الوقت - يُعدّ الكيان الصهيوني، في النظرة الأولى، قوةً جويةً في غرب آسيا وشمال أفريقيا. غير أنّ موقعه الجغرافي، واعتماده الاقتصادي على الممرات البحرية، وضيق عمقه الإقليمي ضيقاً شديداً، جعلت البحر على مرّ العقود يتبوأ مكانةً تتجاوز كونه ساحة عمليات ثانوية في استراتيجيته الأمنية. فهذا كيان يتركّز جانب كبير من سكانه ومراكزه الاقتصادية على امتداد ساحل المتوسط، وتضيق المسافة بين حدوده البرية والبحر في بعض المواضع إلى حدّ بعيد. ولذلك فإن السيطرة على المحيط البحري تعني لديه صناعة نوع من «العمق الاستراتيجي» الذي حُرمت منه جغرافيته البرية.
وفي هذا السياق، أعلن بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء الكيان، أثناء زيارته قاعدةً بحريةً في أسدود، عن خطة لتعزيز القوة البحرية على السطح وتحت السطح، بهدف تحويل الكيان إلى قوة بحرية، وترسيخ الردع في وجه التهديدات التي تستهدف «الفضاء البحري»، والحفاظ على «هيمنة» "إسرائيل" على البحر المتوسط. وشدّد نتنياهو على أنّ البحر قد غدا «ساحة قتال دولية»، مستشهداً بالمواجهات الدائرة في مضيق هرمز وممر باب المندب، ومعلناً: «أعداؤنا يهدّدون سيطرتنا في البحر المتوسط، وموانئنا، وحركة الملاحة البحرية لدينا».
وقال نتنياهو إنّ الغواصة السادسة قد وصلت إلى الأراضي المحتلة، وإنّ «القائمين عليها يطلبون المزيد من السفن والمعدات، ولا أرغب في الخوض هنا في تفاصيلها».
ويرى الخبراء أنّ أهمية البحرية بالنسبة إلى الكيان الصهيوني لا تقف عند حدود الدفاع عن الشريط الساحلي، بل تمتدّ إلى المساهمة في تأمين الطاقة، وحماية الطرق التجارية، والإمساك بزمام شرق المتوسط، وكبح التهديدات الإقليمية، والحفاظ على القدرة على الرد، وتهيئة إمكان العمل في البحر الأحمر والمحيط الهندي.
البحر: العمق الاستراتيجي لكيانٍ بلا عمق بري
واجه الكيان الصهيوني منذ نشأته معضلةً جغرافيةً جوهريةً: غياب العمق الاستراتيجي. فجانب كبير من سكانه ومراكزه الحيوية يقع على مقربة من ساحل المتوسط، ويضيق عرض الأراضي الخاضعة لسيطرته في بعض المواضع ضيقاً شديداً. ومن ثمّ، ففي حرب واسعة النطاق قد تقع أجزاء كبيرة من بنيته التحتية الحيوية وتجمعاته السكانية في مرمى المنظومات الصاروخية والبحرية للعدو.
وفي مثل هذه الظروف، لا يمثّل البحر للكيان الصهيوني حدّاً طبيعياً فحسب، بل يُعدّ جزءاً من عمقه الاستراتيجي. فالسيطرة على المياه المحيطة تتيح لتل أبيب أن تدرأ الضغط المباشر عن سواحلها، وأن توسّع في الوقت نفسه هامش حركة قواتها الجوية والبرية.
وقد بدت هذه الحقيقة جليةً منذ أولى حروب الكيان. ففي حرب عام 1948 لم تكن البحرية قد امتلكت بعدُ قدرةً تُذكر، ولم تقع في الأساس معركة بحرية فاصلة. ومع ذلك، فإن سيطرة قوى خارجية على البحر أتاحت نقل السلاح والرجال إلى فلسطين المحتلة، وأثبتت أنه حتى حين يكون دور بحرية الكيان محدوداً، يظل الأمن البحري مسألة حياة أو موت لبقائه.
على أنّ تجارب الحروب اللاحقة كشفت عن الأهمية الحقيقية للقوة البحرية بالنسبة إلى الكيان على نحو أوضح. ففي حرب 1973، وفي حين كانت قواته البرية والجوية ترزح تحت ضغط شديد في الأيام الأولى، انتهجت بحريته نهجاً هجومياً؛ إذ استهدفت الزوارق الصاروخية الصهيونية أولاً الأسطول السوري، ثم جانباً من القدرة البحرية المصرية، وتمكّنت بعد ذلك من الإمساك بمساحات من شرق المتوسط.
وتكمن أهمية هذا التحول في أنّ السيطرة على البحر مكّنت القوات البرية والجوية من المضيّ في مهامها دون خشية تهديد بحري جاد. وبعبارة أخرى، أدّت القوة البحرية دور «تأمين العمق الخلفي» للجيش الصهيوني.
تجربة 1973: حين صار البحر أداةً للعمل الهجومي
مثّلت حرب 1973 إحدى أهم نقاط التحوّل في نظرة الكيان الصهيوني إلى القوة البحرية. ففي هذه الحرب استطاع الأسطول الصهيوني، بالاعتماد على الزوارق الصاروخية وأساليب الحرب الإلكترونية، أن يحقق تفوقاً على القوات البحرية المصرية والسورية. وبعد عدد من الاشتباكات الأولية، بسطت بحرية الكيان سيطرتها على شرق المتوسط.
ولم تكن هذه السيطرة مجرد انتصار تكتيكي. فقد قلّصت البحرية فعلياً خيارات العدو بتضييق إمكان نقل القوات والمعدات إلى سواحل فلسطين المحتلة. كما أتاحت السيطرة على خليج السويس للكيان تيسير نشر منظومات الدفاع قرب قناة السويس، وزيادة الضغط على الجيش المصري.
وفي هذا الإطار يمكن تحديد وظيفتين تاريخيتين لبحرية الكيان الصهيوني: أولاهما «تأمين العمق الخلفي ومنع العدو من الضغط على الشواطئ»، وثانيتهما «توفير المرونة العملياتية عبر جمع المعلومات، وتضييق خيارات العدو، وإطلاق يد القوات الجوية والبرية».
ولا يزال هذا النموذج يشكّل جانباً مهماً من الفلسفة العسكرية للكيان الصهيوني. فبما أنه يفتقر إلى عمق استراتيجي كافٍ، فإنه يسعى، إذا اندلعت الحرب، إلى نقل ساحة المعركة قدر المستطاع إلى خارج حدوده. وفي مثل هذه العقيدة، لا تكون البحرية، شأنها شأن سلاح الجو، أداةً دفاعيةً فحسب، بل وسيلةً لنقل ميدان الاشتباك إلى المحيط المجاور.
الأسطول الصغير في طور التوسّع
لا يملك الكيان الصهيوني قوةً بحريةً كبيرةً من حيث العدد والحمولة. وتاريخياً، ظلّت البحرية تؤدي دوراً ثانوياً في القوات المسلحة الإسرائيلية، يأتي بعد الجيش البري وسلاح الجو.
وحتى سنوات قريبة، لم تكن إزاحة أي قطعة بحرية أو غواصة لدى الكيان تتجاوز نحو 2200 طن، أما أكبر القطع القتالية السطحية فلم تبلغ 1900 طن. وأحدث ما يملكه الكيان وأكثره تطوراً في ميدان القطع الحربية هي سفينة الصواريخ «ريشف» (Reshef) من فئة «ساعر». وتستعين هذه السفينة بأنظمة تسليح متقدمة من إنتاج الصناعات الدفاعية الإسرائيلية، لتمنح صاحبها قدرات استثنائية وتفوقاً بحرياً. وستحلّ هذه السفن الجديدة محلّ سفن الصواريخ من فئة «نيريت» (Nirit) «ساعر 4.5»، التي أُحيلت إلى التقاعد بعد أربعة عقود من الخدمة.
وفي كانون الأول/ديسمبر 2024، أعلنت وزارة الدفاع في الكيان توقيع عقد بقيمة 780 مليون دولار مع شركة «أحواض السفن الإسرائيلية» لشراء خمس سفن صواريخ من طراز «ريشف»، بهدف تحديث أسطول البحرية وتعزيز الإنتاج الدفاعي المحلي.
غير أنّ عماد القوة البحرية لهذا الكيان كان، ولا يزال، غواصات فئة «دولفين» ألمانية الصنع.
وتفوق أهمية الغواصات في هذه البنية حجمَ الأسطول السطحي بمراحل. فغواصات «دولفين»، ولا سيما الطرازات المزوّدة بنظام الدفع المستقل عن الهواء، تتيح بقاءً أطول في الأعماق وعملاً أكثر استتاراً. وهي ميزة بالغة الشأن لكيانٍ يسعى إلى صون قدرته على الردع في مواجهة هجوم واسع النطاق. وبموجب آخر اتفاق مع ألمانيا لشراء الغواصات، يحقّ للكيان اقتناء الغواصة السابعة بالسعر المتفق عليه سلفاً. وتفيد التقارير بأن المسؤولين الدفاعيين يفضّلون الاستفادة من هذا الخيار قبل ارتفاع التكاليف، ثم السعي لاحقاً إلى شراء الغواصة الثامنة.
وإلى جانب الغواصات، تشكّل الكورفيتات من فئتي «ساعر 5» و«ساعر 6» قسماً آخر من القوة القتالية للأسطول. وهي مزوّدة بمنظومات صاروخية مضادة للسفن، ومنظومات دفاع جوي، وقادرة على حمل المروحيات. وفلسفة تصميمها قائمة في الأصل على أن تتمتع حتى القطع الصغيرة نسبياً بقدرة قتالية معتبرة في مواجهة الهجمات الجوية والصاروخية. ويأتي بعدها زوارق الصواريخ «ساعر 4.5» وعشرات الزوارق السريعة الساحلية.
وفي السنوات الأخيرة، مضت بحرية الكيان بخطى متزايدة نحو تطوير القطع غير المأهولة. ويدل هذا المسار على أن مستقبل القدرات البحرية للكيان الصهيوني لا يقوم على عدد السفن الكبيرة وحده، بل يتجه إلى مزيج من القطع الصغيرة والصواريخ والمنظومات غير المأهولة والاستخبارات والحرب الإلكترونية.
وهذه السمة تنسجم في حقيقتها مع القيود الاقتصادية والجغرافية للكيان. فبدل بناء أسطول ضخم، سعت تل أبيب إلى تكوين أسطول صغير الحجم، عظيم القدرة النارية، رفيع التقنية.
الغواصات: أهمّ حلقات سلسلة الردع البحري
ينبغي التماس القسم الأهم من القوة البحرية للكيان الصهيوني في غواصاته. والسبب واضح: فمساحة فلسطين المحتلة الجغرافية المحدودة قد تعرّضه، إذا واجه هجوماً واسعاً، إلى خسارة جانب كبير من بنيته العسكرية والاستراتيجية في وقت وجيز.
ومن هذا المنظور، تستطيع الغواصات المستترة أن تُخرج جزءاً من القدرة العسكرية من مرمى الضربة الأولى، وتُبقي على إمكان الرد. وعلى هذا الأساس، فإن نشر الغواصات الهجومية في شرق المتوسط، يمنح كياناً بهذا الضيق الجغرافي نوعاً من «العمق الاستراتيجي».
فشرق المتوسط ليس بالنسبة إلى الكيان الصهيوني مجرد بيئة عمليات، بل قد يكون جزءاً من هندسة ردعه الاستراتيجي. ولذلك تغدو حماية مسارات عمل الغواصات ومنع كشفها، من المهام الرئيسة للقطع السطحية.
وهذا ما يضاعف شأن القوة البحرية: فعلى البحرية من جهة أن تحمي سواحل الكيان، وعليها من جهة أخرى أن تهيّئ البيئة اللازمة لعمل غواصاته الاستراتيجية.
أمن الطاقة: حين يصير حقل الغاز جزءاً من القوة البحرية
يتصل تحوّل آخر في أهمية البحرية لدى الكيان الصهيوني، باكتشاف موارد الطاقة في شرق المتوسط.
فقد جعل اكتشاف حقلَي الغاز «تمار» و«ليفياثان» على وجه الخصوص من البحر مسألةً اقتصاديةً وطاقويةً، بعد أن كان ساحةً أمنيةً فحسب. ويمكن لاحتياطيات الطاقة في شرق المتوسط أن تحوّل الكيان إلى مُصدِّر للطاقة، وهو ما رفع القيمة الاستراتيجية للمناطق البحرية التي يدّعي السيادة عليها.
ومن هذه الزاوية، تتجاوز مهمة البحرية حماية الموانئ والخطوط الساحلية إلى حماية منشآت الطاقة البحرية.
وتقع حقول الغاز الخاضعة لسيطرة الكيان في بيئة تتداخل فيها النزاعات الحدودية، والتنافس على موارد الطاقة، والخلافات بين الأطراف الإقليمية. ولذلك، يتعين على تل أبيب أن تمتلك القدرة على التحكم في أجزاء من شرق المتوسط حتى المناطق المحيطة بقبرس.
وهنا يتجلّى الارتباط بين المصالح الاقتصادية والقوة البحرية. فكلما ازداد اعتماد الكيان الصهيوني على موارد الطاقة البحرية، صارت حمايتها إحدى المهام الأساسية لبحريته. وبذلك قد تغدو الطاقة عاملاً في اتساع نطاق عمليات الكيان البحرية.
التحدّي التركي: التنافس على شرق المتوسط
من أبرز هواجس الكيان البحرية صعودُ القوة البحرية التركية.
فتركيا التي كانت في العقود الماضية قوةً بحريةً محدودةً، باتت لاعباً يسعى إلى توسيع نفوذه في شرق المتوسط وليبيا وسوريا وسائر المناطق المحيطة. وقد جعلت أنقرة منها لاعباً بحرياً مهماً ما شهدته من تطوير للسفن الأكبر حجماً، والغواصات، والقدرات المحلية الصنع. فالبحرية التركية، على سبيل المثال، هي ثاني أكبر قوة بحرية في حلف الناتو بعد البحرية الأمريكية. وتملك تركيا اليوم 14 غواصة عاملة، وتبني غواصتين أخريين، وتعتزم رفع أسطولها من الغواصات إلى 18 قطعة.
وقد عرضت تركيا أخيراً 37 قطعة ومنصة بحرية من فئات مختلفة، من بينها قطع تخدم حالياً في بحريتها، وذلك خلال معرض «تكنوفيست الوطن الأزرق».
ومن أبرز المعدات المعروضة: أكبر سفينة حربية تركية، «TCG Anadolu»، إلى جانب «TCG Istanbul» و«TCG Barbaros» و«TCG Salihreis» و«TCG Turgutreis» و«TCG Kemalreis» و«TCG Oruçreis» و«TCG Burgazada» و«TCG Derya».
وشملت بقية الأصول البحرية كاسحات الألغام، وقطع الدورية، والسفن البرمائية، ومنصات الإسناد. بل تنوي أنقرة أن تبني في المستقبل القريب حاملة طائرات محلية الصنع.
وذكرت وسائل إعلام صهيونية يوم الثلاثاء أنّ المؤسسة الدفاعية الإسرائيلية، وهي ترصد عن كثب القدرات المتنامية للبحرية التركية، اقترحت رفع عدد غواصات أسطولها إلى ثماني قطع. ومن شأن هذا المسار أن يفضي إلى تنافس مباشر أو غير مباشر بين تركيا والكيان الصهيوني على شرق المتوسط، ولا سيما في ميدان موارد الطاقة.
فالمسألة بالنسبة إلى الكيان الصهيوني ليست خلافاً على حقل غاز وحسب. إذ لو استطاعت تركيا أن تغدو القوة المهيمنة في شرق المتوسط، لكان في ذلك تضييقٌ على حرية تل أبيب في الحركة البحرية، وانعكاسٌ على أمن طاقتها وتجارتها، بل على نشاط غواصاتها أيضاً.
ومن ثمّ، فإن أحد الأهداف الطويلة الأمد لبحرية الكيان الصهيوني، هو الإبقاء على وضعٍ لا تستطيع فيه أي قوة إقليمية أن تمسك بزمام شرق المتوسط.
من المتوسط إلى البحر الأحمر: عنق الزجاجة في باب المندب
على الرغم من أهمية شرق المتوسط، فإن نظرة الكيان الصهيوني الاستراتيجية إلى البحر لا تنحصر في هذه المنطقة.
فموقع ميناء إيلات على البحر الأحمر، جعل لباب المندب أهميةً خاصةً في الأمن البحري للكيان. وقد أظهرت تجارب حربَي 1967 و1973 وحرب غزة عام 2023 أنّ أي اضطراب في مسار البحر الأحمر، قد تكون له تبعات اقتصادية واستراتيجية مباشرة على تل أبيب.
وتتضاعف أهمية ذلك لأنّ أي اضطراب في باب المندب ليس شأناً عسكرياً فحسب، بل يمسّ تجارة الكيان وطاقته مباشرةً. وهذا في وقت تمكّنت فيه «أنصار الله»، في خضمّ التطورات الإقليمية الأخيرة، من تعزيز سيطرتها على مضيق باب المندب بفضل تقدمها السريع في منطقة الساحل الغربي، واكتسبت قدرةً أكبر على التحكم في الملاحة البحرية القادمة من البحر الأحمر، وهو ما أثار قلقاً بالغاً لدى المسؤولين الصهاينة.
المحيط الهندي: حلقةٌ لا تزال هشّة
ومع هذه القدرات كلها، يشدّد المقال على نقطة ضعف جوهرية في بحرية الكيان الصهيوني: محدودية العمليات بعيدة المدى، ولا سيما في المحيط الهندي.
فالأسطول الصغير للكيان صُمّم للدفاع عن شرق المتوسط، وقلة عدد الغواصات لا تسمح بإنجاز جميع المهام المطلوبة في المتوسط والمحيط الهندي في آنٍ واحد.
ومن جهة أخرى، تفرض جغرافية ميناء إيلات قيداً طبيعياً. فالمسار البحري من إيلات إلى المحيط الهندي يمرّ بمضيق تيران ثم باب المندب، وهما مضيقان قد يقيّدان في زمن الأزمات وصول الكيان إلى المياه المفتوحة.
لذلك يسعى الكيان الصهيوني، على الأرجح، لمواجهة إيران وموازنة تهديدها، إلى تطوير قدرة على الحضور طويل الأمد في المحيط الهندي؛ وهي قدرة ترتكز، على الأرجح، قبل كل شيء على غواصات بعيدة المدى قادرة على البقاء طويلاً في البحر.
وتزداد أهمية هذا الأمر إذا استحضرنا الهجمات التي استهدفت سفناً مرتبطةً بالكيان في بحر عُمان والمحيط الهندي. فقد دلّ الهجوم بالطائرة المسيّرة عام 2021 على ناقلة نفط مرتبطة بشركة إسرائيلية قرب سواحل عُمان على أنّ الكيان، إذا اشتدّ الضغط البحري الإيراني، لن يجد في شرق باب المندب سنداً بحرياً موثوقاً من شركائه العرب.
وعليه، فإن الضعف في المحيط الهندي قد يضع تل أبيب أمام مفترق طرق: إما احتمال الضغط على السفن المرتبطة بها، وإما الانزلاق إلى مواجهة عسكرية.
التبعية للخارج: نقطة الضعف الخفية في القوة البحرية
من المفارقات اللافتة في القوة البحرية للكيان الصهيوني أنه، وهو يسعى إلى أن يغدو قوةً تقنية مستقلة، لا يزال يعتمد في جزء مهم من عتاده البحري على موردين أجانب.
فقد كان للولايات المتحدة دور أساسي في بناء كورفيتات «ساعر 5»، ولألمانيا دور أساسي في بناء «ساعر 6» وغواصات «دولفين». وعليه، فإن جانباً مهماً من القدرة البحرية للكيان رهينٌ بسلاسل الإنتاج وبالقرارات السياسية لدول أخرى.
وقد لا تُحدث هذه التبعية في الظروف العادية مشكلةً جديةً، لكنها في حرب طويلة أو أزمة متعددة الجبهات قد تنقلب إلى نقطة ضعف.
فكلما اتسعت رقعة الحرب، تزايدت الحاجة إلى الصيانة، واستبدال قطع الغيار، والذخائر، والقطع البحرية الجديدة. ومن ثمّ فإن الاستقلال الحقيقي للقوة البحرية لا يتحقق ببناء قطع متطورة وحسب، بل يستلزم قدرةً ذاتيةً على إنتاج المحركات والمنظومات القتالية والأسلحة وقطع الغيار، وإقامة بنى تحتية للصيانة والإصلاح.
حرب المستقبل: القوة البحرية على جبهات متعددة
ثمة سيناريوهات عدة قد تضع القوة البحرية للكيان الصهيوني أمام اختبار عسير في المستقبل.
أولها: مواجهة جديدة مع حزب الله في لبنان. فقد أثبت الحزب في حرب 2006 أنه قادر على استخدام قدراته الصاروخية المضادة للسفن حتى ضد سفينة حربية تابعة للكيان. وعلى بحرية الكيان، فضلاً عن فرض الحصار على الساحل اللبناني والتحكم فيه، أن تحمي السفن التجارية المرتبطة به.
وثانيها: تصاعد التوتر مع إيران واتساعه إلى بحر عُمان والمحيط الهندي. ففي مثل هذه الظروف، قد تصبح السفن المرتبطة بالكيان الصهيوني أهدافاً للقوات المسلحة الإيرانية.
وثالثها: التنافس مع تركيا في شرق المتوسط، ولا سيما إذا امتزجت خلافات الطاقة بالخلافات السياسية والأمنية.
ورابعها: أزمة باب المندب والبحر الأحمر، وهي منطقة ذات أهمية حيوية لصلة الكيان الصهيوني بالمحيط الهندي.
وأخيراً، السيناريو الأوسع المتمثل في تنافس القوى الكبرى في أوراسيا، إذ قد تغدو المنطقة جزءاً من صراع أرحب بين القوى العظمى إن ازداد الحضور الصيني في المحيط الهندي واستمر الدور الروسي في المتوسط. وفي مثل هذا الوضع، لن يكون في وسع الكيان الصهيوني أن يعوّل على الدعم البحري الأمريكي وحده.
القوة البحرية: مُكمِّلةٌ للقوتين الجوية والصاروخية
وفي المحصّلة، ليست بحرية الكيان الصهيوني في وارد أن تنشئ، على غرار البحرية الأمريكية، أسطولاً ضخماً من حاملات الطائرات والسفن العابرة للمحيطات. فمهمتها الرئيسة محدَّدة بما يلائم جغرافيا الكيان وحاجاته الاستراتيجية: الحفاظ على السيطرة في شرق المتوسط، وتأمين السواحل، وحماية موارد الطاقة، ومنع نقل العتاد إلى فصائل المقاومة في غزة ولبنان، وتهيئة بيئة آمنة لعمل الغواصات، وإتاحة القدرة على عمليات محدودة في المياه البعيدة. ولذلك سعى الكيان إلى تعويض النقص الكمّي بالنوعية والتقنية والصواريخ الدقيقة والغواصات المستترة والحرب الإلكترونية والمنظومات غير المأهولة والشبكة الاستخبارية.
غير أن هذا النموذج نفسه تكتنفه قيود جسيمة. فالأسطول الصغير، إذا اضطر إلى العمل في آنٍ واحد في شرق المتوسط والبحر الأحمر والمحيط الهندي، اصطدم بشحّ عدد القطع والغواصات. يضاف إلى ذلك أن اتساع حضور قوى منافسة كتركيا ومصر، وتصاعد التهديد البحري لـ«أنصار الله» في باب المندب، وتحكّم إيران بحركة السفن في مضيق هرمز، كلها عوامل قد تضيّق هامش حرية الحركة أمام الكيان.
ومن ثمّ، فإن المسألة الجوهرية في مستقبل بحرية الكيان الصهيوني ليست زيادة عدد السفن فحسب، بل القدرة على الإمساك بزمام السيطرة البحرية في بيئات متعددة في وقت واحد، وفي ظرفٍ يتراجع فيه الدعم الأمريكي المباشر.
