الوقت - في حين اتخذت تركيا وأذربيجان خطوات مهمة لتعميق العلاقات وتشكيل شراكة استراتيجية خلال العقد الماضي، يبدو أن الخلافات السياسية والاعتبارات الجيوسياسية قد ألقت بظلالها على العلاقات بين الحليفين في الأسابيع الأخيرة.
في هذا السياق، رفض الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، يوم الجمعة (29 نوفمبر/تشرين الثاني)، حضور قمة رؤساء الدول "الناطقة بالتركية" في أنقرة، على الرغم من دعوة شخصية من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وهو غيابٌ لافتٌ للنظر، في ظل تزايد الخلافات السياسية والجيوسياسية بين البلدين، يُشير إلى اتساع الفجوة في العلاقات بين الحليفين العريقين.
جاء غياب علييف عن قمة العالم التركي بعد تدهور العلاقات بين أنقرة وباكو إثر انتقاد مسؤولين أتراك لقرار أذربيجان بتقييد استخدام الحجاب في المدارس. وبحسب اللوائح الجديدة المتعلقة بالزي المدرسي في أذربيجان، يجب أن يلتزم زي الطلاب والمعلمين بمبدأ التعليم العلماني، ويُحظر استخدام أي إضافات تُخلّ بالزي المدرسي أو تُخالف هذا المبدأ.
إلى جانب المعارضة الداخلية، أثار إقرار هذا القانون ردود فعل خارجية، حيث انتقد مستشار أردوغان، أوكتاي سارال، القرار ودعا إلى إلغائه. في المقابل، طالب مسؤولون في باكو أنقرة بإقالة سارال من منصبه، واصفين الانتقادات بأنها تدخل في الشؤون الداخلية لبلادهم.
ورغم جهود المسؤولين الأتراك لتهدئة التوترات وإقالة سارال، أصبح الخلاف أحد مؤشرات وجود شرخ في العلاقات بين الحليفين.
رغم محاولة أردوغان التقليل من شأن الخلافات الأخيرة خلال حفل افتتاح قمة أنقرة، مؤكدًا على الروابط اللغوية والثقافية والتاريخية بين البلدين الناطقين بالتركية، قائلاً: "لا مكان للانفصال أو الانقسام أو الصراع في عائلتنا، فنحن جميعًا واحد ومتحدون، وبإذن الله سنبقى إخوة إلى الأبد"، إلا أن وزارة الخارجية الأذربيجانية أعلنت 31 مواطنًا تركيًا عناصر غير مرغوب فيها لنشرهم مواد تنتقد باكو على مواقع التواصل الاجتماعي، في خطوة تعكس استياء باكو من مواقف أنقرة.
ووفقًا لوكالة رويترز، أثارت هذه التطورات مخاوف في تركيا بشأن تأثير هذه الخلافات على خطط أنقرة لتوسيع نفوذها في منطقة تخضع تقليديًا للنفوذ الروسي.
خلافات حول قضايا سياسية وجيوسياسية
لا يقتصر التوتر بين تركيا وجمهورية أذربيجان على الخلافات حول الحجاب والقضايا الدينية، بل يكمن وراء هذه الأزمة سلسلة من الخلافات السياسية والجيوسياسية.
يُعدّ حساسية باكو تجاه مساعي أنقرة للعب دور محوري في العالم التركي أحد أهمّ نقاط الخلاف.
تسعى باكو، مستندةً إلى موقعها الاستراتيجي في جنوب القوقاز، ومواردها الطاقية، وعلاقاتها الواسعة مع الفاعلين الإقليميين والدوليين، إلى الحفاظ على استقلاليتها، وترفض أن تُحدّد سياستها الخارجية ضمن إطار أولويات تركيا. في المقابل، تسعى أنقرة إلى تبوؤ مكانة محورية بين الدول الناطقة بالتركية من خلال توسيع نفوذها في جنوب القوقاز وآسيا الوسطى.
من وجهة نظر باكو، لا ينبغي أن يعني التحالف مع تركيا قبول وضع تابع أو التخلي عن استقلاليتها في صنع القرار. وقد قوبلت بعض الآراء في تركيا، التي تدعو إلى تنسيق السياسات الخارجية لأذربيجان مع أولويات أنقرة، بحساسية باكو. إذ يُمكن لمثل هذا النهج أن يُحوّل مبدأ "أمة واحدة ودولتان" عن مفهوم التضامن والمشاركة المتكافئة، ويُحوّله إلى مفهوم قائم على النفوذ الأحادي.
في هذا السياق، كتب موقع Vesti.az: "الوحدة لا تعني الاستسلام، وانتقاد قرارٍ ما، وعرض الحجج، وتقديم تقييم شخصي، أمرٌ، والافتراض بأن أذربيجان مُلزمة بمواءمة سياساتها الخارجية والداخلية مع التوجهات الأيديولوجية لبعض الدوائر في المجتمع التركي أمرٌ آخر".
إضافةً إلى ذلك، أصبحت العلاقات مع الكيان الصهيوني محورًا آخر للخلاف بين البلدين. فبينما تُعتبر أنقرة من أشد منتقدي العمليات العسكرية التي يشنها الكيان الصهيوني ضد الفلسطينيين، فإن تعاون باكو العسكري والأمني والاستخباراتي المكثف مع تل أبيب، لا سيما في أعقاب حرب غزة وتصاعد التوترات الإقليمية، قد تعارض مع النهج النقدي الذي تتبعه تركيا تجاه الكيان الصهيوني. يُظهر هذا الاختلاف في وجهات النظر أن أولويات الحليفين وحساباتهما الجيوسياسية لا تتطابق دائمًا، خلافًا للاعتقاد السائد.
من جهة أخرى، واجهت جهود تركيا لتطبيع العلاقات مع أرمينيا حساسيةً من جمهورية أذربيجان. رغم أن أنقرة تعتبر التقدم المحرز في عملية السلام بين باكو ويريفان شرطًا لاتخاذ خطوات عملية نحو تطبيع العلاقات، بما في ذلك فتح الحدود، إلا أن هذه القضية لا تزال من بين نقاط الخلاف في تقييم الجانبين للتطورات الإقليمية.
وكتبت غونول تول، مديرة برنامج تركيا في معهد الشرق الأوسط بواشنطن، على شبكة X: "يُعد انسحاب علييف من قمة أنقرة أحدث مؤشر على تصاعد التوتر بين الحليفين، وتحت شعار "دولتان، أمة واحدة"، تتصاعد التوترات منذ فترة طويلة حول قضايا تشمل سيادة أذربيجان، ونفوذ أنقرة على باكو، والسياسات المتباينة تجاه إسرائيل، وتقارب تركيا مع أرمينيا، كما أن قضية الحجاب تُشير إلى وجود شرخ أعمق".
غموض في حلم أردوغان بعالم تركي
في ظل التوترات الأخيرة، يواجه حلم أردوغان بتحويل تركيا إلى مركز كتلة قوية من الدول الناطقة بالتركية اختبارًا جديًا، ليس من خصوم أجانب، بل من داخل أقرب حلفاء أنقرة. وقد أظهر غياب علييف عن القمة التي استضافها أردوغان أن باكو غير مستعدة للتخلي عن استقلالها في صنع القرار حفاظًا على روابطها التاريخية والعرقية مع تركيا.
ومن التحديات التي تواجه مشروع العالم التركي أن الفكرة تعتمد على الروابط التاريخية واللغوية والنفوذ التركي، بدلًا من الاعتماد على بنية مؤسسية وتعريف مشترك للمصالح السياسية، بينما ترى أذربيجان، بما تملكه من موارد طاقة وقوة عسكرية وموقع جيوسياسي هام، نفسها شريكًا متكافئًا مع تركيا، لا مجرد طرف تابع لسياسات أنقرة.
مع ذلك، لا يمكن الحديث بعد عن فشل فكرة العالم التركي فشلاً تاماً، إذ لا تزال المصالح الاقتصادية والعسكرية والطاقة والنقل المشتركة تربط البلدين، والأزمة الراهنة بمثابة تحذير لأنقرة بأنه لا يمكن الحديث عن وحدة العالم التركي مع توقع تعديل سياسات الأعضاء الآخرين وفقاً لأولويات تركيا وحدها.
أظهر الخلاف الأخير أن القواسم المشتركة التاريخية واللغوية والثقافية وحدها لا تكفي لتشكيل اتحاد سياسي، وأن كل دولة من الدول الناطقة بالتركية، إلى جانب الروابط المشتركة، تسعى للحفاظ على استقلالها ومصالحها الوطنية.
لذا، يتطلب تحقيق خطة أردوغان لتحويل العالم التركي إلى كتلة سياسية متماسكة أن تتجاوز أنقرة نموذج القيادة والنفوذ، وأن تتجه نحو المشاركة المتكافئة والاحترام المتبادل وتحديد المصالح المشتركة. وإلا، فمن المرجح أن يقتصر هذا التعاون على العلاقات الثقافية والاقتصادية، ولن يحقق التماسك السياسي والإرادة المشتركة للعب دور كتلة واحدة.
