الوقت - تُعد حرب رمضان نقطة تحول محورية في تطور مفهوم الردع الكلاسيكي. فقد بدأت هذه الحرب باعتداء واسع النطاق من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على إيران، لكنها لم تكن مجرد عرض لتفوق عسكري تقليدي، بل وضعت فعالية النهج اللامتماثل في قلب اهتمام المحللين.
أحدثت إيران، بمزيج من السلاح الجيوسياسي، والنفوذ الإقليمي، وحشد الشارع إلى جانب ساحة المعركة، معادلات استثنائية أفشلت أعداءها في تحقيق أهدافهم الاستراتيجية في الحرب الهجينة، مما غيّر الفهم التقليدي للردع.
إعادة تعريف مكونات القوة: من القنبلة النووية إلى سلاح مضيق هرمز
لطالما كان الردع، كأحد أقدم المفاهيم في الأدبيات العسكرية والدبلوماسية، يعتمد على معادلة بسيطة: “تكلفة الهجوم تفوق منافعَه”. في الأدبيات الكلاسيكية، يُنظر إلى السلاح النووي كأداة الردع القصوى، لكن حرب رمضان تمثّل، من وجهة نظر كثير من المحللين، نقطةً فاصلةً في هذا التحول.
في هذه الحرب، استطاع الإيرانيون خلق ساحات جديدة للمقاومة، من خلال النفوذ الإقليمي لفصائل المقاومة، وحضور الشعب في الشارع، وكشف ورقة مضيق هرمز وتهديد أسواق الطاقة، مما أجهض الكثير من الخطط والأهداف الاستراتيجية للاعتداء على إيران.
يرى كثير من المحللين اليوم أن مضيق هرمز كان أكثر فاعليةً من السلاح النووي في إدارة ساحة الحرب، إذ أن امتلاك السلاح النووي، نظراً لتبعات استخدامه الثقيلة، لا يشكّل بالضرورة عاملاً ردعياً، كما أن إيران دخلت الحرب مع قوتين نوويتين مباشرةً وهاجمت مصالحهما.
لقد أثبت الإيرانيون في هذه الحرب أن الردع الفعال لا يتطلب بالضرورة القنبلة النووية، بل يتجسّد في “خلق لامتماثلية” على ثلاثة مستويات: جيوسياسي (مضيق هرمز وسلاح النفط)، ميداني-شعبي (الحضور الشعبي في الشارع)، وحرب إقليمية (وحدة الساحات).
استهدفت إيران عبر إغلاق أو التهديد بإغلاق مضيق هرمز، الشريان الحيوي للطاقة في العالم. لم يُحدث هذا الإجراء اضطراباً غير مسبوق في الأسواق العالمية فحسب، بل أفشل استراتيجية العدو لتحقيق نصر سريع. وقد اعترف المحللون الأمريكيون أن سيطرة إيران على مضيق هرمز تحولت إلى أداة تأثير أقوى من أي رأس نووي، حتى أن إمكانية استئناف هذا التهديد تبقى ورقةً دائمةً حتى في حال التوصل إلى اتفاق.
إلى جانب هذا العنصر، حظيت شبكة الفاعلين المتحالفين والإقليميين باهتمام باعتبارها جزءاً من قدرة الردع. فخلافاً للنماذج التقليدية التي تحدد الردع بقدرة الدولة فقط، تعمل هذه الشبكة الواسعة من القدرات السياسية والأمنية والإقليمية، على تعقيد حسابات الخصم الاستراتيجية.
جانب آخر لهذا التحول يتمثّل في دور الرأي العام ورأس المال الاجتماعي في ظروف الحرب. فقد أظهرت تجارب الحروب الحديثة أن التماسك الاجتماعي، وإدارة الرأي العام، والحفاظ على الاستقرار الداخلي، يمكن أن تشكّل جزءاً من قوة الردع الوطنية. وكلما كانت القدرة المجتمعية على تحمل ضغوط الحرب أكبر، أصبح من الصعب على الطرف المقابل تحقيق أهدافه السياسية.
الضلع الرابع: خطاب الانتقام وتغيير معادلة التهديدات
أما الطبقة الأهم، والأكثر ابتكاراً وتعقيداً في هذا الردع اللامتماثل، فقد تشكلت خارج ساحات القتال والمضائق البحرية، وهو «الردع القائم على خطاب الانتقام».
في مراسم التشييع المهيب لقائد إيران الشهيد خلال الأسبوع الماضي، تحولت الاحتفالات والتأبين لهذا القائد الديني والسياسي العظيم، بحضور ملايين من أنصاره ومحبيه من شتى أنحاء العالم الإسلامي، إلى انتفاضة عفوية لخطاب الانتقام والثأر من قتلة هذا القائد الشهيد، حيث يستهدف الخطاب جميع الأشخاص والمخططين والمنفذين والأمراء بقتل هذا الشهيد العظيم.
ومع بروز هذا الخطاب الجديد، وضعت وسائل الإعلام والدوائر السياسية والدراساتية، بل وحتى المؤسسات الأمنية، هذا الملف في مركز اهتمامها، وزادت أهميته أكثر حين أكد قائد الحرس الثوري وقائد قوة القدس في إيران في بيانات منفصلة خلال الأيام الأخيرة على متابعة هذا المطلب، واعتبراه جزءاً من الاستراتيجية العملياتية لقوى المقاومة في المنطقة.
وبالتالي، أصبح الآن، إلى جانب العسكريين، قواعد ومصالح الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، وكذلك قادة هذين النظامين والأشخاص المؤثرين والمقربين منهم، في مقدمة قائمة الأهداف العسكرية لقوى المقاومة، وبدون حدود زمنية.
وتكمن أهمية هذا الأمر في أنه من الطبيعي أن يؤدي أي اتفاق لوقف الحرب ووقف إطلاق النار، إلى رفع التهديد العسكري المباشر عن مصالح الدولة الأمريكية، لكن لا يمكن أبداً رفع ظل هذا التهديد والقصاص عن الأشخاص والأفراد المؤثرين والمقربين من الوجوه التي كان لها دور في إشهار السلاح ضد قائد الثورة في إيران وعائلته.
بعبارة أخرى، الانتقام من الدماء هو الحلقة المفقودة التي حررت الردع الكلاسيكي من احتكار إرادة الدول، وربطته بالإرادة الوطنية والإرادة التاريخية للأمم؛ وهو ابتكار جعل من حرب رمضان نقطة تحول أساسية لإعادة النظر في نظرية الردع.
