الوقت - في حين كشفت الهجمات الواسعة التي شنتها أمريكا والكيان الصهيوني على مناطق متفرقة من إيران خلال الأشهر السبعة الماضية عن وجهٍ سافرٍ للعنف والإجرام، وأسفرت عن استشهاد وإصابة أعداد كبيرة من المدنيين، تجرعت بعض المدن مرارة جرائم الأعداء منذ الساعات الأولى لاندلاع الحرب. مدنٌ لا تزال، حتى بعد مرور أشهر على توقف الهجمات، تحمل ندوب الدمار على أجسادها، لتروي كل زاوية فيها قصةً من قصص وحشية المعتدين.
وتُعد مدينة «لامرد» في محافظة فارس الإيرانية واحدةً من هذه المدن، حيث استُهدفت في أواخر فبراير من العام المنصرم بصواريخ أمريكية متطورة. وخلافاً لادعاءات واشنطن، كان المدنيون العُزّل هم الضحية الوحيدة لهذه الجريمة المروعة.
لقد بلغت شدة هذا الهجوم وأبعاده حداً جعل آثاره شاخصةً للعيان حتى بعد انقضاء أشهر طويلة؛ آثارٌ لا تحكي قصة الدمار المتبقي فحسب، بل تمثل وثيقةً حيةً شاهدةً على ما كابدته هذه المدينة وأهلها. ولعِظَمِ فداحة الخطب، هبّ المسؤولون السياسيون الإيرانيون بأنفسهم لزيارة الموقع ومعاينة الآثار المدمرة لضربات العدو عن كثب.
وفي هذا السياق، صرح إسماعيل بقائي، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية يوم السبت (12 سبتمبر) خلال تواجده بين أهالي مدينة لامرد، مشيراً إلى الهجوم الصاروخي الأمريكي عليها، قائلاً: “كان الهدف من هذا الهجوم حصد أرواح المدنيين، حيث تم استهداف منشآت مدنية بحتة كالمدارس والملاعب الرياضية”.
وأوضح بقائي أن الهجوم وقع في تمام الساعة 17:12، مضيفاً: “بالنظر إلى توقيت الهجوم وآلية اختيار الهدف، يُرجح أن الغاية كانت إيقاع أكبر قدر ممكن من الخسائر البشرية في صفوف المدنيين، ولو كانت المدارس تفتح أبوابها في ذلك الوقت، لتضاعفت أعداد الشهداء والجرحى مرات عديدة”.
ولفت المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إلى تقارب مواقع سقوط الصواريخ، قائلاً: “ضمن دائرة نصف قطرها 500 متر، توجد أربعة مواقع للإطلاق والسقوط، والمفارقة أن أياً من هذه الأهداف لم تكن ذات طابع عسكري. لقد شمل بنك الأهداف مدرسةً ومدرجاً رياضياً للفتيات وآخر للفتيان، مما يزيد من وضوح أبعاد هذه الجريمة النكراء”.
الهجوم على لامرد… تجسيدٌ صارخٌ لجريمة حرب
على مدى العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية، طالما اتخذت الولايات المتحدة من مهاجمة الدول الأخرى حقولَ تجاربٍ حية لاختبار أجيالها الجديدة من الأسلحة، وهو النهج الذي تكرر في الحرب الأخيرة على إيران، حيث تم زجّ بعض أحدث الترسانات الأمريكية في هذا الصراع.
وفي هذا الصدد، أشار المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إلى تصريحات المسؤولين الأمريكيين حول هذا الهجوم، مؤكداً: “لقد تبنت أمريكا صراحةً مسؤوليتها عن هذا الفعل، بل وأعلنت أنها استخدمت هذا الطراز من الصواريخ للمرة الأولى بغية تقييم قدرتها التدميرية”. وأردف بقائي قائلاً: “في حالات مشابهة، جرت محاولات لنسج روايات مغايرة حول الهجمات، بل ونُسبت مسؤولية بعض الأعمال ضد إيران إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي، غير أن الطبيعة الإجرامية لهذه الأفعال لا يمكن التغاضي عنها من منظور القانون الدولي الإنساني”.
وتجدر الإشارة إلى أنه في اليوم الأول للحرب، سقطت عدة صواريخ أمريكية على صالة “الشهيد نعيمي” الرياضية والمناطق السكنية المحيطة بها في "لامرد". وتعاظمت خطورة الأمر حينما رجحت التحقيقات المستقلة، بشأن نوعية السلاح المستخدم، كفة الصاروخ الأمريكي من طراز “PrSM”.
هذا الصاروخ الأمريكي الجديد، الذي جُعل من أهالي لامرد فئران تجارب له، من صُنع شركة “لوكهيد مارتن”، وقد نشر كلّ صاروخ منها إبان الهجوم 180 ألف شظية على رؤوس أهالي المدينة، مخلّفاً وراءه قوافل من الشهداء والجرحى.
في هذه الجريمة المروعة، ارتقى 21 شهيداً وأصيب أكثر من 100 آخرين بجروح متفاوتة جراء الشظايا الصاروخية. ورغم مرور أكثر من ستة أشهر على تلك الفاجعة، لا يزال العديد من فتيات وفتيان "لامرد" وعائلاتهم يكابدون آلام الإعاقة والمعاناة الشديدة الناجمة عن تلك الجراح، بل إن الشظايا المتناثرة من صواريخ “PrSM” ما زالت مستقرةً في أجساد بعض الأطفال حتى يومنا هذا.
صُمم هذا الصاروخ لينفجر على ارتفاع معين وينشر كميات هائلة من الشظايا المعدنية. وقد أظهرت تحقيقات مؤسسة “Airwars” أن الآثار المميتة للانفجارات في "لامرد" شوهدت على بُعد يقارب 50 متراً من نقطة الانفجار، في حين امتدت آثار الدمار لتصل إلى نحو 170 متراً. كما توثّق الصور الملتقطة عقب الهجوم آثاراً لا تُحصى لاصطدام الشظايا بالمباني والسيارات والشوارع المحيطة.
ورغم إقرار مسؤولي واشنطن باستخدام صواريخ “PrSM” في إيران ونفيهم إصابتها لمدينة "لامرد"، إلا أن ستة خبراء أسلحة صرحوا لوكالة “أسوشيتد برس”، استناداً إلى الأدلة القائمة، بأن استخدام هذا الصاروخ أمرٌ مرجح للغاية، مؤكدين أن نمط الدمار يتطابق تماماً مع خصائص هذا السلاح.
توثيق الفاجعة في لامرد
وفي سياق كلمته، أوضح المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية أن الغاية من تواجده في المناطق المتضررة بـ "لامرد"، هي المساعدة في توثيق أبعاد هذه الفاجعة، مضيفاً: “يجب تخليد هذه الجريمة في ذاكرة الإيرانيين والأجيال القادمة والرأي العام العالمي، ليتجلى كيف سعت أمريكا والكيان الصهيوني إلى إخضاع الشعب الإيراني عبر زرع الرعب والترهيب”.
وشدد بقائي على أن “ما اقتُرف في لامرد، سواء من حيث استخدام أسلحة محرمة أو استهداف المدنيين العُزّل وقتلهم، يمثل تجسيداً كاملاً لجريمة حرب”.
ورغم أن اتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني تحظر استخدام الأسلحة، كالقنابل العنقودية، التي تتسبب في “إصابات مفرطة أو معاناة لا مبرر لها”، فإن ما جرى في لامرد يثير مجدداً تساؤلات جوهرية حول مدى التزام أمريكا بهذه المبادئ. هجومٌ لا يمكن، إلى جانب غيره من العمليات العسكرية لواشنطن في المنطقة، المرور مرور الكرام على تداعياته الإنسانية المأساوية.
ولجأ المتحدث باسم الخارجية الإيرانية في معرض حديثه مع أهالي لامرد إلى لغة الرموز، حيث حمل بيده شظايا تزن ثلاث غرامات وكرات طائرة وعرضها أمام عدسات الإعلام، لتكون وثيقةً دامغةً على مظلومية وبراءة الشعب الإيراني أمام مرأى العالم.
كما تطرق بقائي إلى ما يقاسيه الأهالي وعوائل الشهداء والجرحى من عذابات وآلام، وتحدث عن الطفلة “آفينا” ذات العامين، واصفاً هذه الطفلة الشهيدة والمظلومة بأنها ليست مجرد طفلة، بل هي رمزٌ ووثيقةٌ على قساوة هذه الفاجعة الأليمة والمفجعة.
وخلال هذا اللقاء، أكدت عائلات الشهداء وجرحى هذه الجريمة على حتمية المتابعة الحازمة لملف فاجعة "لامرد"، ونقل تفاصيل هذه الجريمة الحربية وتسليط الضوء عليها على نطاق عالمي واسع. وبدوره، ضمّ بقائي صوته إلى صوت أهالي لامرد، مناشداً وسائل الإعلام المحلية والأجنبية إيصال هذه الحقيقة المريرة والمؤلمة بكافة أبعادها إلى مسامع العالم أجمع.
وفي معرض رده على سؤال حول مقترح إعلان 28 فبراير 2026 “يوماً عالمياً لمكافحة الأسلحة غير التقليدية”، صرح بقائي: “إن وزارة الخارجية ستدعم كل مبادرة من شأنها تخليد ذكرى شهداء لامرد، ولفت انتباه الرأي العام العالمي إلى التداعيات الكارثية لاستخدام الأسلحة المحرمة دولياً”.
هذه الروايات والصور تنتشل "لامرد" من مجرد خبر عابر وسط زحمة التطورات الحربية، لتجعل منها حكايةً حيةً تجسّد التكلفة الإنسانية الباهظة للحرب، وتثبت أن وراء كل هجوم وكل رقم في إحصائيات الضحايا، تقبع أرواح بشرية ستحمل ندوب هذه الجريمة على كواهلها لسنين طوال.
صمت المجتمع الدولي
في الوقت الذي تتعالى فيه أصوات الأمم المتحدة وبعض المنظمات التي تدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان بإدانة أبسط أعمال العنف ضد المدنيين في الدول الغربية، وتُدرج مرتكبيها في خانة الإرهابيين، نراها تلوذ بصمت القبور إزاء الجرائم التي تقترفها القوى الغربية بحق الشعوب الأخرى.
وتتجلى هذه الازدواجية بأبشع صورها حينما يكون طرفاها أمريكا والكيان الصهيوني، حيث تمرّ جرائمهما في كثير من الأحيان دون أن تلقى رداً حازماً أو رادعاً من المجتمع الدولي. وما الهجوم الأمريكي على لامرد إلا مصداقٌ جليّ على هذه المعايير المزدوجة، فبالرغم من بقاء آثار الهجوم شاخصةً وتضرر الأهداف المدنية، لم يُسمع أي صوت احتجاجي من قبل الأمم المتحدة أو المنظمات الحقوقية.
حتى أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، الذي تقع على عاتقه مسؤولية إرساء السلم والأمن العالميين، اكتفى في اليوم الأول للحرب، وبدلاً من إدانة هذه الجرائم، بالقول إن هجمات أمريكا والكيان الصهيوني تتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، محذراً من تداعياتها الإنسانية.
غير أن هذا الصمت العالمي المطبق لا يبرئ ساحة مرتكبي هذه الجرائم فحسب، بل يبعث برسالة خطيرة مفادها أن القوى العظمى بوسعها التمادي في أفعالها دون أن تخشى أي تبعات قانونية أو دولية، وهو وضعٌ يضع مصداقية الآليات العالمية لحقوق الإنسان في مهب الريح أكثر من أي وقت مضى.
إن ما نشهده اليوم في غزة، بعد مضي ثلاث سنوات من الإجرام والدمار تحت أنظار العالم، ما هو إلا ثمرة لصمت وعجز المجتمع الدولي عن كبح جماح جرائم الكيان الصهيوني، صمتٌ تكرر بأشكال شتى في بقاع أخرى من العالم، مما مهّد الطريق للقوى العظمى لمواصلة حروب الإبادة.
ورغم سكوت المنظمات السياسية والحقوقية إزاء الجرائم الأمريكية والصهيونية، إلا أن الرأي العام العالمي أضحى اليوم أكثر يقظةً ووعياً من أي وقت مضى، يراقب عن كثب جرائم القوى العاتية ضد الشعوب المظلومة والمضطهدة. ومن هنا، فإن محاولات قادة واشنطن وتل أبيب لتبرير جرائمهم والتنصل من مسؤولياتهم، لم تعد تنطلي على الرأي العام العالمي بالسهولة التي كانت عليها في الماضي.
لقد أثبت المحتوى المنشور عبر شبكات التواصل الاجتماعي في السنوات الأخيرة، أن الرأي العام قد ملأ إلى حد كبير الفراغ الناجم عن صمت الأمم المتحدة والمنظمات المتشدقة بحقوق الإنسان، وبات ينقل الحقائق التي تسعى بعض الحكومات ووسائل الإعلام التابعة لها لتزييفها، بصورة مباشرة وبلا وسطاء إلى العالم بأسره.
وفي الختام، يمكن القول إن «لامرد» لم تعد اليوم مجرد اسم لمدينة منكوبة، بل أضحت رمزاً حياً للجرائم الحديثة التي يقترفها “الشيطان الأكبر”، حيث تُميط جراح الأهالي وأنقاض المدينة اللثامَ عن الهوة السحيقة بين شعارات حقوق الإنسان والواقع الوحشي للسياسة العالمية.
