الوقت - رضخ البيت الأبيض أخيرًا، رضوخٌ يعني، بحسب مصادر أمريكية، توافقًا جديدًا من واشنطن. وقد ظهر هذا الرضوخ بعد أن أعلن دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة، عن التوصل إلى اتفاق مع إيران. وفي الوقت نفسه، أُكد الاتفاق الأولي في طهران، كما أيّد الوسطاء الباكستانيون والقطريون اتفاق طهران وواشنطن.
في فبراير/مارس من العام الماضي، عندما بدأت الحرب المشتركة بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ضد إيران، زعم ترامب أنه وجّه ضربةً قاسيةً لإيران، وبعد فترة قصيرة تحدث عن تدمير القدرات العسكرية والبحرية والجوية لإيران. لكن منذ شهرين تقريبًا، كرّر ترامب مرارًا أنه على أعتاب اتفاق سلام مع إيران. والسؤال هنا: ما هي العوامل التي دفعت ترامب إلى التوجه نحو اتفاق مع دولةٍ كان قد زعم سابقًا تدمير قدراتها العسكرية؟
الضغوط الاقتصادية؛ الحرب مكلفة على ترامب
يرى العديد من الخبراء أن أحد أهم أسباب تحرك ترامب نحو الاتفاق مع إيران، هو التكاليف الاقتصادية للحرب. فخلال أكثر من ثلاثة أشهر من الصراع، ارتفعت أسعار الطاقة العالمية، وازداد القلق من التضخم في الولايات المتحدة، وواجهت الأسواق حالةً من عدم اليقين الواسع. وأفادت وكالة رويترز أن الاتفاق مع إيران أدى فورًا إلى خفض أسعار النفط ونمو الأسواق المالية؛ وهو ما يشير إلى أن الاقتصاد كان من الدوافع الرئيسية لواشنطن لإنهاء الحرب.
يعتقد «آرون ديفيد ميلر»، المفاوض والمسؤول السابق بوزارة الخارجية الأمريكية، أن العمليات الأمريكية والإسرائيلية لم تحقق أهدافها فحسب، بل ألحقت أيضًا تكاليف باهظة. وقال عن العمليات المشتركة الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران إن الغضب الملحمي لأمريكا و"إسرائيل" تجاه إيران، قد تحوّل إلى كارثة ملحمية.
كما ذكرت رويترز أن ترامب واجه، قبيل الانتخابات النصفية، حربًا رفعت أسعار الطاقة وزادت الضغوط السياسية الداخلية، واستمرارها كان سيكلف البيت الأبيض ثمنًا سياسيًا باهظًا.
فشل مشروع الإطاحة السياسية بإيران
يبدو أن الإخفاق في تحقيق الأهداف القصوى لأمريكا و"إسرائيل" ضد إيران، كان من أبرز أسباب التوقف. يعتقد كثير من المحللين الغربيين أنه في بداية الحرب، كان جزء من الأوساط الأمريكية والإسرائيلية يأمل في أن يؤدي الضغط العسكري إلى إضعاف جدي أو حتى انهيار البنية السياسية لإيران. لكن تقرير تحليلي لوكالة رويترز يؤكد أن إيران، رغم تحملها هجمات واسعة، «تقوّت سياسيًا» وحافظت على بنيتها السياسية. ويشير التقرير إلى أن الولايات المتحدة لم تستطع تحقيق أهدافها الطموحة، بما في ذلك إجبار إيران على الاستسلام أو تدمير قدراتها الصاروخية والنووية.
ونقلت رويترز عن دبلوماسيين ومحللين إقليميين أن إيران خرجت من الحرب مصابةً لكنها ما زالت صامدةً، وحافظت على جزء كبير من أدوات قوتها.
وهذا الأمر دفع واشنطن، بدلًا من تحقيق أهدافها الأولية، إلى التوجه نحو وقف إطلاق نار واتفاق مؤقت. وتؤكد رويترز أن الاتفاق الجديد أجّل حتى النقاش حول البرنامج النووي إلى المستقبل؛ وهو موضوع كان من الأهداف الرئيسية للولايات المتحدة في بداية الحرب.
ضغط الحلفاء العرب
كان تزايد ضغوط الدول الخليجية، من العوامل الأخرى التي أدت إلى وقف الحرب بين أمريكا وإيران. ففي الأشهر الماضية، توصلت الدول العربية إلى قناعة مفادها أن استمرار الحرب قد يزعزع استقرار المنطقة بأسرها، ويهدد صادرات الطاقة. ويشير تحليل وكالة رويترز إلى أن الحرب الأخيرة قلّصت ثقة الدول العربية في قدرة أمريكا على ضمان أمن المنطقة، مما دفعها نحو تبني سياسة تخفيف التوتر مع طهران. ووفقًا لما نقلته رويترز، فقد أدركت الحكومات العربية أن لا أمريكا ولا "إسرائيل" قادرتان على القضاء على نفوذ إيران أو قدرتها على الردع. إن دولاً مثل السعودية، الإمارات، قطر، والبحرين تشعر بالقلق الشديد إزاء أمن الطاقة، والملاحة البحرية، واقتصاداتها. ولهذا السبب، أصبح إنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز مطلبًا أساسيًا لها. ويركز الاتفاق النهائي تحديدًا على إعادة فتح مضيق هرمز ووقف الأعمال القتالية.
الانفصال المتزايد بين واشنطن وتل أبيب
ربما كان العامل السياسي الأبرز وراء اتفاق أمريكا وإيران، هو التباعد المتصاعد بين ترامب وبنيامين نتنياهو. فقد أفادت رويترز أن نتنياهو كان يأمل أن تؤدي الحرب المشتركة بين أمريكا و"إسرائيل"، إلى إسقاط النظام الإيراني وتعزيز موقفه السياسي داخل "إسرائيل". لكن في النهاية لم تتحقق أهداف لا أمريكا ولا "إسرائيل". وقال دن شابيرو، السفير الأمريكي السابق في "إسرائيل" وعضو المركز الأطلسي للدراسات، عن هذا التباعد: «إنها لحظة واضحة جدًا تبرز تباين المصالح بين أمريكا وإسرائيل.»
ونقلت رويترز عن مسؤول إسرائيلي رفيع قوله: «هذا الاتفاق كارثي بالنسبة لإسرائيل.»
ووفقًا للتقرير، فإن القضايا التي طرحها نتنياهو وترامب في بداية الحرب لتبرير العمليات، مثل البرنامج الصاروخي الإيراني ودعم طهران للفصائل الإقليمية، لم تُدرج أساسًا ضمن جدول أعمال الاتفاق الحالي. وقال «جوناثان راينهولد»، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بار إيلان بتل أبيب: «لن يكون نتنياهو قادرًا على تسويق هذا الاتفاق للرأي العام الإسرائيلي.»
