الوقت- عند التأمل في شبكة خطوط نقل الطاقة حول العالم، يتجلّى لنا أنّ ثمة ممرات استراتيجية تُعدّ شرياناً للحياة الاقتصادية، غير أنّ مضيق هرمز يتفرد بكونه الأكثر أهميةً وحساسيةً، فضلاً عن هشاشته أمام التهديدات، وقد أثبتت إيران مراراً قدرتها على التحكم بهذا المضيق الحيوي، وهو إجراءٌ من شأنه أن يُربك الأسواق العالمية للطاقة ويُحدث اضطراباً عميقاً في توازن العرض والطلب.
وما يُلفت النظر أنّ مضيق هرمز، رغم كل التوترات التي عصفت بالمنطقة، لم يُغلق بالكامل قطُّ في التاريخ الحديث، حتى في أعتى فترات الصراع الإقليمي، وتجدر الإشارة إلى أنّ آخر موجة من التوترات في هذا المضيق، وقعت إبّان الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، ولا سيّما خلال ما عُرف بـ"حرب الناقلات"، آنذاك، تعرضت السفن التجارية للهجوم، وزُرعت الألغام في مياه الخليج الفارسي، ومع ذلك ظل المضيق مفتوحاً، وإن كان تحت حماية مكثفة من الأساطيل العسكرية، وبتكلفة تأمينية باهظة أثقلت كاهل شركات الشحن البحري، وقد أسفرت تلك الظروف عن ارتفاعٍ مفاجئ في أسعار النفط الخام عالمياً بنسبة قاربت 60%.
وحسب تقرير صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، فإنّ إيران تمتلك الوسائل التقنية والعسكرية التي تمكّنها من السيطرة على ناقلات النفط العابرة من مضيق هرمز، أو حرف مسارها، أو حتى استهدافها مباشرةً باستخدام الزوارق السريعة، الطائرات المسيّرة، الصواريخ المضادة للسفن، أو الألغام البحرية، وفي ظل هذا السيناريو، يمكن لإيران أن تقطع أو تؤخر تدفق ما يربو على ثمانية عشر مليون برميل يومياً من النفط الخام ومنتجاته المكرّرة غير الإيرانية، وإذا حدث ذلك، فإنّ أسعار النفط الخام قد تتجاوز تسعين دولاراً للبرميل الواحد، ما سيؤدي بدوره إلى ارتفاع متوسط أسعار البنزين في الولايات المتحدة إلى ما يفوق ثلاثة دولارات للغالون الواحد، وقد تصل إلى مستويات أعلى في بعض المناطق.
شريان الغاز المسال في العالم
يقف مضيق هرمز، بعرضٍ لا يتجاوز إحدى وعشرين ميلاً (33.7 كيلومتراً) في أضيق نقاطه، تحت سيطرة الحدود البحرية الإيرانية ومجاورتها، هذا المضيق يُعدّ بوابةً رئيسةً لتدفق ما يقارب عشرين بالمئة من إنتاج النفط العالمي، أي إنّ برميلاً واحداً من كل خمسة براميل نفط في العالم يمر عبره، وليس ذلك فحسب، بل إنّ المضيق يُشكّل شرياناً حيوياً لترانزيت الغاز الطبيعي المسال (LNG)، حيث تعتمد الدول المنتجة للطاقة في الخليج الفارسي عليه لإيصاله إلى الأسواق العالمية.
ثمّة ثلاثة منتجين كبار للغاز الطبيعي المسال يتقاسمون قرابة ستين بالمئة من السوق العالمي، لكلٍ منهم نصيبٌ يقارب عشرين بالمئة، وهم: الولايات المتحدة، قطر، وأستراليا، وتُعدّ قطر واحدةً من ركائز هذا السوق، إذ تُصدّر سنوياً نحو سبعة وسبعين مليون طن من الغاز الطبيعي المسال، معظمها يمرّ عبر مضيق هرمز إلى وجهاتٍ تشمل اقتصادات كبرى كاليابان، وكوريا الجنوبية، والصين، والهند، فضلاً عن أجزاءٍ من أوروبا، وأيّ انقطاعٍ في وصول الغاز القطري إلى هذه الدول يعني خسارتها الفورية لجزءٍ لا يُستهان به من مصادر الطاقة التي تعتمد عليها.
وما يزيد من تعقيد الأمر أنّ الغاز الطبيعي المسال لا يُمكن استبداله بسهولة كما هو الحال مع النفط، فبينما يمكن استخراج النفط من الاحتياطيات الاستراتيجية لتعويض النقص، فإنّ البنية التحتية للغاز الطبيعي المسال مختلفةٌ جذرياً، إذ تحتاج سفن نقل الغاز الطبيعي المسال إلى مرافق مخصصة ومجهزة خصيصاً لاستقباله، كما أنّ عمليات إنتاجه وتسييله ليست قابلةً للتغيير بسهولة أو سرعة، ولأنّ سوق الغاز الطبيعي المسال يتسم بالهشاشة، فإنّ أيّ صدمةٍ في العرض قد تؤدي إلى تقلباتٍ حادةٍ وسريعة في أسعاره، بالإضافة إلى ذلك، فإنّ محطات التحميل والتفريغ الخاصة بالغاز الطبيعي المسال تُبنى عادةً لتتناسب مع نوع محدد من الغاز، ما يجعل تغيير الموردين عمليةً شاقةً وغير قابلة للتنفيذ الفوري.
إنّ إغلاق مضيق هرمز سيحمل عواقب وخيمة وغير مسبوقة للدول التي تعتمد بشكلٍ كبير على الغاز الطبيعي المستورد، بدءاً من ارتفاع معدلات التضخم، مروراً بتفاقم أزمة أمن الطاقة، وصولاً إلى احتمالات فرض حصصٍ على الوقود، وهي نتائج قد تهزّ استقرار هذه الدول وتربك اقتصاداتها في عمقها.
التأثيرات العالمية
إنّ إغلاق مضيق هرمز، الذي لطالما لوّحت به إيران كخيارٍ استراتيجيٍ للردّ على أيّ عدوانٍ محتملٍ في المستقبل، لن يقتصر أثره على المنطقة فحسب، بل سيُلقي بظلاله الثقيلة على الأسواق العالمية للشحن والتأمين، مُحدثاً اضطراباً غير مسبوق في تلك المجالات، ففي حال حدوث ذلك، ستتوقف حركة ناقلات النفط عبر الخليج الفارسي توقفاً تاماً، وقد يتجه مُؤمّنو النقل البحري إلى تعليق تغطية السفن العابرة للمضيق أو فرض أقساط تأمينية باهظة تحت بند مخاطر الحرب، علاوةً على ذلك، قد تتجنب بعض شركات الشحن البحري المرور عبر تلك المنطقة المضطربة، ما يضطرها إلى سلوك طرق أطول، وهو ما سيؤدي إلى ارتفاع التكاليف، ليس فقط في قطاع الطاقة، بل في أسعار السلع الاستهلاكية حول العالم بأسره.
ورغم أنّ الدول قد تلجأ إلى استخدام احتياطياتها الاستراتيجية من النفط والغاز كحلٍ سريعٍ لتعويض النقص الناتج عن إغلاق المضيق، إلا أنّ هذه الاحتياطيات تبقى محدودةً، وخاصةً بالنسبة لدول مثل اليابان وكوريا الجنوبية والهند، التي تعتمد بشكلٍ كبير على تدفق الطاقة من الخليج الفارسي، وإذا ما طال أمد إغلاق المضيق، فإنّ تلك الدول ستُصاب بالشلل سريعاً، إذ ستعجز عن تأمين احتياجاتها الأساسية من الطاقة.
وفي الوقت ذاته، سيُفضي ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة تكاليف الإنتاج في قطاعات حيوية مثل النقل، والصناعات الكيميائية، والتصنيع الثقيل، ومع ذلك، فإنّ الأثر الأكبر سيظهر في ارتفاع معدلات التضخم على المستوى العالمي، ما سيُشكّل عبئاً جديداً على البنوك المركزية في مختلف الدول، وهي التي تُصارع أصلاً للحفاظ على استقرار الاقتصاد العالمي.
ما الذي قد يحدث بعد إغلاق مضيق هرمز؟
إنّ السؤال الذي يفرض نفسه أمام هذا المشهد المحتدم هو: ما مصير الوضع العسكري في أعقاب إغلاق مضيق هرمز، وكيف ستردّ الولايات المتحدة وحلفاؤها على هذا التصعيد الإيراني؟
حسب تقرير صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، فإنّ أحد السيناريوهات المحتملة لردّ الولايات المتحدة قد يتمثل في استهداف المحطات الإيرانية لتصدير النفط بهدف زيادة الضغط الاقتصادي على إيران، ووفقاً لهذا السيناريو، قد تلجأ القوات الجوية الأمريكية إلى قصف المحطات النفطية الإيرانية في جزيرة خارك، غير أنّ هذا الخيار محفوفٌ بالمخاطر الجسيمة، إذ قد يُشعل فتيل ردٍّ إيرانيٍّ عنيف يتمثل في هجمات صاروخية على القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في جنوب الخليج الفارسي، وتلك القواعد، الممتدة على طول السواحل العربية، ولا سيما في البحرين وقطر، تُعدّ في مرمى نيران إيران، التي قد تُوجّه ضرباتها إلى منشآت حيوية للدول المتحالفة مع الولايات المتحدة، مثل الأردن أو "إسرائيل"، إذا ما اعتبرتها شريكةً في أي هجوم أمريكي.
ويُعيد إلى الأذهان الهجوم المدمّر الذي استهدف منشآت شركة أرامكو السعودية في عام 2019، والذي نُسب إلى حرکة أنصار الله اليمنية، حيث أظهر للسعوديين مدى هشاشة بنيتهم التحتية أمام القدرات الصاروخية الإيرانية.
وفي سياق الردّ الإيراني المحتمل، يُعدّ استهداف السفن الحربية الأمريكية بوابلٍ من الصواريخ الباليستية، خياراً آخر قد تلجأ إليه إيران إذا ما تعرّضت منشآتها النفطية الجنوبية للقصف، وقد كشف تقريرٌ لهيئة الإذاعة البريطانية BBC عن تصريحٍ أدلى به أحد قادة البحرية الأمريكية، الذي كان على متن إحدى السفن الحربية في الخليج الفارسي، حيث أبدى قلقه العميق من سيناريو الهجوم الإيراني “الجماعي” الذي يُستخدم فيه سربٌ من الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية لاستهداف الأسطول البحري الأمريكي، وهو هجوم قد يكون بالغ الشدة بحيث يعجز الدفاع البحري الأمريكي، مهما بلغ من قوة، عن التصدي له كاملاً في الوقت المناسب.
وقد أفادت BBC بأنّ القوات البحرية الإيرانية تُركّز معظم تدريباتها العسكرية على الحرب “غير التقليدية” أو ما يُعرف بـ"الحروب غير المتكافئة"، حيث تسعى إلى إيجاد طرقٍ للتحايل على التفوق التقني للخصم الأكبر لها، وهو الأسطول الخامس للبحرية الأمريكية، ومن بين السيناريوهات التي قد تُشكّل إذلالاً كبيراً للولايات المتحدة، إمكانية إغراق إحدى السفن الحربية الأمريكية، مع احتمال أسر الناجين من طاقمها، وهو ما سيُعدّ ضربةً قاصمةً لهيبة واشنطن، ولا يُعدّ هذا السيناريو مستبعداً تماماً، إذ سبق أن تعرّضت المدمرة الأمريكية USS Cole في عام 2000 لهجومٍ انتحاري نفذته القاعدة أثناء وجودها في ميناء عدن، ما أدى إلى مقتل سبعة عشر بحاراً أمريكياً، وقبل ذلك، في عام 1987، أطلق طيارٌ عراقي عن طريق الخطأ صاروخين من طراز Exocet على الفرقاطة الأمريكية USS Stark في الخليج الفارسي، متسبباً في مقتل سبعة وثلاثين بحاراً أمريكياً.
وبناءً على هذه المعطيات، يبدو أنّ خيار استهداف السفن الحربية الأمريكية سيكون أحد السيناريوهات المحتملة التي قد تلجأ إليها إيران عقب إغلاق مضيق هرمز، مما يُنذر بتصعيدٍ خطيرٍ قد يُغيّر ملامح المواجهة في المنطقة.
