفطية للعراق تُحفظ في بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، ضمن آليات مالية تخضع لإشراف الائتلاف ثم الحكومة العراقية. وكان الهدف الأولي من هذه الآلية حماية أصول العراق من الدعاوى القضائية، وإتاحة استخدام العائدات النفطية لتلبية احتياجات الحكومة وإعادة إعمار البلاد.
وقد ازدادت هذه المسألة أهميةً في السنوات الأخيرة، لأن العراق لا يزال يعتمد في جانب كبير من معاملاته الخارجية على الدولار والشبكة المالية الدولية. ولذلك، فحتى مع خروج القوات العسكرية الأمريكية، تبقى علاقة بغداد بالبنية المالية الخاضعة لنفوذ واشنطن، من المكوّنات المهمة في العلاقات بين البلدين.
