الوقت- كانت لحرب الأشهر الستة بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ضد إيران نتيجة مهمة وربما طويلة المدى على النظام الأمني في الشرق الأوسط، وهي زيادة شكوك الدول العربية في الخليج بشأن موثوقية المظلة الأمنية الأمريكية. تحاول الدول العربية الآن تنويع شركائها العسكريين والأمنيين. وفي هذه الأثناء، أصبحت الصين خياراً جذاباً للدول العربية أكثر من أي وقت مضى. دولة يمكنها، كقوة عسكرية، توفير جزء من الأسلحة والتكنولوجيا والاحتياجات الأمنية للحلفاء العرب.
كتبت وكالة أسوشيتد برس في تقرير جديد حول عواقب الحرب التي استمرت ستة أشهر مع إيران أن هجمات إيران على الدول العربية المدعومة من الولايات المتحدة قد هزت ثقة دول الخليج في الضمانات الأمنية التي تقدمها واشنطن. وتقول وكالة الأنباء إن دول المنطقة تبحث الآن عن خيارات أمنية بديلة، كما تحركت المملكة العربية السعودية لإنشاء ترتيبات دفاعية جديدة.
طيران الإمارات؛ من واشنطن إلى بكين
وتعد دولة الإمارات العربية المتحدة أحد أهم الأمثلة على هذا التغيير في النهج من واشنطن إلى بكين. ولا تزال أبو ظبي تتمتع بعلاقات عسكرية وأمنية واسعة النطاق مع الولايات المتحدة، لكنها في الوقت نفسه، زادت بشكل كبير من تعاونها الدفاعي مع الصين.
وفي أحدث مثال، ستشارك القوات الجوية الصينية والإماراتية في التمرين المشترك "درع الصقر 2026"؛ وستجرى التدريبات في الصين في نهاية أغسطس. ويظهر هذا التمرين أن العلاقات العسكرية بين البلدين تجاوزت مستوى المحادثات السياسية وشراء المعدات ووصلت إلى التدريب المشترك للقوات العسكرية.
كما أفادت رويترز في وقت سابق أن الصين والإمارات أعلنتا استعدادهما لتبادل الخبرات الدفاعية والأمنية وتحسين قدرات القوات العسكرية والمؤسسات الأمنية في البلدين.
الصين ليست مجرد بائع أسلحة
وما يجعل العلاقات بين بكين والدول العربية أكثر أهمية هو التغير في طبيعة التعاون. ويظهر تقرير مجلس الشرق الأوسط في يوليو 2026 أن التعاون الأمني بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي يتوسع في مجالات مثل الطائرات بدون طيار وتكنولوجيا الصواريخ والفضاء والأمن السيبراني والتعاون البحري. ويتيح هذا التعاون للدول العربية تقليل اعتمادها على مورد واحد وتكون لها اليد العليا في المفاوضات الأمنية مع واشنطن. بمعنى آخر، ترغب الدول العربية في الحصول على المزيد من الخيارات.
لماذا تحتاج الإمارات إلى الصين؟
ومن الأسباب الرئيسية لقرب الإمارات من الصين تجربة السنوات الأخيرة في العلاقات الأمنية العربية مع الولايات المتحدة. وحاولت الإمارات لسنوات تحويل علاقاتها مع واشنطن إلى شراكة استراتيجية، لكنها واجهت قيودا في مجال الأسلحة المتطورة. كما أدت الخلافات حول وصول الصين إلى التقنيات الحساسة والطائرات بدون طيار والبنية التحتية للاتصالات إلى خلق توتر بين البلدين بشكل متكرر.
وفي هذا السياق، اتجهت الإمارات نحو شراء المعدات الصينية. وقد تلقت البلاد بالفعل طائرات صينية بدون طيار من طراز Wing Loong II، وأجرت أيضًا محادثات بشأن المعدات والطائرات العسكرية الصينية.
تحمل هذه العملية رسالة واضحة لواشنطن، وهي أنه إذا قيدت الولايات المتحدة الاحتياجات الأمنية للدول العربية، فإن الصين مستعدة لسد جزء من هذه الفجوة.
المملكة العربية السعودية تعمل أيضًا على تنويع شركائها العسكريين
إن التطور في تنويع الشركاء الأمنيين في الدول العربية في الخليج لا يقتصر على دولة الإمارات العربية المتحدة فقط. كما قامت المملكة العربية السعودية بتوسيع علاقاتها الدفاعية مع الصين في السنوات الأخيرة. وتعد المناورات البحرية الصينية السعودية المشتركة المعروفة باسم "السيف الأزرق" أحد أهم الأمثلة. وأجريت الفترة الثالثة من هذه التدريبات عام 2025 وأظهرت زيادة التعاون العملياتي بين البلدين.
وفي الوقت نفسه، سعت الرياض إلى تعزيز التعاون العسكري مع باكستان في عام 2026. وذكرت رويترز في يناير/كانون الثاني أن السعودية وباكستان ناقشتا تحويل جزء من القروض السعودية إلى عقد لشراء طائرات مقاتلة من طراز JF-17 تم بناؤها بشكل مشترك بين باكستان والصين.
ولذلك، فإن المملكة العربية السعودية تتجه في الوقت نفسه نحو تعدد مصادر أمنها. أي أنه على الرغم من أن الولايات المتحدة تظل الشريك الدفاعي الرئيسي، إلا أن احتكار العلاقات الأمنية والعسكرية العربية مع الولايات المتحدة قد تم كسره.
انهيار الثقة في أمريكا بعد الحرب مع إيران
إن العامل الأساسي في تغيير حسابات الدول العربية ليس صعود الصين فحسب؛ بل هي وظيفة المظلة الأمنية الأميركية خلال حرب إيران. واعتمدت الدول العربية على الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة منذ سنوات لحماية نفسها. لكن هجمات إيران على البنية التحتية والمنشآت في الدول العربية أظهرت أن وجود القواعد الأمريكية لا يعني بالضرورة حصانة كاملة لحلفاء واشنطن.
ذكرت وكالة أسوشيتد برس أن هجمات إيران واستمرار الحرب دفعت دول الخليج إلى إعادة النظر في موثوقية الضمانات الأمنية الأمريكية.
ومن هذا المنطلق، فإن قضية الإمارات والسعودية ليست ترك أمريكا بشكل كامل، ولكن ما هو الخيار الآخر أمامهما عندما لا تستطيع أمريكا أو لا تريد الدفاع عن العرب؟ وقد اتجهت إجابتهم بشكل متزايد نحو الصين وباكستان وتركيا وحتى التعاون الإقليمي.
الصين؛ حليف غير متوقع
تتمتع الصين بميزة مهمة على الدول العربية، ولا تجمع بكين عادةً بين تعاونها الاقتصادي والأمني مع الرهان السياسي الواسع الذي تفعله واشنطن.
وفي الوقت نفسه، تتمتع الصين بعلاقات واسعة مع إيران والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. ويظهر تقرير معهد الشرق الأوسط لشهر مارس 2026 أن بكين تمكنت من الحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية مع إيران إلى جانب علاقاتها الاقتصادية والأمنية مع السعودية والإمارات.
وهذا أمر جذاب بالنسبة للدول العربية؛ لأنهم يستطيعون التعاون مع الصين دون الاضطرار بالضرورة إلى تنسيق سياستهم الخارجية بأكملها مع بكين.
وتزداد أهمية هذا التطور عندما نعلم أن الصين أصبحت الآن أحد أهم الشركاء الاقتصاديين للدول العربية.
ووفقا لبيانات لجنة مراجعة العلاقات الاقتصادية والأمنية الأمريكية الصينية، في عام 2025، سيبلغ حجم التجارة الثنائية بين الصين والسعودية والإمارات حوالي 108 مليارات دولار لكل منهما. وهو رقم مهم للغاية.
ولذلك، لم تعد الصين لاعباً أجنبياً بعيداً عن المنطقة؛ وهي حاضرة في قلب اقتصاد الخليج ، وهي تضيف الآن طبقة أمنية وعسكرية إلى هذا الوجود الاقتصادي.
تشكيل نظام أمني متعدد الأقطاب
وتُظهِر التطورات الأخيرة أن الخليج يتجه نحو نظام لم تعد فيه أميركا الطرف الأمني الحاسم الوحيد. الصين تدخل المجالات العسكرية؛ لقد اكتسبت تركيا دوراً أكبر في الترتيبات الأمنية للمنطقة؛ وقد وقعت باكستان اتفاقية دفاع مع المملكة العربية السعودية، وتحاول الدول العربية أيضًا إنشاء قوة دفاع أكثر استقلالية.
وحتى وكالة رويترز نقلت أن السعودية وتركيا وباكستان تعقد اجتماعها الأول في إطار "اتفاقية الدفاع المشترك لمكة"؛ اتفاقية يتم بموجبها اعتبار الهجوم على أحد الأعضاء هجومًا على الجميع.
وينبغي وضع هذه الحادثة بجانب توسع علاقات الصين مع الدول العربية.
في الواقع، أظهرت حرب إيران حقيقة جديدة للدول العربية في الخليج ، وهي أن الاعتماد على قوة أجنبية، بما في ذلك أمريكا، لا يمكن أن يكون ضمانة مطلقة للأمن.
ولهذا السبب، تعمل الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ودول أخرى في المنطقة على تنويع شركائها، وأصبحت الصين شريكًا أمنيًا أكثر من أي وقت مضى.
