الوقت - لا تقتصر حفلات الزفاف بالنسبة لشعوب الشرق الأوسط على كونها مجرد مناسبات عائلية فحسب، بل هي رمزٌ لاستمرارية الحياة ونبضها. غير أنه، وعلى مدى العقدين الماضيين، تحولت العديد من هذه الأفراح في أفغانستان والعراق واليمن، إبان العمليات العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة أو القوات المدعومة منها، إلى مسارح لموت المدنيين الأبرياء. واليوم، يأتي الهجوم الأمريكي الأخير على ذلك المنزل في “كوهستك” بمقاطعة “سيريك” بهرمزغان الإيرانية، حيث كانت تقام مراسم الزفاف، ليُعيد إنتاج مشهد الجرائم الأمريكية المروعة في المنطقة مرةً أخرى.
وتُشير التقارير إلى أن الغارة الأمريكية على هذا المنزل قد أسفرت عن استشهاد ما لا يقل عن أربعة إلى خمسة أشخاص، وإصابة العشرات بجروح. ومما يدمي القلب أن من بين الشهداء طفلاً بريئاً. ومع ذلك، لم تكن هذه المرة الأولى التي تستهدف فيها القوات الأمريكية أفراح المواطنين وأعراسهم في المنطقة، وفي هذا التقرير، سنسلط الضوء على بعض الجرائم الأمريكية المشابهة:
عام 2002: عرسٌ أفغاني تحت وابل القصف
تعود إحدى أقدم حوادث قصف الأعراس من قبل أمريكا إلى الأول من يوليو/تموز عام 2002 في منطقة “دهراوود” بأفغانستان، حيث استهدفت غارة جوية أمريكية حفل زفاف كان مقاماً آنذاك. وفي وقت لاحق، أعلنت التحقيقات العسكرية الأمريكية أن عدد القتلى بلغ 34 شخصاً، والجرحى 50 آخرين، على الرغم من أن التحقيقات والروايات الأفغانية قدمت أرقاماً مغايرةً وأشدّ فداحةً.
عام 2004: “مكر الذيب” في العراق؛ حين أنكرت أمريكا وجود الزفاف من الأساس
ولعل من أكثر الهجمات على حفلات الزفاف إثارةً للجدل، هو الهجوم الذي وقع في 19 مايو/أيار 2004 على قرية “مكر الذيب” في العراق، حيث كان يُقام حفل زفاف هناك. وعقب الهجوم الأمريكي، تحدث المسؤولون المحليون والناجون عن مقتل العشرات؛ وتراوحت أعداد الضحايا في تقارير مختلفة بين 42 و45 قتيلاً، وكان من بين الضحايا نساء وأطفال. غير أن الأمر الأكثر خطورةً من أعداد الضحايا، كان رد فعل الجيش الأمريكي، الذي شكّك أصلاً في إقامة حفل الزفاف، زاعماً أن قواته استهدفت “منزلاً آمناً يُشتبه في إيوائه مقاتلين أجانب”.
ولكن بعد أيام قليلة، نُشر مقطع فيديو لمراسم الحفل قبل وقوع الهجوم، يُظهر مشاهد للعروس والعريس والأطفال، وأجواء الموسيقى والرقص والاحتفال. كما أظهرت الصور الملتقطة بعد الهجوم، بقايا مستلزمات الاحتفال متناثرةً في المكان. وقد نسفت هذه المشاهد الرواية الأمريكية الرسمية التي ادعت بأنه “لم يكن هناك زفاف أصلاً” من جذورها.
عام 2008: عرسٌ أفغاني ينتهي بمصرع 47 شخصاً
وبعد أربع سنوات، وقعت فاجعة أخرى في أفغانستان اتخذت أبعاداً أكثر مأساويةً واتساعاً. ففي السادس من يوليو/تموز 2008، تعرضت مجموعة من المدنيين، كانوا في طريقهم لحضور حفل زفاف، لغارة جوية شنتها القوات الأمريكية. وأسفر تحقيق أجرته الحكومة الأفغانية عن مقتل 47 مدنياً وإصابة 9 آخرين. ووفقاً لهذا التحقيق، كان 39 من الضحايا من النساء والأطفال، بل إن العروس نفسها كانت من بين القتلى. وكعادتها، أنكرت الإدارة العسكرية الأمريكية في بادئ الأمر سقوط ضحايا مدنيين، مدعيةً أن قواتها استهدفت مجموعةً مسلحةً.
في العام ذاته: “ويج باغتو” واستشهاد النساء والأطفال
وفي شهر نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2008، شنت القوات الأمريكية هجوماً أفسد بهجة حفل زفاف في قرية “ويج باغتو” بولاية قندهار. وأكدت التحقيقات الأفغانية أن الهجوم أسفر عن استشهاد 37 مدنياً وإصابة حوالي 27 آخرين، وكان من بين الشهداء 23 طفلاً و10 نساء.
عام 2013: اليمن؛ العرس الذي تحوّل إلى “مأتم”
ولعل من أهم الملفات، من الناحية القانونية، هو الهجوم الذي وقع في 12 ديسمبر/كانون الأول 2013 في اليمن. حيث أطلقت طائرة أمريكية بدون طيار أربعة صواريخ من طراز “هيلفاير” على قافلة تتألف من 11 سيارة في منطقة ريفية يمنية. كانت القافلة تقل ما بين 50 إلى 60 شخصاً وهم في طريقهم لحضور حفل زفاف. وعقب تحقيقاتها في الحادثة، أعلنت منظمة “هيومن رايتس ووتش” عن مقتل ما لا يقل عن 12 رجلاً وإصابة 15 آخرين بجروح، وكانت العروس من بين الجرحى.
تكرارٌ لمسلسل الجرائم
إن السجل العسكري الأمريكي في غرب آسيا وأفغانستان ملطخٌ بسلسلة طويلة من الضحايا المدنيين، والهجمات المثيرة للجدل، والملفات المفتوحة التي لم تُحسم بعد حول انتهاكات حقوق الإنسان؛ فمن أفغانستان والعراق، وصولاً إلى اليمن واليوم في إيران، طالما أسفرت الهجمات الأمريكية عن مقتل واستشهاد مدنيين عزّل، حتى أن المنظمات الحقوقية أشارت في بعض الحالات إلى احتمالية وقوع جرائم حرب.
وفي تقييمها لأداء القوات الدولية في أفغانستان، أكدت منظمة العفو الدولية مقتل وإصابة الآلاف من المدنيين، واصفةً سجل الإدارة الأمريكية في التحقيق وملاحقة المسؤولين المحتملين عن جرائم الحرب بـ “الضعيف”. وفي أحدث اعتراف لها، أقرت وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) رسمياً في عام 2026 بأن ثلاث غارات أمريكية نُفذت في اليمن خلال عام 2025 أودت بحياة 153 مدنياً وأسفرت عن إصابة 243 آخرين؛ في حين طالبت المنظمات الحقوقية بضرورة التحقيق في بعض هذه الهجمات، كالهجوم على ميناء رأس عيسى ومركز لاحتجاز المهاجرين، باعتبارها جرائم حرب.
وتُثبت هذه الوقائع أن القضية لا تندرج تحت مسمى “الخطأ العسكري”، بل هي نهجٌ متكررٌ لجرائم الحرب وإلحاق الأذى بالمدنيين، يتبعه حرمان الضحايا من حقهم في الوصول إلى العدالة والمحاسبة؛ لدرجة أنه حتى في الحالات التي أقرّ فيها البنتاغون نفسه بسقوط ضحايا مدنيين، لم يُفضِ هذا الاعتراف بالضرورة إلى معاقبة الجناة أو تقديم تعويضات ناجعة وعادلة للمتضررين.
