الوقت - نقلاً عن الجزيرة، فإن جزءاً كبيراً من نيبال يتسم بطابع جبلي وعر. فحين تهطل الأمطار الموسمية الغزيرة على المرتفعات، لا تجد المياه سبيلها إلى التسرب الهادئ في السهول، بل تنحدر بعنف عبر المنحدرات شديدة الانحدار لتصبّ في الأودية الضيقة. والنتيجة قد تكون فيضاناً مفاجئاً وسريعاً بشكل مروّع.
ولهذا السبب، فإن المعضلة في نيبال لا تقتصر على “كمية الأمطار” وحدها؛ بل إن سرعة تحوّل الأمطار إلى جريان سطحي هي أيضاً بالغة الارتفاع.
من جهة أخرى، تقع نيبال ضمن نطاق تأثير الرياح الموسمية لجنوب آسيا. فالأمطار الغزيرة في هذا الفصل يمكن أن تملأ الأنهار بسرعة، وتزعزع في الوقت ذاته استقرار التضاريس الجبلية. وحتى في السنوات التي لا يكون فيها معدل الأمطار الموسمية مرتفعاً بالضرورة، فإن هطولاً قصير الأمد ومركّزاً يمكن أن يفضي إلى فيضانات وانهيارات أرضية. وقد شدّد المركز الدولي للتنمية المتكاملة للجبال (ICIMOD) على تصاعد خطر الأمطار الغزيرة وغير المنتظمة في منطقة هندوكوش-الهيمالايا.
وفي السياق ذاته، يؤدي ارتفاع درجات الحرارة إلى تسارع ذوبان الثلوج والأنهار الجليدية، مما يفضي إلى تدفق كميات أكبر من المياه نحو الأنهار، وفي الوقت نفسه اتساع مساحة البحيرات الجليدية. وقد رصد البنك الدولي بدوره تزايد حجم هذه البحيرات، لا سيما في نيبال وبوتان. وإذا ما انهار الحاجز الطبيعي لبحيرة جليدية، تنطلق كمية هائلة من المياه في زمن وجيز؛ وهي الظاهرة المعروفة بـ “GLOF” أو “الفيضان الناجم عن الانفجار المفاجئ للبحيرة الجليدية”، وهو نوع من الفيضانات له سوابق موثّقة في سلسلة الهيمالايا.
غير أن الحادثة الأخيرة انطوت على مرحلة أشّد خطورةً: فلم تكن مياه الأنهار الجليدية وحدها هي القضية، بل تدفقت معها كتل من الجليد والصخور والطمي إلى مجرى النهر، فسدّت طريقه وشكّلت سداً طبيعياً. وخلف هذا السد، تجمّعت المياه لتنشأ ما يُعرف بـ “البحيرة الحاجزة” (Barrier Lake). فإذا ما انهار هذا السد الطبيعي، يمكن أن تتحرر المياه المخزونة فجأة، لتُطلق موجةً جديدةً من الفيضان والطمي نحو المناطق المنخفضة. وهذا ما جعل الخطر يظل قائماً حتى بعد انحسار الفيضان الأول، دون أن يُعدّ الأمر منتهياً.
من المرجّح أن تستمر نيبال في مواجهة فيضانات حادة مستقبلاً، ويكمن السبب الأهم في تغيّر الأحوال المناخية بسلسلة الهيمالايا.
وقد حذّر ICIMOD في عام 2026 من أن ارتفاع درجات الحرارة يعجّل بذوبان الأنهار الجليدية والثلوج، وأن اقتران هذه المياه الإضافية بالأمطار الغزيرة يزيد الضغط على الأنهار. كما يمكن لارتفاع الحرارة أن يزعزع استقرار المنحدرات الجبلية والبحيرات المحصورة بالجليد والرواسب على نحو أكبر.
بل إن ICIMOD قدّر أن خطر الفيضانات الناجمة عن انفجار البحيرات الجليدية في منطقة هندوكوش-الهيمالايا قد يتصاعد بشكل حاد على المدى البعيد؛ إذ توقعت إحدى دراسات هذه المؤسسة أن يتضاعف خطر ظاهرة GLOF نحو ثلاث مرات بحلول نهاية القرن.
وهكذا، فإن معضلة نيبال لا تنحصر في “غزارة الأمطار” وحسب، بل إن نيبال، في واقع الأمر، تقف عند نقطة التقاء الأمطار والجبال والأنهار الجليدية والاحترار الأرضي، حيث تتشابك هذه العناصر الأربعة لتصوغ مشهداً بالغ الهشاشة.
