الوقت - يُعدّ اعتراف هيئة الرقابة التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية رسميًا بوجود "عجز استراتيجي" في مخزونات الذخيرة أحد أهمّ المؤشرات على التكلفة الباهظة للحرب الإيرانية على الجيش الأمريكي؛ فالحرب التي تُطلق عليها واشنطن اسم "عملية الغضب الملحمي" لم تُكلّف الولايات المتحدة مليارات الدولارات فحسب، بل أرهقت أيضًا مخزونات الأسلحة وسلسلة إمداد الصناعات الدفاعية في البلاد.
وفي أول تقرير إلزامي لها إلى الكونغرس حول أبعاد الحرب الإيرانية، ذكر مكتب المفتش العام بوزارة الدفاع الأمريكية أن الاستخدام المكثف للذخيرة في هذه العملية قد تسبب في "عجز استراتيجي" في المخزونات، وكشف عن قصور واسع النطاق في القدرة الصناعية الأمريكية على استبدال الأسلحة. يتناول التقرير الفترة الممتدة من بداية الحرب في 28 فبراير/شباط إلى 30 يونيو/حزيران 2026.
ووفقًا للتقرير، قُدّرت تكلفة الحرب الأمريكية ضد إيران حتى إعلان وقف إطلاق النار في 9 أبريل/نيسان بنحو 33.4 مليار دولار، منها 22.3 مليار دولار أُنفقت على الذخيرة وحدها. كما أُنفق 3.7 مليار دولار أخرى على الأضرار أو الخسائر التي لحقت بالمعدات، و7.4 مليار دولار على تكاليف تشغيلية أخرى.
وتُشير العبارة الرئيسية في تقرير البنتاغون حول حالة مخزونات الأسلحة إلى: "أدى استخدام الذخيرة في عملية "إبيك فيوري" إلى نقص استراتيجي في الاحتياطيات، وكشف عن اختناقات في القاعدة الصناعية لإعادة تزويد الذخيرة".
ضربة لسلسلة إنتاج الأسلحة
ولا تقتصر أهمية هذا الاعتراف على تقليص المخزونات العسكرية الأمريكية فحسب، بل يُحذّر تقرير المفتش العام من أن الزيادة السريعة في إنتاج الأسلحة تواجه قيودًا هيكلية، بما في ذلك في إنتاج محركات الصواريخ الصلبة، والمتفجرات عالية الجودة، والوقود الدافع، والقوى العاملة الماهرة. ونتيجةً لذلك، فإن تخصيص المزيد من الأموال لن يُؤدي إلى تجديد فوري للاحتياطيات، كما أن زيادة الطاقة الإنتاجية ستتطلب وقتًا طويلًا.
وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل انخراط الولايات المتحدة في عمليات عسكرية في عدة مناطق في آنٍ واحد، وضرورة امتلاكها احتياطيات كافية لمواجهة أي سيناريوهات مستقبلية محتملة. وذكرت صحيفة فايننشال تايمز، نقلاً عن تقرير البنتاغون نفسه، أن هذا النقص في الأسلحة قد يُلقي بظلال من الشك على قدرة الولايات المتحدة على مواصلة حرب طويلة الأمد أو الدخول في صراع جديد.
إحصائيات حول الخسائر العسكرية الأمريكية
وكشف تقرير المفتش العام أيضًا عن أبعاد أخرى لتكلفة الحرب. فبحسب التقرير، دُمّر ما لا يقل عن 30 طائرة أمريكية كبيرة من طراز MQ-9 Reaper بدون طيار خلال الحرب. إضافةً إلى ذلك، فُقدت 4 طائرات من طراز F-15، وتضررت طائرة واحدة من طراز F-35، وتضررت 7 طائرات تزويد بالوقود من طراز KC-135.
ويؤكد التقرير أيضًا، ولأول مرة، استهداف منشأة لوجستية رئيسية تابعة للبحرية الأمريكية في البحرين بهجمات صاروخية وطائرات بدون طيار إيرانية. بحسب صحيفة "نيو عرب"، ألحقت الهجمات الإيرانية أضرارًا بمئات المباني والمنشآت في القواعد الأمريكية في الكويت والبحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والعراق وعُمان والأردن؛ ولم تُحتسب تكلفة إعادة بناء هذه الأضرار ضمن التقدير البالغ 33.4 مليار دولار.
22.3 مليار دولار للذخيرة
يُعدّ الرقم الأهم في التقرير هو 22.3 مليار دولار تكلفة الذخيرة؛ وهو رقم يُظهر أن الحرب مع إيران لم تكن عملية مكلفة للجيش الأمريكي فحسب، بل أثّرت أيضًا بشكل مباشر على مخزون الذخيرة الاستراتيجي الأمريكي.
كما أكّدت شبكة "سي بي إس" في تقريرها أن هذا هو أول تقرير رسمي وإلزامي صادر عن المفتش العام لوزارة الحرب الأمريكية يُبيّن تحديدًا استهلاك الذخيرة وتأثيره على المخزونات الأمريكية.
يأتي هذا الاعتراف في الوقت الذي قلّل فيه مسؤولو إدارة ترامب مرارًا وتكرارًا من شأن المخاوف بشأن المخزون الأمريكي خلال الأشهر القليلة الماضية.
حتى أن دونالد ترامب صرّح مؤخرًا بأن الولايات المتحدة تمتلك "ذخيرة غير محدودة"، وبعد صدور تقارير عن انخفاض المخزونات، أصرّ على أن الولايات المتحدة تُنتج "أسلحة أكثر تطورًا من أي وقت مضى في التاريخ". ومع ذلك، يؤكد التقرير الرسمي الصادر عن المفتش العام لوزارة الحرب الأمريكية فعليًا أن الحرب قد تسببت في نقص حقيقي في المخزونات، وأن سلسلة الإنتاج غير قادرة على تعويض هذا النقص بسرعة.
فشل رواية "المخزون غير المحدود"
يُعدّ التناقض بين تصريحات ترامب وتقرير هيئة الرقابة التابعة لوزارة الحرب الأمريكية أحد أبرز النقاط السياسية في التقرير. وكان ترامب قد نفى سابقًا نقص الذخيرة، بل ووصف التقارير الإعلامية حول هذا الموضوع بأنها "أخبار كاذبة". كما ذكرت صحيفة "نيو أراب" أن الخلافات داخل إدارة ترامب بشأن نقص الذخيرة قد بلغت حدًا دفع صحيفة "واشنطن بوست" إلى نشر تقرير عن اجتماع متوتر بين ترامب ووزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيت لمناقشة وضع المخزونات.
لكن الآن، تُصرّح وكالة رسمية تابعة لوزارة الدفاع الأمريكية صراحةً بأن استخدام الذخيرة في الحرب الإيرانية قد أدى إلى عجز في الاحتياطي الاستراتيجي. لهذا التصريح أهمية عسكرية بالغة، لأنه لا يشير فقط إلى انخفاض مؤقت في المخزون، بل إلى مستوى الاحتياطيات اللازمة للحفاظ على جاهزية الجيش لمواجهة الأزمات المستقبلية.
قضية تتجاوز الحرب الإيرانية
يزداد تأثير هذا العجز أهميةً عندما تواجه الولايات المتحدة احتمال تصاعد الصراعات في مناطق أخرى من الشرق الأوسط بالتزامن مع الحرب في إيران.
في هذا السياق، سبق أن أفادت صحيفة "نيو أراب" بأن الجيش الأمريكي استهلك جزءًا كبيرًا من صواريخه الدقيقة بعيدة المدى، بما في ذلك صواريخ "أتاكمس" و"برسم" الدقيقة، مما أثار مخاوف بشأن جاهزية أمريكا للصراعات المستقبلية.
وأشار تقرير آخر إلى الاستخدام المكثف لأنظمة الدفاع الأمريكية؛ فكما ذكرت شبكة "سي إن إن" سابقًا، انخفضت مخزونات صواريخ "ثاد" الاعتراضية انخفاضًا حادًا.
من هذا المنظور، يمكن اعتبار تقرير البنتاغون الجديد مكملاً لتقارير الأشهر الماضية؛ التي كشف كل منها عن بعض الضغوط على مخزونات الأسلحة الأمريكية، والآن، ولأول مرة، أكدت جهة رسمية تابعة لوزارة الدفاع مبدأ خلق "عجز استراتيجي".
تكلفة الحرب ليست 33.4 مليار دولار فقط
فهذا المبلغ هو في الواقع الرقم المسجل لتكلفة الحرب حتى نهاية يونيو، ولا يشمل جميع التكاليف المستقبلية. إذ لم تُحدد بعد تكلفة إصلاح المنشآت والمباني المتضررة في القواعد الأمريكية بشكل كامل. بالإضافة إلى ذلك، ستترتب تكاليف منفصلة على إعادة بناء مخزونات الأسلحة وزيادة الطاقة الإنتاجية.
ويشير التقرير أيضًا إلى نزوح أكثر من 20 ألف جندي ودبلوماسي أمريكي نتيجة عمليات الإجلاء والنقل خلال الحرب. كما سيرت القوات الأمريكية نحو 5000 رحلة جوية من قواعدها الأوروبية لدعم العمليات القتالية. وسجلت وزارة الخارجية الأمريكية أيضًا أضرارًا تجاوزت 208 ملايين دولار أمريكي في منشآتها في العراق والكويت والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.
وبالتالي، لم تقتصر خسائر الولايات المتحدة جراء الحرب الإيرانية على 33.4 مليار دولار أمريكي فحسب، بل شملت أيضًا استنزاف مخزونات الذخيرة، وكشف اختناقات صناعية، وفقدان معدات عسكرية، وتضرر البنية التحتية الأمريكية في جميع أنحاء المنطقة.
والآن، يواجه واشنطن سؤالًا حاسمًا: هل يستطيع الجيش الأمريكي خوض حرب كبرى أخرى بالتزامن مع استبدال الذخيرة المستخدمة في الحرب الإيرانية؟ يُظهر اعتراف المفتش العام الجديد لوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) على الأقل أن إجابة هذا السؤال بالنسبة للقادة والمخططين العسكريين الأمريكيين لم تعد بالبساطة التي كانت عليها سابقًا.
