الوقت - تشي التطورات التي شهدتها الأيام الأخيرة في الجنوب اللبناني بأن رحى المعركة الدائرة بين جيش الاحتلال الصهيوني وحزب الله قد دخلت طوراً جديداً؛ طوراً استحالت فيه مرتفعات “علي الطاهر” المتاخمة لمدينة النبطية جنوبي لبنان إلى بؤرة من أهم بؤر الصراع المشتعل، ليبرز الآن تساؤل ملحّ: هل ستكون الوجهة القادمة لجيش الاحتلال هي توسيع رقعة عملياته لتطال عمق مدينة النبطية أم لا؟
في الثالث من سبتمبر، أعلن جيش الكيان الصهيوني أنه، وبعد أسابيع من العمليات البرية والحصار الخانق، قد أحكم “سيطرته العملياتية” على مرتفعات علي الطاهر. وزعم جيش الاحتلال أن قوات الفرقة المدرعة السادسة والثلاثين قد طهّرت مسارين تحت الأرض خلال عملياتها، مدعياً كذلك اكتشاف مراكز قيادة ومستودعات أسلحة وبنى تحتية تابعة لحزب الله في تلك المنطقة.
غير أن هذا الادعاء قوبل بالدحض والنفي من قبل مصادر مقربة من حزب الله، والتي أكدت مرابطة قوات الحزب واستمرار تمركزها في تلك المناطق. ومن هنا، تنبثق شكوك جادة ومشرعة حول حقيقة حجم السيطرة الصهيونية على المرتفعات ذاتها.
تكمن الأهمية الاستراتيجية لمرتفعات “علي الطاهر” في عبقرية موقعها الجغرافي؛ إذ تتربع هذه القمم على بُعد يتراوح بين 12 إلى 15 كيلومتراً من حدود الأراضي الفلسطينية المحتلة، شمالي نهر الليطاني، لتطل على مدينة النبطية والطرق المؤدية إليها. ولهذا، فإن إحكام القبضة على هذه المرتفعات من شأنه أن يمنح الكيان الصهيوني هيمنةً استطلاعيةً وقدرةً على فرض سطوة نارية على النبطية وما جاورها. وفي هذا السياق، وصفت وكالة رويترز مرتفعات علي الطاهر بأنها إحدى أهم النقاط المفصلية في الحرب الدائرة رحاها بين الكيان الصهيوني وحزب الله.
وقد عمد الكيان الصهيوني صراحةً إلى ربط مصير مرتفعات علي الطاهر بالنبطية. فغداة إعلان السيطرة على المرتفعات، صرّح “يسرائيل كاتس”، وزير حرب الكيان الصهيوني، أن هذه العملية تتوّج “مرحلة إرساء السيطرة على الحزام الأمني في جنوب لبنان”. كما ادعى كاتس أن قرار الاستيلاء على علي الطاهر، جاء وليد معلومات استخباراتية تفيد بوجود أنفاق للقيادة والسيطرة تابعة لحزب الله هناك، معتبراً إياها “المعقل القيادي الأخير للذود عن منطقة النبطية”.
من هذه الزاوية، لا يمكن النظر إلى “علي الطاهر” على أنها مجرد تضاريس عسكرية شاهقة؛ بل هي بوابة مشرعة تطل على النبطية. وقد تواترت في الأسابيع المنصرمة تقارير عديدة تتحدث عن تصعيد الكيان الصهيوني لضرباته في محيط النبطية وعلي الطاهر. بل إن تقريراً تحليلياً في صحيفة “الشرق الأوسط” قد طرح التساؤل صراحةً: هل النبطية هي الهدف الأسمى للكيان الصهيوني، وما علي الطاهر سوى ديباجة أو ذريعة لبلوغها؟
نتنياهو والسعي اللاهث لصناعة نصرٍ مزعوم
في غمرة هذه الأحداث، لا يسعنا التغافل عن الأبعاد السياسية المبطنة لعملية “علي الطاهر”. فرئيس وزراء الكيان الصهيوني، بنيامين نتنياهو، سارع فور إعلان السيطرة على هذه المرتفعات إلى التباهي بها ووصفها بـ “النجاح الاستراتيجي”. وتزامن ذلك مع تصريحات كاتس التي أكد فيها أن الكيان لن يتراجع عن المنطقة التي يسميها “المنطقة الأمنية” إلا بعد تجريد حزب الله من سلاحه في عموم لبنان.
وتأتي هذه التصريحات في خضم مشهدٍ يقف فيه الكيان الصهيوني على أعتاب انتخابات برلمانية مقررة في 27 أكتوبر، وفي وقت لا يزال فيه الموقف السياسي لنتنياهو هشاً يتأرجح على كف عفريت.
ففي استطلاع للرأي أجرته القناة 12 في الحادي عشر من أغسطس، تصدّر حزب “يشار” بقيادة آيزنكوت المشهد بحصده 24 مقعداً، في حين لم يحصد حزب الليكود بزعامة نتنياهو سوى 22 مقعداً، وباتت الكتلة المناهضة لنتنياهو (بدون الأحزاب العربية) على مرمى حجر من تحقيق الأغلبية، بتخلفها بمقعد واحد فقط عن عتبة الـ 61 مقعداً.
وفي استطلاع آخر أُجري في 25 أغسطس، نال “يشار” 24 مقعداً والليكود 21 مقعداً، ورجّحت كفة الكتلة المعارضة لنتنياهو بـ 59 مقعداً مقابل 50 مقعداً لائتلافه. كما تفوّق آيزنكوت على نتنياهو في مقياس الشخصية الأجدر بتولي مقاليد رئاسة الوزراء.
وفي الرابع من سبتمبر، أظهر استطلاع أجراه معهد “لازار” لصالح صحيفة “معاريف”، تفوق الكتلة المعارضة بـ 57 مقعداً مقابل 51 مقعداً لكتلة نتنياهو.
بناءً على ما تقدم، يواجه نتنياهو واقعاً هشاً داخل المجتمع الصهيوني. وفي ظل هذه الظروف العاصفة، فإن تحقيق نصر عسكري يمكن تسويقه للرأي العام من شأنه أن يحمل قيمةً سياسيةً ثمينةً لرئيس وزراء الكيان.
ومن هذا المنطلق، يمكن لنتنياهو أن يستثمر السيطرة على “علي الطاهر” - والتقدم نحو النبطية إن تحقّق - ليروّج له كبرهان على “الإنجاز الأمني” و"توسيع المنطقة العازلة". ولكن يبقى السؤال الجوهري قائماً: هل الاستيلاء على مرتفع، أو حتى على مدينة بأسرها في جنوب لبنان، قادر على رتق الفتق العميق الذي أصاب المصداقية السياسية لنتنياهو؟
الظل الثقيل للسابع من أكتوبر
إن معضلة نتنياهو أعمق من أن تُمحى بجرة نصر عسكري في لبنان. فجزء أصيل من أزمة مصداقيته يضرب بجذوره في صميم الفشل الأمني والاستخباراتي الذي وسم يوم السابع من أكتوبر 2023؛ ذلك اليوم الذي تمكنت فيه فصائل المقاومة الفلسطينية من اختراق الحدود، وتنفيذ عمليات امتدت لساعات طوال في المستوطنات الجنوبية، موقعةً الأجهزة العسكرية والأمنية للكيان الصهيوني في فخ صدمة مباغتة.
ولا تزال أصداء هذه الهزيمة وتداعياتها حيةً تنبض في وجدان المجتمع الصهيوني. ففي استطلاع أجرته القناة 12 في يونيو 2026، أعرب 74% من الإسرائيليين عن خشيتهم من تكرار هجوم يماثل هجوم السابع من أكتوبر، بينما أيّد 66% تشكيل لجنة تحقيق حكومية مستقلة لسبر أغوار ذلك الإخفاق الأمني. يأتي هذا في وقتٍ أبدت فيه حكومة نتنياهو مقاومةً شرسةً ومستميتةً ضد تشكيل مثل هذه اللجنة المستقلة.
بل إن حكومة نتنياهو، وإمعاناً في وضع العصي في العجلات خلال الشهر الماضي حيال تشكيل لجنة التحقيق في أحداث 7 أكتوبر، أبلغت المحكمة العليا بعدم قدرتها على إنجاز التشريع الخاص بلجنة التحقيق قبل حلول موعد الانتخابات، مناشدةً المحكمة النأي بنفسها عن التدخل في هذا الشأن قبل الاستحقاق الانتخابي.
ويرى حتى المنتقدون في الداخل الإسرائيلي أن جوهر الخلاف حول التحقيق لا ينصب على الشكل الذي ستتخذه اللجنة فحسب، بل يرتكز أساساً على التوجّس من التداعيات السياسية لما ستسفر عنه نتائج التحقيقات. ولأجل ذلك، يظل ملف السابع من أكتوبر يمثّل نقطة الضعف السياسية الأكثر إيلاماً لنتنياهو.
في خضم هذه الأجواء المشحونة، جاء سعي نتنياهو لتسخين الجبهة اللبنانية وتصوير عملية “علي الطاهر” على أنها نصر مؤزر، بغية حرف أنظار الرأي العام، ولو لحين، عن التساؤلات الشائكة المحيطة بإخفاق 7 أكتوبر، وتوجيهها نحو “إنجازات أمنية مستحدثة”. غير أن المعضلة تكمن في أن انتكاسة السابع من أكتوبر لم تكن مجرد عثرة تكتيكية عابرة، بل كانت صدعاً عميقاً زلزل الثقة في قدرة حكومة نتنياهو على توفير الأمن.
لذا، وحتى إن نجح الكيان الصهيوني في إحكام قبضته التامة على “علي الطاهر” وتوغّل في شوارع النبطية، فإن هذا التقدم لن يمحو بجرة قلم المسؤولية السياسية التي تطوق عنق نتنياهو إزاء ما جرى في 7 أكتوبر. فملف هذا الإخفاق المريع لا يزال مفتوحاً على مصراعيه، والمطالبة بإجراء تحقيق مستقل لا تزال تتردد أصداؤها بقوة في أروقة المجتمع الصهيوني.
النبطية؛ معركةٌ أشدّ ضراوةً وأكثر تعقيداً من “علي الطاهر”
من المنظور العسكري البحت، سيكون من السذاجة بمكان تصور أن الزحف من “علي الطاهر” نحو النبطية سيكون نزهةً أو عمليةً يسيرةً. فالتباين بين الجغرافيتين يحمل دلالات بالغة الأهمية.
إن “علي الطاهر” عبارة عن سلسلة من المرتفعات، يتيح اعتلاؤها أفضليةً استراتيجيةً كبرى على صعيد المراقبة والاستطلاع والتغطية النارية. ومع ذلك، فقد اصطدم الكيان الصهيوني في هذه البقعة ذاتها بمقاومة باسلة وحرب استنزاف طويلة الأمد. فقد أشار تقرير لموقع “ديفينس نيوز” في أواخر أغسطس إلى أن جيش الاحتلال تجرّع مرارة الإخفاق في ست محاولات متتالية لاحتلال هذه المرتفعات قبل إعلانه الأخير عن السيطرة عليها. ويوضح التقرير عينه أن ارتفاع “علي الطاهر” يبلغ حوالي 600 متر، ما يجعلها تطل على النبطية وطرقها.
كما يتحدث تقرير لمعهد دراسات الحرب عن حصار استمر لأشهر، مبيناً أن القوات الإسرائيلية طوّقت “علي الطاهر” منذ أواخر يونيو، وضيّقت الخناق على قوات حزب الله داخل بنيتها التحتية الجوفية لأكثر من شهرين.
وعليه، إذا كانت السيطرة على مرتفعات “علي الطاهر” قد تطلبت هذا المخاض العسير وتلك المدة الطويلة من العمليات المكثفة، فإن اقتحام مدينة ومحاولة فرض السيطرة عليها سينطوي، بلا ريب، على تعقيدات أشدّ هولاً.
فالنبطية ليست مجرد تلة معزولة، بل هي مدينة نابضة. وتوغل القوات الصهيونية في نسيجها العمراني يعني التوحل في متاهة من المباني والشوارع المتشعبة والأحياء المكتظة، مما يفتح الباب على مصراعيه أمام حرب عصابات غير متكافئة وكمائن مميتة. وفي بيئة كهذه، لا يضمن التفوق الجوي والمدرع للكيان الصهيوني بالضرورة بسط سيطرة سريعة وقليلة التكلفة على المدينة.
ومن هذا المنطلق، فإنه في حال اتخذ الكيان الصهيوني قراره بالزحف من مرتفعات “علي الطاهر” نحو النبطية ذاتها، فمن المرجح أن يجد نفسه وجهاً لوجه أمام حرب عصابات استنزافية؛ حربٌ لا تقتصر معضلتها على مجرد اختراق أسوار المدينة، بل تتعداه إلى تحديات كبرى تتمثل في الحفاظ على خطوط الإمداد، وتمشيط الأحياء، والحيلولة دون عودة فصائل المقاومة، فضلاً عن تثبيت موطئ قدم عسكري.
وحتى التحليلات التي طفت على السطح بشأن “علي الطاهر” قد أطلقت صافرات الإنذار بأن السيطرة على مرتفع ما، لا تعني بأي حال من الأحوال إحكام السيطرة التامة على محيطه الجغرافي. فالسيطرة على المرتفعات تمنح بلا شك أفضليةً في الرصد والتغطية النارية، غير أن إخضاع منطقة شاسعة يستوجب خوض غمار مواجهة شرسة ضد شبكات الأنفاق السرية والقوات المرابطة على الأرض.
وخلاصة القول، إن معركة النبطية قد تكبّد الكيان الصهيوني أثماناً باهظةً تفوق بأشواط ما تكبّده في معركة “علي الطاهر”. فرغم أن جيش الاحتلال قد ينجح في التسلل إلى بعض النقاط عبر عمليات محدودة، إلا أن ترجمة هذا الاختراق إلى احتلال مستدام وسيطرة مطلقة على مفاصل المدينة تظل مسألةً مختلفةً تماماً، وأمراً دونه عقبات کبيرة.
