الوقت - بعد أن اكتملت أحجية الحكومة العراقية التي ظلّت ناقصةً طوال الأسابيع الماضية، وتحرّر الساسة العراقيون من هذا الملف المعقّد والعقدة الداخلية المستعصية، يبدو أن حكومة علي الزيدي ظفرت بفسحةٍ أوسع للالتفات إلى السياسة الخارجية. فبعد زيارته الأخيرة إلى المملكة العربية السعودية، شدّ الرحال أمس في رحلة دبلوماسية بالغة الأهمية إلى سوريا، هي الأولى لأعلى مسؤول سياسي في بغداد إلى دمشق منذ صعود السلطة الحاكمة الجديدة بقيادة أحمد الشرع، المعروف بـ«أبي محمد الجولاني».
وكانت وسائل الإعلام العراقية قد أعلنت سابقاً أن لبنان سيكون بدوره على قائمة محطات هذه الجولة الدبلوماسية لعلي الزيدي، غير أن الزيارة لم تتم لأسباب لم تُعرف، وعاد الزيدي إلى العراق بعد زيارة خاطفة لدمشق لم تتجاوز يوماً واحداً.
لقد ظلّت التطورات السورية ذات شأنٍ عظيم بالنسبة إلى العراق، وقد ازداد هذا الشأن مع تبدّل البنية السياسية في هذا البلد، ومع الدور الجديد المتحوّل الذي باتت تضطلع به دمشق في التحالفات والعلاقات الإقليمية، فضلاً عن المخاوف الأمنية من هشاشة الوضع الداخلي السوري عقب سقوط حكم الأسد وتمكّن مسلّحين ذوي نزعات طائفية (تكفيرية).
غير أن الأمر، من جهة أخرى، لا يُختزل في نظرة بغداد إلى أحوال الشام بالقلق والريبة وحدهما. إذ يبدو أن اتجاه المسارات الإقليمية، وما طرأ من تغيّر في أولويات المصالح والتهديدات القومية للعراق، قد عزّزا لدى طيفٍ من القادة العراقيين، وفي مقدمتهم الزيدي نفسه، الحاجةَ إلى فتح أفقٍ جديد في العلاقات مع سوريا.
وفي هذا السياق، وإن بدت عبارات الزيدي عن أهمية العلاقات بين البلدين (مع نظامٍ يقوده مسلّحون)، ومنها قوله: «إن الشعبين العراقي والسوري شعبٌ واحد في بلدين»، أقرب إلى المجاملة الدبلوماسية، فإن الرغبة في توسيع العلاقات تجلّت في سائر تصريحاته. فقد شدّد على «السعي إلى توسيع الشراكة والتعاون المشترك في شتى المجالات، ولا سيما الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز التعاون الأمني وتوحيد المواقف في القضايا الإقليمية والدولية، والعمل على تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة».
وإلى جانب هذه التصريحات، تنطوي الاتفاقات التي أُبرمت في هذه الزيارة القصيرة على أبعاد مهمة. فقد وقّع الطرفان اتفاقات في مجالات الطاقة والتجارة والأمن، لتدقّ جرس بداية فصلٍ جديد في العلاقات بين بغداد ودمشق.
ويبدو أن التعاون الاقتصادي تصدّر أهداف الزيارة، وحظي بأولوية أكبر لدى الجانبين. فبحسب البيانات الرسمية الصادرة عنهما، جرى بحث «تصدير النفط العراقي عبر خط أنابيب بانياس بطاقة تصديرية تصل إلى مليوني برميل يومياً، وزيادة حجم التبادل التجاري، وكذلك التعاون المشترك لتطوير القطاع الزراعي بغية تحقيق التكامل الغذائي والاقتصادي».
أما من جهة العراق، فقد خرجت بغداد من سنة مالية عسيرة، وهي ترزح تحت ظروف اقتصادية غير مواتية؛ إذ إن إغلاق مضيق هرمز أمام صادرات النفط من المنطقة، جرّاء استمرار الأجواء الحربية ضد إيران، ألحق الضرر بصادرات النفط العراقية أيضاً. ويحدث ذلك في وقتٍ تشكّل فيه العوائد النفطية أكثر من 90 في المئة من مجمل الإيرادات والموازنة الحكومية، وقد يفضي استمرار هذا الوضع إلى أزمة مالية، بل ربما إلى اضطراب اجتماعي. وربما واجه العراق، بحكم علاقاته السياسية والاقتصادية الوثيقة والواسعة مع طهران، صعوباتٍ أقل من سائر الدول الخليجية في تصدير نفطه عبر مضيق هرمز، ونال شيئاً من مزايا هذا التحالف، لكنّ ذلك لا يسدّ مع ذلك فراغ خمسة ملايين برميل من الصادرات النفطية.
وفي الوقت نفسه، فإن الطريق البرية المعتادة والآمنة لنقل النفط من كركوك إلى ميناء جيهان التركي، لا تخلو بدورها من تحدياتها. فقد اصطدم العراق وتركيا في السنوات الماضية بخلافات واسعة بشأن التصدير المنفرد للنفط من إقليم كردستان، وأسفر حكم محكمة لاهاي في العام الميلادي الماضي عن انتصار بغداد في النزاع القانوني المتعلق بوقف تلك الصادرات. كما ظلّ التصدير من كركوك مقترناً دوماً بحلّ الخلافات الداخلية بين أربيل وبغداد حول الموازنة العامة للإقليم، وتحديد حصة كل طرف من الصادرات. وفي ظل هذه الأوضاع، غدت إعادة مسار تصدير النفط عبر سوريا نحو مياه المتوسط والأسواق العالمية، خلال الأشهر الأخيرة، أحد الخيارات الرئيسة أمام المسؤولين العراقيين لمعالجة الأزمة معالجةً عاجلةً.
يعود إنشاء خط كركوك–بانياس إلى مطلع القرن العشرين. فبعد اكتشاف حقل كركوك الضخم العريق، سعت الحكومة العراقية آنذاك والكونسورتيومات النفطية الدولية إلى أقصر الطرق وأكثرها أماناً، طريقٍ يوصل نفط شمال البلاد مباشرةً إلى أسواق الاستهلاك الأوروبية، دون الاتكال على المسارات البحرية الطويلة المحفوفة بالمخاطر (كالخليج الفارسي وقناة السويس). وكانت ثمرة تلك الدراسات إنشاء خط أنابيب استراتيجي يصل كركوك عبر الأراضي السورية بميناء بانياس على ساحل البحر المتوسط؛ وهو مسارٌ شكّل، إلى جانب الفرع المتجه إلى طرابلس اللبنانية، العمود الفقري لصادرات النفط العراقية.
غير أنه مع تعكّر العلاقات بين جناحَي حزب البعث في العراق وسوريا منذ أواخر السبعينيات الميلادية، ولا سيما إثر اندلاع الحرب بين العراق وإيران وإعلان حكومة حافظ الأسد دعمها لطهران في ذلك النزاع، أقدمت سوريا من طرفٍ واحد على إغلاق خط أنابيب النفط العراقي. وفي حقبة ما بعد سقوط نظام صدام البعثي عام 2003، ورغم رغبة الحكومات المتعاقبة في تنويع الممرات التصديرية، حالت عوامل شتى دون إحياء هذا الخط، منها الانفلات الأمني الواسع، والتفجيرات المتتالية التي طالت البنى التحتية النفطية، وتسلّل الجماعات الإرهابية عبر الحدود. أما اليوم، فقد دفعت أزمة مضيق هرمز حكومة الزيدي إلى المجازفة بحظّها لكسر هذا الطلسم الذي دام أربعة عقود.
وفي الجانب السوري، تتطلع حكومة أحمد الشرع بدورها إلى إحياء هذا الخط والإفادة من مكاسبه الاقتصادية وعوائد ترانزيت النفط. فرغم كل الوعود والوعيد التي أطلقتها الدول الغربية والعربية بشأن رفع العقوبات وضخّ الاستثمارات الكبرى، يعيش الاقتصاد السوري أوضاعاً أسوأ حتى من أيام بشار الأسد، وقد جعل تضخّم أسعار الوقود وعُسر المعيشة أن لا تدفع حتى الواجهةُ البرّاقة التي تعرضها وسائل الإعلام عن سوريا ما بعد الأسد، ملايينَ اللاجئين السوريين إلى الرغبة في العودة. ومن ثمّ فإن حكومة أحمد الشرع في حاجة ماسّة إلى العائدات الناجمة عن ترانزيت النفط العراقي، ويُرجَّح أنها مستعدة لتقديم الضمانات الأمنية اللازمة للمسؤولين في بغداد.
كما تحتاج الحكومة العراقية، لدفع مشاريعها الترانزيتية الطموحة التي تصل الخليج الفارسي بالمتوسط والأسواق الأوروبية عبر العراق (ومنها مشروع ميناء الفاو الكبير وطريق التنمية)، إلى تعاون دمشق وإلى أوضاع أمنية داخلية مواتية في سوريا. وفي هذا الصدد، يُرجَّح أن تكون المباحثات قد تناولت مقترحات لتحديث المعابر الحدودية، وتبسيط الإجراءات الجمركية، وإدخال التبادل الإلكتروني للبيانات، وإحياء البنى التحتية للنقل.
وفي مطلع هذا العام (مايو 2026)، أعاد افتتاح معبر «علي–العروبية–تلكوجر» في سوريا و«ربيعة» في العراق، بعد إغلاقٍ دام أكثر من عشر سنوات، الأملَ بإحياء التجارة بين البلدين. وكان هذا المعبر مغلقاً منذ عام 2014، حين سيطر تنظيم داعش على المناطق الحدودية.
لكن، بالتوازي مع المباحثات الاقتصادية، تظل المسائل الأمنية من أبرز هواجس المسؤولين العراقيين حيال التطورات السورية. والمفارقة العجيبة أن العراق، الجريح من فتنة ظهور التكفيريين في سوريا ثم دفعهم إلى أرضه وقيام «خلافة» داعش الجهنمية، بات عليه اليوم أن يتحاور ويتفق، بشأن مخاوفه الأمنية، مع سلفيٍّ جهاديٍّ سابق (إن لم نقل تكفيرياً!). وصحيحٌ أن هذه الزيارة لا تقدّم جواباً حاسماً عن سؤال: هل نجح تبديل الجلد الذي أجراه الجولاني ورفاقه في تبديد مخاوف العراقيين تبديداً تاماً؟ إلا أن أهمية موقع دمشق في المشهد الاقتصادي والأمني للعراق تتجلّى بوضوح في إقدام الزيدي على طرق بابٍ جديد للعلاقات.
ولا تقف الاعتبارات الأمنية لبغداد عند حدود انعدام الأمن في الحدود والممرات، فأي دور محتمل لدمشق في لعبة الشطرنج الأمريكية–الإسرائيلية في لبنان، على النحو الذي طالب به ترامب، بل وحتى إرسال إرهابيين سوريين إلى اليمن، وهو ما أثارته وسائل الإعلام إثر زيارة الجولاني المفاجئة إلى الرياض، قد يستثير غضب المجتمع العراقي وفصائل المقاومة فيه، ويعرّض العلاقات بين بغداد ودمشق لهزّاتٍ عنيفة.
وفي الزيارة ذاتها، قد يسبّب تصريح الجولاني بشأن ضرورة نزع سلاح فصائل المقاومة في العراق، وهو تصريح يمكن أن يُفسَّر تدخلاً في الشؤون الداخلية لهذا البلد، ردود فعل من التيارات القريبة من المقاومة في البرلمان، وربما يغدو مصدر إزعاج لحكومة الزيدي.
وإجمالاً، فإن زيارة الزيدي إلى دمشق محاولةٌ لتحويل الضرورات الاقتصادية والأمنية إلى فصلٍ جديد من العلاقات بين البلدين؛ فصلٍ لا يتوقف نجاحه على إحياء المسارات النفطية فحسب، بل يرتهن كذلك بسلوك حكومة الجولاني مستقبلاً، ومدى التزامها بالاعتبارات الأمنية لبغداد وبالاتفاقات المبرمة.
