الوقت - لا ينبغي تقييم الهجمات الإيرانية الجديدة على السفن الأمريكية حول مضيق هرمز في الأيام الأخيرة في سياق محاولة تدمير معدات العدو فقط. تكمن الأهمية الرئيسية لهذه التطورات في مكان آخر: هل نجحت إيران في تغيير ترتيب القوات الأمريكية ونقل خط الحصار بعيدًا عن منطقة عملياتها؟
في الحرب البحرية، لا تُعد المسافة مفهومًا جغرافيًا بحتًا، بل هي جزء من القوة القتالية. فكلما ابتعدت حاملة الطائرات ومرافقوها عن منطقتهم المستهدفة، زاد وقت رد الفعل، وازدادت صعوبة التغطية الجوية، وازدادت الحاجة إلى التزود بالوقود، وارتفعت تكلفة الحفاظ على وجود مستمر. إذا دفع الضغط الإيراني السفن الأمريكية إلى عدم الاقتراب من مضيق هرمز حفاظًا على أمنها، حتى دون تدمير سفينة واحدة، فإن هدفًا عملياتيًا هامًا يكون قد تحقق.
من هذا المنظور، ينبغي النظر إلى الهجمات الإيرانية المتدرجة ليس بالضرورة كمحاولة لإغراق السفن الأمريكية، بل كمحاولة لإجبارها على تغيير مواقعها ودفع خط التماس إلى الخلف. منطق هذه الاستراتيجية واضح: أولًا خلق تهديد، ثم زيادة خطر التواجد، ثم إجبار الأسطول على تغيير تشكيله، وأخيرًا خلق مسافة بين القوات الأمريكية والمنطقة التي تعتزم واشنطن فرض حصار عليها.
إذا تأكدت التقارير عن إعادة انتشار حاملة الطائرات "جورج بوش" في أعقاب الهجمات الأخيرة، فإن أهميتها تكمن تحديدًا في هذا. لا تكمن قيمة هذه الخطوة في سحب سفينة بحد ذاتها، بل في إجبار خط الحصار على التراجع.
تجدر الإشارة أيضًا إلى أن هذا التمييز بالغ الأهمية. ففي المواجهة غير المتكافئة، لا يسعى الطرف الأضعف بالضرورة إلى تدمير المنصات الرئيسية للطرف الآخر، بل قد يكون الهدف تغيير تضاريس ساحة المعركة. إذا اضطرت سفينة أمريكية إلى الابتعاد عن المنطقة لتقليل المخاطر، فإن المسافة بينها وبين منطقة العمليات تزداد. ونتيجة لذلك، تبقى القدرات الأمريكية قائمة، لكنها ستدفع ثمنًا باهظًا لممارسة هذه القوة.
في مثل هذا السيناريو، تسعى إيران فعليًا إلى توسيع منطقة الخطر العالي. أي أن المنطقة التي يمكن للسفن الأمريكية العمل فيها بحرية تتقلص، وتزداد المسافة الآمنة بينها وبين مضيق هرمز. وكلما زادت هذه المسافة، ازداد اعتماد الولايات المتحدة على الطائرات وناقلات الوقود وأنظمة الاستطلاع ومدمرات المرافقة ومعدات الدعم للحفاظ على مستوى الضغط نفسه.
بعبارة أخرى، قد يكون هدف إيران هو دفع السفن إلى الوراء، وليس بالضرورة تدميرها
تجدر الإشارة إلى أن هذه المسألة ذات أهمية استراتيجية بالغة. مع فشل الولايات المتحدة في استسلام إيران في حرب الأربعين يومًا، تشكّلت المعادلة الأساسية للصراع الدائر حول مسألة الصمود، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى قطع شرايين إيران الاقتصادية الرئيسية بحصار بحري خانق، بهدف إحداث انهيار داخلي، بينما تسعى إيران بدورها إلى الالتفاف على العقوبات والحصار ومواصلة الحرب غير المتكافئة مع الحفاظ على صمودها الاقتصادي. لذا، إذا اضطرت السفن تدريجيًا إلى زيادة المسافة دون تكبّد خسائر فادحة، فإن الولايات المتحدة تواجه معضلة أكثر تعقيدًا: كيف تحافظ على الحصار نفسه من مسافة أبعد دون الدخول في حرب أوسع؟
في الواقع، يمكن لإيران التركيز على الحد من حرية تحرك الولايات المتحدة بدلًا من مهاجمتها مباشرة
هنا تكمن أهمية التصعيد التدريجي للضغط. قد لا يكون للهجوم الواحد تأثير حاسم، ولكن إذا استمرت الهجمات في إجبار القيادة الأمريكية على تغيير وضعها الدفاعي، وزيادة المسافة بين السفن، وتمديد خطوط الدعم، فإن التأثير التراكمي قد يكون أكبر بكثير من نتيجة هجوم واحد.
من هذا المنظور، لم تعد ساحة المعركة الرئيسية هي السفينة نفسها، بل المسافة بينها وبين مضيق هرمز
هذا أمر بالغ الأهمية. فكل متر أو كيلومتر يُجبر الأسطول الأمريكي على التراجع قد لا يعني بالضرورة كسر الحصار تمامًا، ولكن إذا استمر هذا التوجه، فسيؤدي ذلك إلى انخفاض تدريجي في فعالية الحصار. قد تظل الولايات المتحدة قادرة على الهجوم، لكنها ستضطر للعمل من مسافة أبعد لممارسة الضغط نفسه.
في المقابل، تتمتع إيران بميزة جغرافية في محيطها القريب من الساحل والمضيق. وكلما ابتعدت القوات الأمريكية، ازدادت هذه الميزة النسبية لإيران، إذ تستطيع إيران استخدام عمق أراضيها، وأنظمتها الساحلية، والاستطلاع، والصواريخ، والطائرات المسيّرة لزيادة تكلفة اقتراب الأسطول.
لهذا السبب، إذا كان هدف طهران هو كسر الحصار، فليس من الضروري بالضرورة تدميره دفعة واحدة؛ يكفي دفعه للخلف تدريجيًا.
لهذا السبب، إذا كان هدف طهران هو كسر الحصار، فليس من الضروري بالضرورة تدميره بالكامل دفعة واحدة؛ يكفي دفعه للخلف خطوة بخطوة. في مثل هذه الحالة، يجب نقل خط الحصار، الذي كان في البداية على مسافة قريبة، تدريجيًا إلى مسافة أبعد، لكن الولايات المتحدة ستضطر إلى إدخال المزيد من الطائرات والأنظمة بعيدة المدى لتعويض هذه المسافة. يمكن للولايات المتحدة إعادة تصميم تشكيلها، أو جلب سفن إضافية، أو استخدام طائرات بعيدة المدى، أو تنفيذ المزيد من العمليات من قواعد برية. لكن هذا بحد ذاته سيؤدي إلى زيادة تكلفة العملية وتعقيدها.
لذا، ستكون المعركة الرئيسية من الآن فصاعدًا حول أي طرف يستطيع تثبيت ميزان القوى لصالحه.
إذا تمكنت إيران من إبقاء السفينة على مسافة أبعد ولكنها فعّالة، فسيستمر الضغط. أما إذا استطاعت إيران زيادة المسافة الآمنة التي تطلبها الولايات المتحدة تدريجيًا، فسيتحول الحصار تدريجيًا من عملية قريبة وفعّالة إلى عملية طويلة المدى ومكلفة ومعقدة.
في هذه الحالة، حتى دون إغراق السفينة، طرأ تغيير جوهري: لم يعد بإمكان الولايات المتحدة ممارسة نفس مستوى الضغط بنفس التشكيل الأولي.
لذا، لا ينبغي قياس نجاح إيران بعدد الصواريخ التي أُطلقت أو حجم الأضرار التي لحقت بالأسطول الأمريكي فحسب، بل المؤشر الأهم هو ما إذا كانت السفن الأمريكية تُجبر على الابتعاد أكثر بعد كل جولة من الهجمات.
إذا كانت الإجابة بنعم، فإن استراتيجية إيران تتمثل في إنشاء منطقة عازلة عملياتية حول مضيق هرمز، وهي منطقة يرتبط دخول القوات الأمريكية إليها وتواجدها فيها بمخاطر متزايدة.
في نهاية المطاف، هذه المعركة ليست معركة لإغراق السفينة الأمريكية، بل معركة لدفعها إلى الوراء.
في مثل هذه الظروف، قد يُمثل كل انسحاب للسفن انتصارًا تكتيكيًا لإيران، ولكن إذا ما استمر هذا الانسحاب، فقد تُؤدي سلسلة من النجاحات التكتيكية إلى تغيير استراتيجي في مسار الحصار الأمريكي.
