الوقت - في الوقت الذي ما زال فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يزعم أن الحصار الشامل المفروض على إيران قد شلّ اقتصادها ووقف حركة السفن من إيران وإليها، تروي تقارير نشرتها وسائل إعلام غربية حكايةً مغايرةً، مفادها أن إيران، على الرغم من القيود المفروضة عليها، ماضيةٌ في نشاطها التجاري البحري والالتفاف على العقوبات.
وفي هذا السياق، كتبت وكالة رويترز يوم الخميس في تقرير لها أن إيران، عبر شبكة سرّية تضم أكثر من 5000 كيان عسكري ومالي، أدخلت منذ يناير 2025 معدات ومواد متفجرة وشاحنات ثقيلة لا تقل قيمتها عن ملياري دولار، تحتاج إليها برامجها الصاروخية ومسيّراتها، متحايلةً على العقوبات والحصار البحري الأمريكي. ووفق التقرير، فقد وصلت هذه التجهيزات إلى إيران، حتى في أتون الحرب، عبر مسالك برية وبحرية وجوية، وكانت الصين وروسيا وألمانيا هي المنشأ المسجَّل لكثير منها.
وتعمل هذه الشبكة من خلال وسطاء وشركات واجهة أجنبية، يُطلق عليهم في الوثائق اسم «الأمين»، ويستعين هؤلاء بعائدات البيع الخفي للنفط في شراء السلع التي تحتاج إليها الجمهورية الإسلامية.
وكانت بيانات استخبارات الملاحة (كبلر) وإفادات خبراء الأمن البحري قد أفادت من قبل بأن إيران استطاعت، رغم الحصار البحري، تصدير كميات من الغاز المسال ووقود الطائرات منذ يوليو. وقالت مصادر عاملة في مجال الأمن البحري لرويترز في منتصف أكتوبر، إن معظم هذه الشحنات نُقلت إلى المنطقة المعروفة باسم «النطاق الخارجي للميناء الشرقي» في ماليزيا، لتُنقل مرةً أخرى من سفينة إلى أخرى، وتبلغ في نهاية المطاف الصين على الأرجح.
إبطال أكاذيب واشنطن
ينبغي وضع هذه التقارير إلى جانب سائر أكاذيب ترامب ووزيري الحرب والخزانة الأمريكيين. فقد ادّعى ترامب مئات المرات أن إيران فقدت قدرتها النووية خلال الحرب، وأن سلاحها الجوي والبحري دُمّر، وأن السيطرة على مضيق هرمز آلت إلى البحرية الأمريكية، غير أن التطورات الميدانية تُبيّن أن الواقع يبتعد كثيراً عمّا يزعمه البيت الأبيض.
وقد زعم ترامب أخيراً أن كمية النفط المصدَّرة من مضيق هرمز، تحت سيطرة الجيش الأمريكي، باتت اليوم أكبر مما كانت عليه قبل الحرب. غير أن المنحنى الصاعد لأسعار النفط يدل على تراجع المعروض في الأسواق العالمية؛ إذ لو صحّت مزاعم ترامب لانخفضت الأسعار إلى ما دون 100 دولار، لا أن تواصل تحطيم الأرقام القياسية.
بل إن ترامب نفسه بات، في خطبه، يُقرّ إقراراً أو شبهه بأن إيران لا تزال محتفظةً ببرنامجها النووي، وأن جولتين من الهجمات الأمريكية والإسرائيلية لم تقضيا على هذه القدرة المحلية. وفي مضيق هرمز، أثبتت إيران، بحفاظها على قدرتها على تقييد الملاحة البحرية، أن لها دوراً حاسماً في التحكم بهذا الممر الاستراتيجي، وهو أمر تنعكس آثاره في التطورات الأخيرة بسوق الطاقة وارتفاع أسعار النفط. ومن جهة أخرى، فإن الأضرار التي لحقت بناقلات النفط المخالِفة، وتراجع القطع الحربية الأمريكية إلى مسافة مئات الكيلومترات عن المنطقة، يدلان على أن دعوى واشنطن بالهيمنة على المضيق وبفاعلية الحصار البحري لا تنسجم مع حقائق الميدان.
إنتاج الأسلحة الإيراني أشدّ بأساً من ذي قبل
يزعم مسؤولون أمريكيون، ومنهم وزير الحرب، أن الهجمات الواسعة في الحروب الأخيرة أتت على القدرة الصاروخية والمسيّرة لإيران وعطّلت مسار إنتاج هذه الأسلحة، بل ادّعى ترامب نفسه أخيراً أن شحّ الكهرباء وضع عقبةً جديةً أمام صناعة المسيّرات الإيرانية، غير أن أحداً لا يصدّق هذه الأكاذيب. وفي المقابل، تؤكد إيران أن إنتاج الأسلحة لم يتوقف، وأن صناعة الصواريخ والمسيّرات تتواصل بوتيرة أسرع من ذي قبل.
وفي ظل هذه الأوضاع، يُظهر تقرير رويترز عن دخول معدات عسكرية بمليارات الدولارات إلى إيران، وفي قلب الحصار البحري تحديداً، أن طهران استطاعت، خلافاً لمزاعم واشنطن، أن تحفظ مسار تلبية احتياجاتها العسكرية، وأن الضغوط الخارجية لم تعُق هذا المسار.
وفضلاً عن ذلك، ازدادت القدرة التدميرية للصواريخ الإيرانية في الأشهر الأخيرة، ورأينا مثالاً ساطعاً عليها في الهجمات على القواعد الأمريكية في الأردن، وهي هجمات حملت حتى مسؤولي واشنطن ومحللين غربيين على الاعتراف. وتدل هذه التطورات مجتمعةً على أن دورة إنتاج الصواريخ والمسيّرات في إيران، خلافاً لما يدّعيه مسؤولو البيت الأبيض، تسير بكامل قوتها، وأن أي مغامرة عسكرية جديدة قد تكلّف الطرف المقابل أثماناً باهظةً.
نجاعة الصمود الاقتصادي الإيراني
وفي الميدان الاقتصادي أيضاً، تواصل إيران، على الرغم من القيود الناجمة عن الحصار، تصدير السلع وتلبية احتياجاتها. ويُعدّ استخدام شبكة واسعة من الشركات الوسيطة للالتفاف على العقوبات وتحويل عائدات الصادرات، من الأساليب التي أتاحت لإيران صون مسار مبادلاتها التجارية.
ويأتي ذلك في وقت كان فيه خبراء قد حذّروا، بالتزامن مع فرض الحصار البحري، من أن استراتيجيةً كهذه سبق أن طُبّقت على إيران طوال العقود الأربعة الماضية دون أن تحقق الأهداف التي رسمها واضعوها، ويبيّن تقرير رويترز عن استمرار الصادرات والواردات الإيرانية أن توقعات الخبراء بفشل هذه السياسة لم تكن بلا أساس.
ومن جهة أخرى، كان وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت قد زعم أن واشنطن نجحت في سدّ جميع المنافذ المالية الإيرانية، حتى تلك المرتبطة بشبكة العملات المشفّرة، لكن التقرير الأخير يشير إلى إخفاق استراتيجية الضغط الأمريكية في هذا المجال.
لقد أرست طهران، على مدى أربعة عقود، شبكات واسعة من المسارات المالية والآليات المتنوعة للالتفاف على العقوبات، ليس تعطيلها بالأمر الهيّن. ويبدو أن هذه الشبكات لم تتقلص خلال العام الماضي، بل اتسعت أكثر من ذي قبل، وهو أمر يبدو أنه وضع إدارة ترامب أمام تحدٍّ جدي في كبح التدفقات المالية الإيرانية.
ويدّعي وزير الخزانة الأمريكي أن الاقتصاد الإيراني لا يفصله عن الانهيار سوى أسبوعين، لكن بعد مرور أكثر من شهرين على فرض «عقوبات اليوم الموعود الاقتصادية»، يبدو أن تبعات هذه السياسة ظهرت داخل أمريكا أكثر مما ظهرت في إيران، وأن ارتفاع التضخم والضغط الاقتصادي على المواطنين الأمريكيين فاقما السخط على الحرب.
وتُظهر استطلاعات الرأي كذلك أن نحو ثلثي الأمريكيين يرون أن هذه الحرب ستؤثر في قرارهم التصويتي في انتخابات الكونغرس، إذ يعتقد أكثر المواطنين الأمريكيين أن الحرب على إيران لم تكن ضروريةً، وأنها تخدم أهداف الكيان الصهيوني أكثر مما تخدم المصالح الوطنية الأمريكية.
حقّ النقض الإيراني في مضيق هرمز
إن اعتراف باراك أوباما بكذب البيت الأبيض بشأن إصابة آلاف الأمريكيين، واستنزاف المخزون الصاروخي لهذا البلد بفعل الحرب، وأن إيران باتت اليوم تملك حقّ النقض (الفيتو) على مضيق هرمز الذي يمرّ عبره النفط، كلها شواهد على أبعاد تبعات هذه الحرب على واشنطن.
وتدل هذه التطورات على أن إيران لا تزال صاحبة القدرة الحاسمة في مضيق هرمز، وقد حذّرت مراراً من أن الآليات القانونية وإدارة المضيق لن تعود، حتى في حال رفع الحصار البحري، إلى ما كانت عليه قبل حرب الأربعين يوماً.
وفي ضوء التقارير عن التفاف إيران على العقوبات وعجز الحصار البحري الأمريكي، يمكن القول إن «مصنع الأكاذيب» الذي يديره ترامب ووزراؤه إنما يعمل في هذه الظروف لغاية واحدة هي خداع الرأي العام عشية انتخابات الكونغرس، علّه يُقنع مزيداً من المواطنين بالتصويت للجمهوريين.
