الوقت - شهد لبنان وضاحية بيروت الجنوبية، المعقل الرئيسي لحزب الله، يوم أحد حافلاً بالأحداث. يوم بدأ تبادل النار من تلال النبطية، ووصل إلى ذروته بانفجار في أحياء الضاحية الجنوبية لبيروت.
من النبطية ويحمر الشقيف وصولاً إلى تحويطة الغدير في الضاحية، أكدت أحداث هذا اليوم مرةً أخرى أن لا وجود لهدنة، بل إن الحرب قد دخلت مرحلةً جديدةً؛ مرحلة لم يعد فيها تهديد الهجوم على بيروت مجرد تحذير إعلامي، بل أصبح واقعاً ميدانيًا ملموسًا.
الهجوم اليوم على الضاحية كان عبورًا واضحًا لخطوط المقاومة الحمراء من أجل الالتزام بالهدنة الهشة التي استمرت الأشهر الماضية، وكما وعد زعيم حزب الله، فإن الكيان الصهيوني لا يفهم إلا لغة القوة، فيما تشجع المواقف الضعيفة لحكومة جوزف عون نتنياهو على توسيع نطاق العمليات العسكرية أبعد من الجبهات الحدودية.
ضاحية بيروت تحت النار؛ عودة الحرب إلى ضاحية العاصمة
أهمّ تطور يوم الأحد كان الهجوم الجوي للجيش الصهيوني على الضاحية الجنوبية لبيروت؛ هجوم جاء بعد ساعات من تصاعد التوتر في جنوب لبنان.
أعلن الجيش الصهيوني أن العملية نفذت بناءً على معلومات أمنية واستهدفت ما وصفه بـ«هدف ذي قيمة عالية». وفي بيان لاحق ادعى استهداف مبنى تستخدمه قوات حزب الله. غير أن الروايات المنشورة في وسائل الإعلام العبرية لم تكن موحدةً.
وأفادت قناة الجزيرة بأن إذاعة الجيش الصهيوني أكدت أن العملية لم تكن بالضرورة تهدف لاغتيال شخص معين، بينما نقل الموقع الأمريكي “أكسيوس” عن مصادره استهداف مركز قيادة لحزب الله. كما نقلت القناة 14 التلفزيونية العبرية عن مصادر أمنية أن أهمية الهجوم لم تكن مرتبطةً بهوية الهدف، بقدر ما كانت ترتكز على موقعه الجغرافي.
وأفاد الصحفيون المتواجدون في الموقع بأن مبنى في منطقة «تحويطة الغدير» تعرض لقصف بعدة صواريخ، ما أدى إلى إصابة وحدتين سكنيتين على الأقل بأضرار. وأفادت وسائل الإعلام اللبنانية بمقتل شخصين وإصابة ما لا يقلّ عن 11 آخرين في هذا الهجوم، مع احتمال ارتفاع هذه الأرقام.
الضوء الأخضر من واشنطن والرسالة السياسية للهجوم
جاء هذا الهجوم بعد أيام قليلة فقط من تقارير وسائل الإعلام العالمية التي تحدثت عن مكالمة حادة بين ترامب ونتنياهو عقب صدور أمر بشن الهجوم على بيروت، حيث كان ترامب قد حال دون تنفيذ هذا الهجوم آنذاك.
ومع ذلك، أفادت وسائل الإعلام حالياً بوجود تنسيق بين الطرفين، وضوء أخضر من البيت الأبيض لتنفيذ الهجمات التي شنتها قوات الجيش الصهيوني على ضاحية بيروت.
وبحسب تقرير موقع «أكسيوس»، فقد أبلغت السلطات الصهيونية إدارة دونالد ترامب قبل تنفيذ العملية. وأكدت مصادر أمريكية أن تل أبيب أوضحت لواشنطن أن هجمات حزب الله على شمال فلسطين المحتلة تُعتبر انتهاكاً لهدنة وقف إطلاق النار، ومن ثم ترى لنفسها الحق في استهداف بيروت.
كما يُبرز التقرير أن الكيان الصهيوني يسعى إلى ترسيخ معادلة جديدة؛ معادلة تقول إن أي هجوم من جنوب لبنان على شمال الأراضي المحتلة، يمكن الرد عليه بهجوم مباشر على بيروت.
ويعتقد المراقبون أن هذا التوجه يتجاوز كونه مجرد عمل عسكري، إذ يحمل رسالةً سياسيةً واضحةً موجهةً إلى حزب الله، والحكومة اللبنانية، بل وحتى إلى الفاعلين الإقليميين. لا سيما أن مصادر أمريكية أكدت أن المبنى الذي استُهدف كان على الأرجح خالياً، وأن العملية كانت في جوهرها رمزيةً أكثر منها تكتيكية.
جنوب لبنان؛ ساحة المعركة الرئيسية
بينما كانت الأنظار تتجه نحو ضاحية بيروت، شهدت الجبهة الجنوبية للبنان أحد أكثر الأيام توتراً خلال الأسابيع الأخيرة.
فقد أفادت مصادر عبرية ببدء عملية برية محدودة للجيش المحتل في محيط النبطية. ووفقاً لهذه التقارير، كُلفت القوات الصهيونية بالتقدم لاستطلاع مواقع المقاومة وتفكيك العبوات الناسفة اليدوية على أطراف المدينة.
وزعم موقع «والا» أن قائد المنطقة الشمالية في الجيش الصهيوني طالب بتدمير البنى التحتية العسكرية لحزب الله في النبطية، ووصف سقوط هذه المنطقة بأنه ضربة استراتيجية للمقاومة.
غير أن الرواية الميدانية التي قدمتها المصادر اللبنانية تختلف اختلافاً واضحاً عن هذه الادعاءات.
فقد أكد مازن إبراهيم، مدير مكتب قناة الجزيرة في بيروت، عدم وجود أي مؤشرات على دخول القوات المحتلة بنجاح إلى القرى المحيطة بالنبطية، معتبراً أن التقارير المنشورة في وسائل الإعلام العبرية لا تعكس الواقع الميداني.
وأشار إلى أن القوات الصهيونية تحركت خلال الأسبوعين الماضيين من محور زوطر الشرقية نحو عدة مناطق منها الحمرا، صافيه، يحمر الشقيف، وقلعة الشقيف، لكنها لم تتمكن من تثبيت وجودها في هذه المناطق.
وتُظهر الصور التي تم تداولها تدمير عدة مركبات عسكرية للجيش المحتل في محيط يحمر الشقيف، المنطقة التي شهدت خلال الساعات الأخيرة اشتباكات متكررة بين قوات المقاومة والجيش الصهيوني.
رد حزب الله القوي؛ من الطائرات الانتحارية إلى استهداف مركافا
مع تصاعد التحركات البرية للجيش المحتل، كثّف حزب الله من عملياته الهجومية. فقد أعلن الحزب أنه نفّذ منذ فجر يوم الأحد ما لا يقل عن خمس عمليات ضد مواقع وقوات الاحتلال الصهيوني. في هذه الهجمات، استُهدف تجمع القوات والمركبات العسكرية حول منطقة يحمر الشقيف بصواريخ مدفعية وقذائف.
كما أفاد حزب الله باستخدام طائرات انتحارية من نوع «أبابيل» ضد تجمعات الجنود الصهاينة في محيط قرية حدثا. ومن بين أبرز العمليات، تم استهداف دبابة مركافا في نفس المحور.
على الصعيد الساحلي، أعلن المقاومة أنها شنت هجوماً بطائرة انتحارية استهدف مقر قيادة الجيش الصهيوني في منطقة الناقورة. وأكد حزب الله أن هذه العمليات جاءت ردًا على الانتهاكات المتكررة لوقف إطلاق النار والهجمات اليومية التي يشنها الكيان الصهيوني على المناطق السكنية في جنوب لبنان.
وأفادت وسائل الإعلام العبرية بأن الهجوم الجوي للمقاومة أدى إلى إصابة أربعة جنود احتياط من الجيش الصهيوني. فيما كان الجيش المحتل قد أعلن سابقًا عن مقتل ضابط وجندي في عمليات جنوب لبنان.
ووسط رقابة مشددة على الإحصاءات الرسمية، أعلن الجيش الصهيوني أن عدد قتلاه منذ بدء جولة العمليات الجديدة وصل إلى 30 جندياً. كما أفادت إذاعة جيش الاحتلال بأن عدد ضحايا الكيان في جنوب لبنان والمناطق الحدودية ارتفع إلى 18 منذ إعلان وقف إطلاق النار.
على الجانب الآخر، لا تزال الأوضاع الإنسانية في لبنان حرجةً بسبب القصف العشوائي للمناطق السكنية. وأعلنت وزارة الصحة اللبنانية أن عدد ضحايا الهجمات الصهيونية منذ تصاعد التوترات بلغ 3593 قتيلاً، إضافةً إلى أكثر من 10,990 جريحًا.
وبالإضافة إلى المدنيين، تكبّد الجيش اللبناني خسائر كبيرة. وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن هجمات الكيان الصهيوني أدت حتى الآن إلى مقتل 25 عسكريًا لبنانيًا، كان آخرهم استشهاد ضابطين وجندي من الجيش اللبناني.
الدبلوماسية اللبنانية الفاشلة في ظل الاعتداءات
وسط هذه التطورات، جذب سفر الجنرال رودولف هيكل، قائد الجيش اللبناني، إلى إسلام آباد اهتمام المراقبين.
تشير المصادر اللبنانية إلى أن هذه الزيارة كانت مخططةً منذ وقت طويل، لكنها اكتسبت أهميةً مضاعفةً الآن مع ارتباط ملف لبنان بالمفاوضات الإقليمية، حيث أعلنت إيران أن وقف الحرب في لبنان هو أحد الشروط الأساسية لأي اتفاق أولي أو شامل مع الولايات المتحدة.
ويرى بعض المحللين أن باكستان، التي لعبت دور الوسيط في وقف إطلاق النار بين إيران وأمريكا خلال الأشهر الماضية، تقوم بدور غير مباشر للمساعدة في تثبيت الهدنة في جنوب لبنان.
ومع ذلك، فإن الهجوم على الضاحية الجنوبية لبيروت وتصاعد المعارك في النبطية، ويحمر الشقيف، ومناطق أخرى في جنوب لبنان، أظهر أن الاعتماد على التزام نتنياهو بالهدنة ما هو إلا سراب، وأن تل أبيب لا تفهم سوى لغة القوة والمقاومة المسلحة.
يُذكر أن مقر خاتم الأنبياء(ص) المرکزي في إيران قد أصدر الأسبوع الماضي، رداً على تهديدات نتنياهو بإصدار أمر إخلاء الضاحية، تعليمات مماثلة لسكان المناطق الشمالية من الأراضي المحتلة بإخلاء مدنهم، في رسالة واضحة مفادها أن إيران تعتبر هجوم الكيان على بيروت بمثابة نهاية الهدنة مع هذا الكيان، وستردّ عسكرياً.
في هذا السياق، لم يكن يوم الأحد مجرد يوم آخر من الاشتباكات على الحدود، بل كان يومًا عادت فيه ظلال الحرب الشاملة لتخيّم على لبنان. ومن خلال هجمات الكيان، وصلت الرسالة بوضوح أن الاتفاقات السياسية لن توقف آلة الحرب لهذا الكيان، وأن جنوب لبنان لا يزال أحد أخطر بؤر الأزمة في المنطقة.
