الوقت - نقلاً عن صحيفة “الغارديان”، توصّل علماء إلى دليل جديد يفسر واحداً من أغرب تصرفات الثقوب السوداء؛ وهو السبب الذي يجعل هذه الأجرام، بعد ابتلاعها لنجم ما، تطلق مرةً أخرى وبعد فترة قد تطول، دفقات هائلة من المادة والطاقة إلى الفضاء. وتكشف دراسة جديدة أن هذه الانفجارات ليست عشوائيةً، بل قد تخضع لنمط محدد يمكن رصده والتنبؤ به.
فحين يقترب نجم أكثر مما ينبغي من ثقب أسود فائق الكتلة، تُمزّقه قوة الجذب الهائلة لهذا الثقب، في ظاهرة تُعرف بـ"التمزق المدّي". وحينها، تُسحب أجزاء من بقايا النجم نحو الثقب الأسود، لكن ليست كل المادة تنجذب إليه وتختفي فيه، بل يمكن أن يُقذف جزء منها في صورة نفثات بالغة القوة إلى الفضاء الخارجي، وهي ظاهرة يسمّيها العلماء، على سبيل التبسيط، “تجشؤ الثقب الأسود”.
وكان اللغز الأساسي يتمثل في السبب الذي يجعل هذه الانفجارات تحدث، في بعض الحالات، بُعيد تمزّق النجم مباشرةً، في حين تستغرق في حالات أخرى شهوراً بل سنوات كاملة قبل أن يُطلق الثقب الأسود انفجاراً مماثلاً من جديد.
وبعد دراسة 20 حالة من حوادث التمزق المدّي، ومقارنة البيانات المتعلقة بالموجات الراديوية والضوء المرئي والأشعة فوق البنفسجية وأشعة إكس، توصّل الباحثون إلى أن الثقوب السوداء قادرة على توليد نفثات قوية في مرحلتين متمايزتين.
تحدث المرحلة الأولى حين يكون الثقب الأسود منهمكاً بامتصاص بقايا النجم بسرعة عالية. وفي هذه المرحلة، تتوافر كمية كبيرة من المادة المحيطة بالثقب الأسود، مما يهيّئ الظروف اللازمة لتشكّل نفثات عالية الطاقة.
أما المرحلة الثانية، فهي الأكثر غرابةً. فبعد مئات إلى آلاف الأيام من تدمير النجم، وحين تتراجع سرعة امتصاص الثقب الأسود للمادة إلى نحو 2% من حدٍّ حرج معيّن، يستطيع الثقب الأسود إطلاق نفثة قوية أخرى إلى الفضاء.
والنقطة اللافتة في هذه الدراسة أن هذا السلوك لا يظهر فقط في الثقوب السوداء العملاقة. فقد أشار الباحثون إلى أن الثقوب السوداء فائقة الكتلة والثقوب السوداء الأصغر حجماً يمكنها أيضاً أن تولّد نفثات في مرحلة مشابهة من مسار تغذيتها، وهو اكتشاف يعزز فرضية وجود آلية مشتركة تحكم سلوك الأنواع المختلفة من الثقوب السوداء.
ويأمل العلماء أن يتيح هذا النمط التنبؤ بموعد الانفجارات المقبلة. فإذا تأكد هذا النمط بمزيد من الرصد والمراقبة، سيكون بمقدور التلسكوبات الراديوية وسائر المراصد أن توجّه أعينها إلى الثقوب السوداء النشطة في التوقيت الأنسب، لتسجل لحظة نشوء هذه الانفجارات الهائلة.
ولا تنحصر أهمية هذا الاكتشاف في فهم سلوك الثقوب السوداء وحده، بل تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فالنفثات عالية الطاقة الصادرة عن هذه الأجرام قادرة على نشر المادة والطاقة عبر مسافات شاسعة في الفضاء، بما يترك أثراً على البيئة المحيطة، بل وعلى مسار تطور المجرة المستضيفة نفسها. ولهذا، فإن فهم توقيت وآلية تشكّل هذه “التجشؤات الكونية” قد يمنح العلماء معلومات جديدة عن كيفية تطور الثقوب السوداء والمجرات على مدى الزمن.
