الوقت - منذ تأسيس الكيان الصهيوني المزيف، حرص قادته على تقديم أنفسهم كقوة لا تُقهَر وقادرة على الاعتماد على ذاتها في غرب آسيا، تدّعي قدرتها على خوض معارك متعددة في آنٍ واحد والحفاظ على تفوقها العسكري في المنطقة. لكنّ التطورات خلال السنوات الأخيرة، وبخاصة المواجهات المباشرة وغير المباشرة مع إيران، أظهرت أن أمن وبقاء هذا الكيان لا يقوم على قدراته الذاتية، بل على دعائم الدعم السياسي والمالي والعسكري من الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين.
على مستوى الرأي العام، كان هناك اعتقاد سائد منذ سنوات بأن الكيان الصهيوني لن يصمد طويلاً دون الدعم الغربي، لكن اللافت اليوم أن هذا الأمر لم يعد يُطرح فقط من قبل معارضيه، بل يعترف به كبار المسؤولين الغربيين صراحةً، مؤكدين أن بقاء هذا الکيان غير ممكن دون دعم خارجي.
وفي هذا السياق، قال دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة، في حديثه عن احتمالات ما كان سيحدث لو لم تشارك أمريكا في الحرب مع إيران: «لو لم أتدخل، لكان إسرائيل قد دُمرت، يجب أن أتحكم بنتنياهو. أستطيع أن أمنع إسرائيل من مهاجمة لبنان، وهم يحترمونني وينفذون كل ما أقول».
هذه الكلمات تتجاوز مجرد خلاف سياسي بين واشنطن وتل أبيب؛ فهي اعتراف عملي من ترامب بأن "إسرائيل" ليست فقط معتمدةً على الولايات المتحدة لاستمرار الحرب، بل حتى في قراراتها الاستراتيجية ترتبط بإرادة واشنطن. حين يقول ترامب إنه يستطيع أن يمسك بزمام تل أبيب في المنطقة أو يغيّر مسار تحركاتها، فهذا لا يعني سوى الاعتماد البنيوي لهذا الکيان على أمريكا.
المساعدات الضخمة من واشنطن إلى تل أبيب
تأتي تصريحات ترامب في وقتٍ يكشف فيه استعراض التعاون بين واشنطن وتل أبيب على مدى 78 عاماً، أن الجزء الأكبر من القدرات العسكرية والبنى الأمنية للکيان الصهيوني تشكلت بفضل الدعم الواسع الذي قدمته الولايات المتحدة وحلفاؤها.
وفقاً للإحصائيات الرسمية للحكومة الأمريكية، فقد قدّمت واشنطن أكثر من 300 مليار دولار مساعدات مباشرة وغير مباشرة لتل أبيب حتى الآن. وفي إطار اتفاقية عقدها الطرفان عام 2016 لمدة عشر سنوات، التزمت الولايات المتحدة بتقديم 3.8 مليار دولار سنوياً كمساعدات عسكرية لـ "إسرائيل". وبعد اندلاع حرب غزة، أقرّ الكونغرس الأمريكي عشرات المليارات من الدولارات كمساعدات طارئة لتعزيز القدرات العسكرية لتل أبيب.
ويتوفّر جزء كبير من القوة العسكرية للکيان الصهيوني مباشرةً من الولايات المتحدة، بدءاً من أجيال مقاتلات إف-15 وإف-35، مروراً بالقنابل الخارقة للتحصينات، والصواريخ الاعتراضية، وأنظمة الدفاع الجوي، والمعدات الاستخباراتية المتطورة، التي وُفرت لـ "إسرائيل" دون أية قيود لاستخدامها في مواجهة أعدائها. وحتى منظومة «القبة الحديدية» الشهيرة، التي اعتُبرت لسنوات رمزاً للقوة الدفاعية للکيان، تم تطويرها بميزانيات ضخمة من الولايات المتحدة.
وقد أقرّ كبار المسؤولين في البيت الأبيض في السنوات الأخيرة مراراً وبصراحة بالدعم الواسع الذي تقدمه واشنطن لتل أبيب. فعلى سبيل المثال، أعلن جو بايدن، الرئيس الأمريكي السابق، في ذروة حرب غزة بصراحة: «لو لم تكن إسرائيل موجودةً، كان على أمريكا أن تنشئ إسرائيل أخرى لحماية مصالحها في المنطقة». كما أكد بايدن مراراً أن التزام واشنطن بأمن "إسرائيل" «صلب كالفولاذ»، بل وصف نفسه علناً بأنه صهيوني. هذه التصريحات تؤكد أن الکيان المحتل ليس مجرد لاعب مستقل، بل أحد أهمّ الأدوات الاستراتيجية لأمريكا في الشرق الأوسط، وبقاءه يحظى بأهمية جيوسياسية قصوى بالنسبة لواشنطن.
وإلى جانب الدعم المالي والعسكري، استفادت تل أبيب لسنوات من مظلة الدعم الأمريكي في المنظمات الدولية. فقد حال فيتو الولايات المتحدة دون اعتماد عشرات القرارات المناهضة لـ "إسرائيل" في مجلس الأمن الدولي، وهو إجراء يعتبره المراقبون من أهم العوامل التي حمت تل أبيب من الضغوط الدولية، ولو غاب هذا الدعم السياسي، لكانت "إسرائيل" تواجه عزلةً أوسع وتكاليف ثقيلة جداً.
المقاومة تكشف ضعف تل أبيب
رغم الجهود الكبيرة التي بذلتها الولايات المتحدة والدول الأوروبية من خلال دعم عسكري وأمني واسع، لمحاولة إخفاء هشاشة الکيان الصهيوني، إلا أن الضربات المتتالية من جبهة المقاومة أظهرت أكثر من أي وقت مضى علامات تآكل القوة وضعف البنية الهيكلية لـ "إسرائيل".
في السابق، كانت تل أبيب تعتمد على تفوقها الجوي وتكنولوجيتها العسكرية لإنهاء الحروب بسرعة وإجبار الخصم على التراجع، لكنّ الأمور اليوم اتخذت مساراً مختلفاً.
أبرز التغيرات تمثلت في الزيادة التدريجية لقدرات محور المقاومة وتآكل عوامل الردع لدى تل أبيب، وبدأت أولى بوادر هذا التحول تظهر في حرب 33 يوماً عام 2006. حربٌ كان من المفترض أن تنتهي خلال أيام معدودة، لكنها تحولت إلى أحد أصعب التحديات التي واجهتها القوات الصهيونية. وفي نهاية المعركة، لم تتمكن تل أبيب، رغم الدعم الأمريكي، من تحقيق العديد من أهدافها المعلنة، وظهرت لأول مرة شكوك جدية حول صورة الجيش الذي لا يُقهَر. كما أظهرت المعارك المتكررة في غزة أن آلة الحرب في تل أبيب لم تعد تمتلك القدرة على تحويل النجاحات التكتيكية إلى مكاسب استراتيجية.
في السنوات الأخيرة، دخل هذا المسار مرحلةً جديدةً، حيث أدّى توسيع القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة لإيران وفصائل المقاومة، إلى جعل عمق الأراضي المحتلة أكثر عرضةً للتهديد من أي وقت مضى. والمدن التي كانت في السابق بعيدةً عن ساحات القتال أصبحت اليوم جزءاً من جغرافيا الصراع، مما رفع بشكل ملحوظ تكلفة أي مغامرة عسكرية لهذا الکيان.
وفي ظل هذه الظروف، باتت تل أبيب أكثر من أي وقت مضى تعتمد على الدعم السياسي والمالي والعسكري من الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين للحفاظ على تفوقها العسكري، وإدارة الأزمات الأمنية، واستمرار موقعها الإقليمي. وفي الواقع، إذا ما سُحِبَت مظلة الدعم الأمريكية والناتو عن تل أبيب، فإن العديد من العوامل التي ضمنت بقاء هذا الکيان حتى الآن ستتعرض لهزات قد تسرّع سيناريوهات انهيار "إسرائيل"، متجاوزةً التوقعات التي وردت في الكتب الأسطورية اليهودية.
