الوقت- بدأت الاحتجاجات في أوروبا بمطالب تعليمية، ما يعكس تزايد استياء جيل الشباب من تقليص الخدمات العامة، والضغوط الاقتصادية، وسياسات التقشف، وعدم وضوح المستقبل الاجتماعي في الدول الأوروبية.
في الأيام الأخيرة، أصبحت فرنسا مركزًا لواحدة من أوسع الاحتجاجات الطلابية في أوروبا خلال السنوات الأخيرة. بدأت الاحتجاجات في 17 سبتمبر/أيلول في ضواحي باريس، وكانت في البداية ضد نقص المعلمين، واكتظاظ الفصول الدراسية، والإرهاق المدرسي، وطول ساعات الدوام، لكنها سرعان ما امتدت إلى مدن فرنسية مختلفة. وتشير التقارير إلى أن الاحتجاجات أثرت على مئات المدارس، ووصل عدد المدارس التي أُغلقت كليًا أو جزئيًا في الأيام الأخيرة إلى ما بين 400 و500 مدرسة.
تجاوزت الاحتجاجات في فرنسا حدود المدارس، حيث انضم طلاب الجامعات إلى الحركة. في إحدى المراحل، أفادت التقارير بإغلاق نحو 30 جامعة أو منع دخولها، كما سُجل ما يقارب 900 احتجاج في أنحاء البلاد خلال يوم واحد.
اشتباكات بين الشرطة وقوات الأمن:
تزامن انتشار الاحتجاجات مع اشتباكات عنيفة مع قوات الأمن. وأُصيب مئات من رجال الشرطة والطلاب، واعتُقل الآلاف في الاشتباكات الأخيرة. وذكرت وكالة رويترز أنه حتى 5 أكتوبر/تشرين الأول، اعتُقل أكثر من 5000 شخص، معظمهم من المراهقين، خلال الاحتجاجات، ويواجه نحو 1800 منهم إجراءات قانونية.
في إحدى أخطر الحوادث، فقد فتى يبلغ من العمر 15 عامًا في مدينة لانس يده وجزءًا من ساعده خلال اشتباكات مع الشرطة. وانتقدت منظمات حقوق الإنسان استخدام الشرطة للهراوات والغاز المسيل للدموع وقنابل مكافحة الشغب ضد المتظاهرين.
لا تُمثل احتجاجات الطلاب سوى جزء من الأزمة الاجتماعية التي تعصف بفرنسا. بدأت النقابات العمالية وعمال القطاع العام إضراباتٍ ومظاهراتٍ احتجاجًا على إجراءات التقشف الحكومية، وارتفاع أسعار الوقود، وزيادة الأجور، وتراجع القدرة الشرائية. وأفادت وكالة رويترز في سبتمبر/أيلول بأن إضراباتٍ واسعة النطاق اجتاحت قطاعاتٍ مختلفة من الاقتصاد الفرنسي.
بلجيكا: جبهة طلابية ثانية
مع تصاعد حدة الاحتجاجات في فرنسا، بدأت تظهر بوادر امتدادها إلى جارتها الشمالية، بلجيكا.
في مدينة لييج البلجيكية، تجمّع الطلاب وأغلقوا مداخل المدارس احتجاجًا على إصلاحات التعليم وخفض ميزانيات المدارس. وخلال احتجاجات يوم الاثنين، ألقت الشرطة القبض على 16 شخصًا، ووردت أنباء عن أضرارٍ في الممتلكات واشتباكاتٍ مع قوات الأمن.
بالطبع، بدأت الاحتجاجات الطلابية في بلجيكا حتى قبل أن تبلغ الاحتجاجات الفرنسية ذروتها. ففي 16 سبتمبر/أيلول، سار آلاف طلاب التعليم العالي في بروكسل احتجاجًا على زيادة الرسوم الجامعية وإصلاحات التعليم.
إسبانيا: احتجاجاتٌ من المدارس إلى الإسكان
في إسبانيا، بالتزامن مع الاحتجاجات في فرنسا، تتشكل موجةٌ أخرى من احتجاجات الشباب والطبقة الاجتماعية، ولكن بتركيزٍ مختلف.
خرج عشرات الآلاف من الأشخاص إلى الشوارع في أكثر من 50 مدينة إسبانية احتجاجًا على أزمة السكن، وارتفاع الإيجارات، وعدم كفاية الأجور، وسياسات الإسكان الحكومية. وقد أصبح طرد امرأة تبلغ من العمر 87 عامًا من منزلها في مدريد أحد رموز هذه الاحتجاجات. ووصفت صحيفة الغارديان الاحتجاجات في فرنسا وإسبانيا بأنها حركتان مختلفتان لكنهما تشتركان في جذور مشتركة، وتحدثت عن استياء عميق لدى جيل الشباب من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
إنجلترا؛ احتجاجات منفصلة ولكن متزامنة
استمرت الاحتجاجات الاجتماعية والسياسية في إنجلترا خلال الأسابيع الأخيرة.
في 5 أكتوبر/تشرين الأول، تجمع نحو 350 شخصًا في مدينة غوسبورت جنوب إنجلترا للاحتجاج على توطين المهاجرين، ما تحول إلى اشتباكات ومسألة أمنية، واعتقلت الشرطة 12 شخصًا. كما أصبحت الاحتجاجات المتعلقة بالهجرة وطالبي اللجوء أحد المحاور الرئيسية للسخط الاجتماعي في مدن أخرى في إنجلترا.
من جهة أخرى، تستمر احتجاجات النقابات وإضرابات موظفي التعليم العالي في الجامعات البريطانية. في نهاية سبتمبر، أفادت صحيفة الغارديان بانضمام جامعة إدنبرة إلى مجموعة من الجامعات البريطانية التي تواجه إضرابات واحتجاجات من قبل موظفيها بسبب تخفيضات الميزانية وظروف العمل.
محور الاحتجاجات في أوروبا
لا يقتصر القاسم المشترك للاحتجاجات الأخيرة في أوروبا على قضايا التعليم أو الإسكان فحسب، بل يسعى جيل الشباب الأوروبي إلى محاسبة الحكومات.
من جهة أخرى، تأتي هذه الاحتجاجات في وقت تواجه فيه الحكومات الأوروبية ضغوطًا مالية شديدة، إلى جانب زيادة الإنفاق الدفاعي، وأزمة الطاقة، والضغوط الاقتصادية. في فرنسا، تحاول الحكومة احتواء عجز الميزانية وتنفيذ برامج لخفض الإنفاق؛ إلا أن سياسات التقشف هذه نفسها أصبحت أحد العوامل التي فاقمت حدة الاحتجاجات.
إذا فشلت الحكومات الأوروبية في تحقيق توازن بين سياسات التقشف، وخفض الإنفاق العام، والمطالب الاجتماعية، فقد تتحول الاحتجاجات المتفرقة إلى أزمة سياسية أوسع نطاقًا؛ أزمة قد تُغير المعادلة السياسية في أوروبا مع اقتراب الانتخابات وصعود أحزاب اليمين واليسار الراديكالية.
