الوقت- عادت السعودية، التي بدأت جرائمها ضد الشعب اليمني قبل 12 عامًا بحصار بحري وجوي وبري، إلى الأسلوب نفسه في الأشهر الأخيرة، مع بدء جولة جديدة من القتال، تتمثل في استهداف المدنيين، وقصف المناطق السكنية عشوائيًا، وتدمير البنية التحتية.
في الأسابيع الأخيرة، نفذ الجيش السعودي مئات الهجمات على مناطق مدنية في اليمن، ما أسفر عن مقتل وإصابة عدد كبير من الأبرياء.
صرح يحيى سريع، المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية، في بيان صدر مساء الجمعة: "نفذت طائرات مقاتلة سعودية من طراز إف-15 وتايفون 93 غارة جوية وصاروخية على مدنيين خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية، وبذلك يرتفع إجمالي عدد الغارات الجوية والصاروخية السعودية منذ بدء جولة العدوان الجديدة على اليمن إلى 3689 غارة، بما في ذلك الغارات الأخيرة". وأفادت التقارير بمقتل 9 مدنيين وإصابة 21 آخرين في هذه الغارات.
كما نفذت طائرات مقاتلة سعودية، يوم الأربعاء (26 نوفمبر/تشرين الثاني)، عدة غارات جوية على سوق الحزم في محافظة الجوف شمال اليمن، واستهدفت في الوقت نفسه محطة وقود، ما أسفر عن مقتل 14 مدنياً وإصابة 16 آخرين. وفي الوقت نفسه، أعلن المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية أن غارات جوية وصاروخية سعودية استهدفت بنى تحتية مدنية في صنعاء وثماني محافظات يمنية أخرى، ما أسفر عن عشرات القتلى والجرحى، بينهم نساء وأطفال.
يوم السبت (2 نوفمبر)، شنت طائرات حربية سعودية نحو 20 غارة جوية على مدينة المخا الساحلية في محافظة تعز، ما أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة آخرين. وفي اليوم نفسه، أعلن محافظ صنعاء أن هجومًا سعوديًا على مصنع أسمنت في مدينة همدان أسفر عن مقتل وإصابة عدد من الأشخاص.
وفي سياق الهجمات الجبانة التي تشنها الطائرات الحربية السعودية على المدنيين، في 15 أكتوبر، قُصفت ثلاثة منازل سكنية في قريتي العار والبرزة بمحافظة ذمار بقنابل عنقودية. ونتيجة لهذه الجريمة البشعة، استشهد أربعة أطفال وأصيب ما لا يقل عن 17 مدنيًا، بينهم سبعة أطفال وثلاث نساء، إحداهن حامل.
الصمت المريب للمجتمع الدولي
يُعدّ الصمت المريب للمجتمع الدولي أحد الأسباب الرئيسية لجرأة السعودية في مواصلة جرائمها ضد الشعب اليمني، وهو صمت بات غطاءً لاستمرار هذه الأعمال وعاملًا في ترسيخ الإفلات من العقاب.
بحسب منظمة الصحة العالمية، قُتل نحو 1677 يمنيًا وأُصيب 7395 آخرون في الفترة من 6 أغسطس/آب إلى 29 أكتوبر/تشرين الأول، وهي بداية موجة تصعيد جديدة.
وقد تفاقمت الجرائم المرتكبة ضد المدنيين اليمنيين لدرجة أن متحدثًا باسم التحالف الذي تقوده السعودية أقرّ بأن بعض القصف في اليمن أسفر عن سقوط ضحايا مدنيين.
بدأت هذه الجولة من القتال بهدف إنهاء حالة "لا حرب ولا سلام" الطويلة والمتدهورة بين السعودية واليمن، وهي حالةٌ، إلى جانب الهجمات العسكرية وانعدام الأمن المستمر، رافقها حصارٌ دام سنواتٍ عديدة أثّر على حياة ملايين المدنيين اليمنيين. وقد أدّت القيود المفروضة على دخول السلع الأساسية والوقود والأدوية إلى أزمة إنسانية ومعاناة واسعة النطاق للشعب اليمني.
ورغم ادعاءات السعودية بأن هجماتها تستهدف مواقع أنصار الله العسكرية فقط، تشير التقارير الميدانية إلى أن المناطق السكنية والبنية التحتية المدنية هي الأكثر عرضةً للقصف من بين جميع الأهداف الأخرى.
صرح الدكتور أنيس العصبهي، المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة العامة، مؤخرًا: "إن استهداف المدارس والمستشفيات والمنازل والأحياء السكنية والأسواق والمجتمعات المدنية لا يقتصر على الخسائر البشرية والمادية فحسب، بل يؤدي أيضًا إلى شلل المجتمع بحرمانه من التعليم والرعاية الصحية، وتعقيد جهود إعادة الإعمار، مما يستدعي التحقيق في هذه الحوادث ومحاسبة المسؤولين عنها قانونيًا".
وفي معرض توثيقه للأضرار التي لحقت بالممتلكات والمرافق والخدمات المدنية، أوضح العصبهي أن المدارس والمراكز التعليمية قد دُمرت أو تضررت خلال عشر سنوات من العدوان، بلغ مجموعها 1400 مدرسة ومركز تعليمي، مما حرم آلاف الأطفال من التعليم وساهم في ارتفاع معدلات التسرب المدرسي والنزوح الداخلي. كما استُهدفت بعض المدارس أثناء وجود الطلاب فيها، مما أدى إلى مقتل طلاب ومعلمين.
أكد المسؤول اليمني أن: "436 مستشفى ومركزًا صحيًا دُمرت خلال القصف، مما حال دون دخول الأدوية والمعدات الطبية بسبب الحصار، وأدى إلى انهيار شبه كامل للنظام الصحي وارتفاع معدل الوفيات نتيجة نقص الرعاية الطبية".
من الدعاية الدينية إلى إراقة دماء المدنيين
لجأت السعودية، التي لا تملك القدرة على مواجهة قوات أنصار الله عسكريًا في ساحة المعركة، إلى حرب قذرة لمنع تقدم قوات صنعاء وكسر إرادتها.
فمن جهة، من خلال إطلاق مزاعم لا أساس لها من الصحة حول هجمات أنصار الله على المقدسات السعودية، دون تقديم أي دليل، تخلق السعودية مناخًا دعائيًا لتحريض العالم الإسلامي ضد هذه الحركة. ومن جهة أخرى، تستهدف السعودية المدنيين والبنية التحتية المدنية في اليمن بقصف متواصل للضغط على قادة صنعاء لوقف عمليات الصواريخ والطائرات المسيرة.
في الوقت الذي أكد فيه قادة أنصار الله أن نهاية الحرب مرهونة فقط برفع الحصار السعودي عن اليمن، وأنهم سيواصلون هجماتهم في عمق الأراضي السعودية حتى يُلبّى هذا المطلب.
تغيير معادلة الردع لصالح أنصار الله
اليوم، تختلف معادلة الردع في اليمن اختلافًا جذريًا عما كانت عليه في عام ٢٠١٥، فقد تحولت أنصار الله من حركة مسلحة بأسلحة خفيفة في بداية الحرب إلى جيش قوي على المستوى الإقليمي. لذلك، إذا لم توقف السعودية هجماتها وقصفها، فإن صنعاء قادرة على الرد واستهداف البنية التحتية الاستراتيجية للبلاد.
في الشهر الماضي، طبقت "جماعة انصار الله" معادلة "البنية التحتية مقابل البنية التحتية" بشن هجمات صاروخية على البنية التحتية النفطية والمطارات السعودية، مما ألحق أضرارًا جسيمة بالرياض. لذا، فإن استمرار العمليات العسكرية السعودية ضد الشعب اليمني لن يمنع إنقاذ البلاد من الأزمة التي خلقتها فحسب، بل سيدفعها إلى مزيد من الغرق في دوامة حرب الاستنزاف هذه في أعقاب الضربات القوية التي تتلقاها أنصار الله.
مع ذلك، أظهر اليمنيون عدم استعدادهم لتبني تكتيك مضاد ردًا على قصف المدنيين، ولم يستهدفوا خلال الشهرين الماضيين حفلات الزفاف، أو النساء والأطفال، أو منازل المواطنين، أو أي أهداف مدنية أخرى.
وقد حذر قادة صنعاء مؤخرًا، مؤكدين انتهاء الانتداب السعودي على اليمن، من أن عواقب استمرار الحرب تقع على عاتق حكام الرياض، الذين يصرون على مواصلة العمليات العسكرية بدلًا من رفع الحصار عن اليمن.
وذكرت صحيفة وول ستريت جورنال مؤخرًا أن جماعة أنصار الله تستخدم قطع غيار صينية الصنع لبناء صواريخ باليستية قادرة على استهداف الأراضي المحتلة والمملكة العربية السعودية، بمدى يزيد عن 3000 كيلومتر.
لذا، كلما طالت الحرب، ازدادت القوة العسكرية لأنصار الله، مما قد يشكل تحديات خطيرة للمملكة العربية السعودية في المستقبل. على وجه الخصوص، قد يتسبب استهداف المطارات وإيقاف الرحلات الجوية في أضرار بمليارات الدولارات للاقتصاد السعودي، الذي يطمح، في إطار "رؤية 2030"، إلى أن يصبح المركز الاقتصادي والسياحي الرائد في المنطقة.
