الوقت- في ظل استمرار الحرب والتوترات التي أشعلتها سياسات بنيامين نتنياهو، عاد رئيس الوزراء الإسرائيلي ليطرح مشروعاً جديداً لتحالف إقليمي يمتد «من الهند إلى كوش»، في إشارة رمزية إلى نطاق جغرافي واسع يشمل آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط. هذا الطرح لا يمكن فصله عن السياق العام الذي تعيشه المنطقة، حيث تحاول إسرائيل إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية بما يخدم مصالحها الأمنية والسياسية، ولو على حساب استقرار شعوب المنطقة. إن هذا المشروع لا يمثل مجرد مبادرة دبلوماسية عادية، بل يعكس رؤية توسعية تسعى إلى تطويق الخصوم وإعادة رسم خريطة التحالفات وفق منظور أمني ضيق. ويأتي هذا التحرك في وقت تواجه فيه إسرائيل انتقادات دولية متزايدة بسبب سياساتها العسكرية، ما يجعل هذا المشروع محاولة واضحة للهروب من العزلة عبر خلق واقع سياسي جديد يفرض نفسه كأمر واقع، بدل معالجة جذور الأزمة القائمة.
توظيف الجغرافيا لخدمة أجندة الصراع
هذا الطرح لا يمكن اعتباره مجرد توصيف جغرافي عابر، بل يمثل رسالة سياسية واضحة تحمل أبعاداً استراتيجية عميقة وخطيرة. فهو يشير إلى توجه نحو إنشاء تحالف يمتد عبر مساحات واسعة ومناطق متعددة، بما يعكس رغبة إسرائيل في تجاوز حدودها التقليدية وبناء شبكة نفوذ إقليمي ودولي متعددة الأطراف والوظائف والتأثيرات العسكرية والسياسية. ويكشف هذا التوجه عن محاولة لإعادة تعريف الصراع في المنطقة، ليس باعتباره صراعاً محلياً مرتبطاً بالاحتلال وحقوق الشعب الفلسطيني، بل كجزء من مواجهة أوسع ضد ما تصفه إسرائيل بمحاور معادية. هذا التحول في الخطاب يعكس سعياً واضحاً لتوسيع نطاق الصراع وتدويله، بحيث يصبح جزءاً من منظومة تحالفات عالمية معقدة ومتشابكة، بدل أن يبقى قضية سياسية وأخلاقية مرتبطة بإنهاء الاحتلال وتحقيق العدالة. كما يسعى هذا الطرح إلى خلق انطباع بأن إسرائيل ليست طرفاً معزولاً، بل مركزاً لتحالف إقليمي واسع، وهو ما يخدم أهداف بنيامين نتنياهو في تعزيز موقعه السياسي داخلياً وخارجياً وترسيخ نفوذه.
صناعة العدو كوسيلة لتبرير العدوان
يعتمد المشروع الذي يطرحه نتنياهو على فكرة وجود «محاور» معادية، سواء كانت شيعية أو سنية، وهو تصنيف يعكس محاولة واضحة لتأطير الصراع ضمن سردية أمنية تخدم مصالح إسرائيل. هذه السردية تقوم على تصوير إسرائيل كدولة محاصرة مهددة، رغم أنها تمتلك واحدة من أقوى القدرات العسكرية في المنطقة. إن هذا النهج لا يهدف إلى تحقيق السلام، بل إلى خلق حالة دائمة من التوتر تبرر استمرار السياسات العسكرية والتوسع الأمني. كما أن هذا الخطاب يسهم في تعميق الانقسامات الإقليمية، بدل العمل على بناء جسور التفاهم. ومن خلال تضخيم التهديدات، يسعى نتنياهو إلى كسب دعم دولي وإقليمي لمشاريعه، مستغلاً مخاوف بعض الدول من التغيرات الإقليمية. لكن الحقيقة تبقى أن هذا النهج يعزز مناخ الصراع، ويؤخر أي فرصة حقيقية لتحقيق الاستقرار، لأنه يقوم على المواجهة بدل الحوار.
التحالفات كغطاء لتجاهل الجرائم والانتهاكات
لا يمكن فصل هذا المشروع عن الواقع الميداني الذي يشهد تصعيداً غير مسبوق في العمليات العسكرية الإسرائيلية، والتي أسفرت عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا وتدمير واسع للبنية التحتية. وفي هذا السياق، يبدو أن نتنياهو يحاول استخدام فكرة التحالفات كوسيلة لتخفيف الضغط الدولي المتزايد عليه. فبدل مواجهة الانتقادات المتعلقة بالانتهاكات، يسعى إلى تحويل النقاش نحو قضايا أمنية وتحالفات استراتيجية. هذه الاستراتيجية تهدف إلى إعادة تقديم إسرائيل كشريك ضروري في مواجهة تهديدات إقليمية، بدل النظر إليها كطرف مسؤول عن تصعيد العنف. كما أن هذا النهج يعكس محاولة لتغيير الأولويات الدولية، بحيث يتم التركيز على التحالفات بدل المساءلة. لكن هذا التكتيك لا يغير من حقيقة أن استمرار السياسات العدوانية يؤدي إلى تعميق الأزمة، ويزيد من عزلة إسرائيل على المدى الطويل، مهما حاولت إخفاء ذلك خلف شعارات التعاون.
أهداف سياسية داخلية وراء التصعيد الخارجي
لا يمكن تجاهل البعد الداخلي لهذا المشروع، حيث يواجه نتنياهو تحديات سياسية وقانونية كبيرة تهدد مستقبله السياسي. وفي مثل هذه الظروف، غالباً ما يلجأ القادة إلى تصعيد الخطاب الخارجي لتعزيز موقعهم الداخلي. إن طرح مشروع تحالف واسع يمنح نتنياهو فرصة لتقديم نفسه كقائد قوي قادر على بناء تحالفات استراتيجية، بدل أن يظهر كزعيم محاصر بالأزمات. كما أن هذا النهج يساعده في توحيد الرأي العام الإسرائيلي حول فكرة التهديد الخارجي، وهو ما يقلل من التركيز على مشاكله الداخلية. لكن هذا الاستخدام السياسي للتحالفات يعكس حقيقة خطيرة، وهي أن القرارات المصيرية المتعلقة بالمنطقة قد تكون مدفوعة بحسابات شخصية وسياسية، بدل أن تستند إلى رؤية حقيقية لتحقيق السلام. وهذا ما يجعل هذا المشروع مصدر قلق، لأنه قد يؤدي إلى مزيد من التصعيد بدل التهدئة.
مستقبل المنطقة بين مشاريع الهيمنة وحق الشعوب في السلام
إن المشروع الذي يطرحه نتنياهو يعكس رؤية تقوم على القوة والتحالفات العسكرية، بدل العدالة والحلول السياسية. هذه الرؤية لا تقدم حلاً حقيقياً للصراع، بل تسعى إلى إدارته بطريقة تخدم مصالح إسرائيل فقط. لكن التاريخ أثبت أن التحالفات القائمة على الخوف والعداء لا يمكن أن تحقق استقراراً دائماً. فالسلام الحقيقي لا يمكن أن يبنى على تجاهل حقوق الشعوب أو فرض الأمر الواقع بالقوة. كما أن محاولة توسيع نطاق الصراع وتحويله إلى مواجهة إقليمية لن تؤدي إلا إلى زيادة التوتر والمعاناة. إن مستقبل المنطقة يجب أن يقوم على مبادئ العدالة والاحترام المتبادل، وليس على مشاريع الهيمنة والسيطرة. وفي ظل استمرار هذه السياسات، يبقى واضحاً أن مشروع «من الهند إلى كوش» ليس مشروع سلام، بل محاولة جديدة لإعادة إنتاج الصراع بصيغة أكثر اتساعاً وخطورة، ما يهدد استقرار المنطقة بأكملها.
