الوقت - باتت التغيرات المناخية وارتفاع مستوى سطح البحر، تهدد بالزوال أحد أعتق الموارد الطبيعية للعلاج في منطقة السندربانس ببنغلاديش؛ فغابات “المانغروف” (الحرا) التي تعتمد عليها ملايين النفوس في جنوب آسيا لعلاج أسقامها، أصبحت رويداً رويداً في قبضة زحف المياه المالحة وتلاشي الغطاء النباتي الطبي الذي كان يزينها.
ووفقاً لتقرير مُفصّل نشرته “الجزيرة”، فإن السندربانس، أكبر غابة “مانغروف” في العالم، لا تمثل مجرد نظام إيكولوجي فريد من نوعه، بل تُعد بمثابة “صيدلية طبيعية” متكاملة للمجتمعات المحلية. وفي هذه البقعة الساحرة، يلجأ المعالجون التقليديون إلى لحاء الأشجار وأوراقها وجذورها وسائر أعضائها لتحضير توصيفاتهم العلاجية العتيقة؛ إلا أن التغيرات البيئية المتلاحقة أخذت تُضيّق الخناق على سبل الوصول إلى هذه الثروة النباتية.
ويتمثل أحد أبرز المعضلات في ارتفاع مستوى سطح البحر وتغلغل المياه المالحة إلى عمق الغابة. فقد أدى تفاقم ملوحة التربة والمياه إلى فقدان العديد من الأنواع النباتية، التي يُعتمد عليها في الطب الشعبي المحلي، لبيئتها الملائمة للنمو والاستمرار. وقد سلّطت “الجزيرة” في تقريرها الضوء على حياة المعالجين التقليديين، راسمةً بذلك صورةً حيةً لمسار تعقّد الوصول إلى النباتات الطبية يوماً بعد يوم.
تمتد السندربانس على طول الحدود الفاصلة بين الهند وبنغلاديش، وتُعد من أكثر بقاع الأرض حساسيةً وهشاشةً أمام وطأة التغير المناخي. فارتفاع مستوى سطح البحر، وتآكل الأرض، والعواصف العنيفة، وتصاعد نسب الملوحة، جميعها عوامل ألقت بظلالها القاسية على حياة المجتمعات المحلية ومواردها الطبيعية.
وفي ظل هذه المعطيات القاسية، يجد المعالجون التقليديون أنفسهم مضطرين لاجتياز مسافات أبعد وشق طرقات أطول عبر الغابة، بحثاً عن الأنواع النباتية التي يحتاجونها. فبعض النباتات التي كانت تُقطف بيُسر في الماضي، غدت اليوم أثراً نادراً، وهو ما ألقى بظلال الغموض والقلق على مستقبل هذا الموروث المعرفي العلاجي العتيق.
ولا تنحصر جسامة هذه الأزمة في زوال بضعة أنواع نباتية فحسب، بل تتخطاها إلى ما هو أعمق؛ فأساليب العلاج التقليدية في السندربانس توارثتها الأجيال جيلاً بعد جيل، والمعرفة باستخدامات هذه النباتات تُشكل جزءاً لا يتجزأ من التراث الحي للمجتمعات المحلية.
وكلما تضاءلت أعداد النباتات الطبية وشحّت مواردها، ضاقت السبل أمام المعالجين للحصول على موادهم الخام، وبالتبعية، يتعرض جزء كبير من هذا الموروث المعرفي التقليدي - الذي تشكّل أصلاً بفضل معرفة دقيقة بهذه النباتات - لخطر الطمس والنسيان.
ويكشف تقرير “الجزيرة” أن ما يتلاشى في السندربانس ليس مجرد غطاء نباتي لغابة عابرة، بل هو شبكة متكاملة ومتشابكة من المعرفة المحلية، والعلاج التقليدي، والعلاقة التاريخية العميقة التي تربط المجتمعات المحلية بأمّها الطبيعة.
