الوقت - كان بدء الحرب ضد إيران، واحدًا من أكثر القرارات إثارةً للجدل طوال فترة رئاسة ترامب. ترامب الذي، حتى بعد خسارته أمام بايدن في الانتخابات الرئاسية، استطاع أن يحافظ على دعم أنصاره في الحزب الجمهوري المعروف بحركة "ماغا"، لكن هذه الحرب مع إيران أشعلت نيران الخلاف داخل هذه المجموعة؛ من الصراعات الحزبية في الكونغرس مع شخصيات مثل توماس ماسي ومارجري غرين، إلى الهجمات والصدامات مع مقربين منه مثل تاكر كارلسون، فضلاً عن الاستقالات والانقسامات داخل إدارته مثل جو كينت وتولسي غابرت. هؤلاء كانوا يرون في الحرب ضد إيران خروجاً عن الشعار الأساسي لماغا «أمريكا أولاً»، حيث اعتبروا أن ترامب يضحّي بمصالح الولايات المتحدة لصالح الکيان الصهيوني واللوبي الخاص به في واشنطن.
كان هذا اختبارًا عسيرًا لترامب وفريقه، ويبدو أن الأسبوع الماضي شهد تتويجًا لهذا الاختبار باتفاق بين الأطراف المتنازعة وفتح مضيق هرمز، ومن المقرر أن يقدّم ترامب هذا الاتفاق كإنجاز وانتصار أمام الناخبين والشعب الأمريكي.
لكن الاتفاق الأولي وطبيعته بدا وكأنه صبّ مزيدًا من الزيت على نار الانقسامات الداخلية في حركة "ماغا". أبرز المعارضين لهذا الاتفاق هم جناح المتشددين داخل ماغا، الذين لم يعودوا يترددون في اتهام ترامب بالخيانة ضد تل أبيب. ويتبع الجناح المحافظ في الحزب الجمهوري نفس النهج، حيث انتقد مارك لوين، المحلل السياسي الشهير المؤيد لـ "إسرائيل" وأحد المقربين والمؤثرين في حركة ماغا، بشدة ترامب وفريقه بسبب هذا التفاهم؛ وقال إن من غير المقبول أن يكون لبنان جزءًا من الاتفاق، لأن "إسرائيل" لا يمكنها التوقف عن العمليات في مواجهة تهديد حزب الله. كما انتقد بشدة عدم نشر بنود الاتفاق، مؤكداً أن فريق ترامب إذا كان هذا الاتفاق يصبّ في مصلحة "إسرائيل" والولايات المتحدة، فيجب أن يسمح للشعب بقراءته قبل التوقيع عليه. هذه المخاوف تتوافق تمامًا مع مواقف السياسيين اليمينيين الصهاينة مثل بن غفير ويسرائيل كاتس.
أما ما يمكن استنتاجه بناءً على ما سُمع عن بنود الاتفاق الأولي، فيبدو أن الجناح الصهيوني داخل "ماغا" يحمل هاجسين رئيسيين؛ الأول اقتصادي بحت، حيث ينتقدون بشدة السماح المؤقت من قبل إدارة ترامب ببيع النفط لإيران أو تحرير الأموال الإيرانية المجمدة بأي شكل من الأشكال. ويُدينون إدارة ترامب لأن هذه الأموال ستُستخدم من قبل إيران لإعادة بناء قواتها العسكرية وحلفائها في المنطقة، والاستعداد للمواجهات القادمة.
بن شابيرو، أحد أشهر وأشدّ الناشطين السياسيين المؤيدين للنظام في أمريكا، صرّح قائلاً: «الكثير منا الذين وقفوا يشجعون ترامب على عمله الجريء (الاعتداء على إيران)، سيشعرون بخيبة أمل إذا تبيّن أن الصفقة التي أبرمها كانت سيئةً».
النقطة الثانية التي يركز عليها أنصار الکيان هي مسألة الثقة؛ فهم يرون أن وعود إيران بشأن سحب أو تخفيف تخصيب اليورانيوم أو إغلاق الملف النووي الإيراني في الواقع غير ممكنة، وأن إيران تخدع الأمريكيين. وتشير الأخبار إلى أن أصواتاً من هذا النوع تُسمع حتى داخل الحكومة؛ حيث أفادت أکسيوس بأن جون راتكليف، مدير وكالة الاستخبارات المركزية، وماركو روبيو، وزير الخارجية، يعبّران في الاجتماعات عن شكوك كثيرة حول مدى اهتمام إيران بالاتفاق النووي على النحو الذي يروّجه ترامب للإعلام.
من جانب آخر، اتخذ البعض مساراً أكثر حذراً في ظل غموض بنود الاتفاق ومستقبل المفاوضات بعده. هؤلاء لا يرغبون في الدخول في مواجهة مباشرة مع ترامب، مثل ليندسي غراهام، السيناتور المهيّج للحرب الذي كان يسهّل بشدة الأجواء داخل أمريكا لإجراءات حكومته غير المشروعة. ولكن، بعد أن فشلوا في تحقيق هدفهم المتمثل في هزيمة وتدمير إيران، يحاولون تحميل مسؤولية الاتفاق وإنهاء الحرب على أشخاص آخرين. فقد قال ليندسي غراهام في تصريح له إن نائب الرئيس الأول جي دي فانس هو مهندس هذا الاتفاق، ويجب أن يحضر إلى الكونغرس ليشرح تفاصيله.
بهذه التصريحات، هم لا يضربون فقط شعبيتهم داخل صفوف ماغا، بل يضغطون أيضاً على أحد قادة ماغا المحتملين بعد ترامب، وهو فانس، الذي يُقال إنه لم يكن منذ البداية ميالاً إلى الحلول العسكرية.
ما هو واضح، بغض النظر عن مصير الاتفاق أو حتى بنوده، هو أن ترامب وإدارته فقدوا إلى حد ما السيطرة على سردية إنهاء الحرب. ويبدو من غير المحتمل أن يكون ترامب في أمريكا أقلّ وعياً من غيره بمخاوف الکيان الصهيوني، أو أقلّ رغبةً في تأمين مصالح اللوبي الصهيوني. لكن الحقيقة هي أن ترامب قد طرد فعلياً من الحركة قوى معارضة للحرب قريبة منه، مثل تاكر كارلسون، الذين كانوا صوتاً قوياً في تشكيل الرأي داخل صفوف ماغا، والآن لا يوجد من يتولى الدفاع عن سردية نهاية الحرب.
لهذا، يعمل اللوبي الصهيوني بهدوء واطمئنان على صياغة روايته الخاصة بالقضية، والتي يمكن ملاحظتها بأوضح صورة في افتتاحية مجلة «ناشونال ريفيو» باعتبارها منبرًا إعلاميًا محافظًا؛ حيث تشير إلى احتمال عزم ترامب على العودة إلى الاتفاق الفاشل الذي أبرمه أوباما (الاتفاق النووي)، والذي كان هو ذاته قد مزّقه في ولايته الأولى، مما يجعل كل ادعاءاته السابقة حول الحرب وإيران تبدو مهينةً ومهزوزةً.
يمكننا أن نستخلص أن غالبية المنتقدين الداخليين ضمن حركة "ماغا" يحملون في جوهر مخاوفهم الأولوية المتعلقة بـ "إسرائيل"، فهم يسعون إلى إرغام ترامب بطرق مختلفة على تعديل جوهر مطالبهم.
وبحسب ما تعكسه «جيروزالم بوست»، يعتقد البعض داخل الکيان الصهيوني أن قرارات نتنياهو الخاطئة، مثل الهجوم على بيروت في اليوم الأخير من الحرب، قد وضعت حكومة ترامب تحت ضغط كبير للحفاظ على مسار المفاوضات ومنع هجوم انتقامي من إيران على الأراضي المحتلة، لذا اضطروا إلى القبول بشروط إيران. لكنهم الآن، من خلال النقد والضغط على الحكومة عبر وسائل الإعلام واللوبي الصهيوني، يحاولون طمس أخطاء اليمين داخل "إسرائيل".
وفي المحصلة، ما يبرز وسط هذه الأحداث ليس الاتفاق مع إيران نفسه، ولا حتى بنوده، بل الانقسام العميق الذي أحدثته هذه الحرب ثم نهايتها داخل حركة ماغا؛ الحركة التي كانت في يوم من الأيام توحّد صفوفها تحت شعار «أمريكا أولاً»، لكنها اليوم تجد نفسها محاصرةً بين ثنائية: جانب يعبّر عن الولاء لـ "إسرائيل" ولوبيها القوي في واشنطن، والجانب الآخر يلتزم عمليًا بنفس شعارات ترامب الانتخابية.
أما ترامب، الذي لطالما عرف نفسه بأنه يتجاوز الهياكل الحزبية وبعيد عن البطاقات السياسية الجاهزة، فقد وجد نفسه هذه المرة في وضعٍ لم ينجح فيه فقط في إقناع الرأي العام بروايته الخاصة عن الانتصار، بل إنه من خلال طرده لصوت المعارضة للحرب داخل صفوفه، سلّم فعليًا ساحة صناعة الرواية للمنتقدين الصهاينة ووسائل الإعلام المتحالفة معهم.
وبغياب شخصيات مؤثرة مثل تاكر كارلسون، أصبح الصوت السائد داخل صفوف ماغا لا يعبّر عن مصالح أمريكا، بل عن مخاوف تل أبيب، وربما هذه هي المأساة الأشدّ مرارةً في هذه القصة بالنسبة لترامب: حرب بدأت تحت شعار «أمريكا أولاً»، لكنها في نهايتها وضعت أمريكا في موقعٍ لا هو الأول ولا حتى صاحب القرار النهائي لرواية نهايتها.
