الوقت - وقعت الفيضانات المميتة التي ضربت المنطقة الحدودية بين نيبال والتبت، مخلّفةً وراءها مئات القتلى وأكثر من ألف مفقود، إثر انهيار جزء من نهر جليدي طبيعي، مما أطلق العنان لتيار جارف هائل من الماء والطين والصخور والجليد؛ في حادثة نادرة أعادت إلى الواجهة مجدداً حالة القلق المتصاعد إزاء تفاقم المخاطر الناجمة عن ذوبان أنهار جبال الهيمالايا الجليدية.
وبحسب تقرير موقع “الوقت”، نقلاً عن شبكة “الجزيرة”، فقد ساد الاعتقاد في بادئ الأمر بأن زلزالاً كان وراء هذه الكارثة، إلا أن التحريات اللاحقة التي أجرتها هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية كشفت أن الزلزال لم يكن هو المسبب، بل إن انهيار النهر الجليدي بذاته وتدفق الركام هو ما ولّد إشارةً اهتزازيةً مسجلة، تم توثيقها في نهاية المطاف كحدث زلزالي بلغت قوته نحو 5.2 درجة.
وتُظهر دراسة الصور الملتقطة بالأقمار الصناعية أن جزءاً كبيراً من الطرف السفلي لأحد الأنهار الجليدية، على ارتفاع يناهز 5200 متر فوق سطح البحر، قد انفصل وسقط من علوٍّ يقارب 1200 متر. وقد جرف هذا الكم الهائل من الجليد أثناء سقوطه الصخور والرواسب معه، مصطدماً بنهر “لِندي” في إقليم التبت.
وقد أدى تراكم الجليد والصخور إلى سد مجرى النهر مؤقتاً، إلى أن انهار هذا الحاجز الطبيعي، فانطلقت موجة هائلة من الماء والطين نحو المصب. وقد اندفع هذا التيار الجارف في أنهار المنطقة، ومنها نهر “تريشولي”، محطّماً في طريقه القرى والمنازل والطرقات والجسور. وقد ارتفع منسوب مياه نهر تريشولي في بعض النقاط بمقدار 9 أمتار خلال نصف ساعة فحسب.
وتشير التقارير إلى استمرار عمليات الإغاثة والبحث على جانبي الحدود، فيما لا تزال حصيلة الضحايا في تصاعد مستمر. وبحسب آخر ما نُشر، فقد سقط مئات القتلى، فيما تجاوز عدد المفقودين الألف شخص، بينهم عدد لافت من السياح والرعايا الأجانب. وقد أدى تدمير الطرق والجسور، إلى جانب تراكم كميات ضخمة من الطين والرواسب، إلى تعقيد جهود الإغاثة بشكل بالغ.
ولا يزال العلماء عاجزين عن الجزم بأن التغيرات المناخية كانت السبب المباشر وراء انهيار هذا النهر الجليدي، إلا أن هذا الحادث وقع في ظل تراجع ملموس تشهده أنهار الهيمالايا الجليدية، وفقدانها المتسارع لكتلها الجليدية.
وبحسب البيانات الواردة في تقرير “الجزيرة”، فقد فقدت الأنهار الجليدية في منطقة “هندوكوش- هيمالايا” ما بين عامي 2011 و2020 من كتلتها الجليدية بمعدل يفوق العقد السابق بنسبة 65%. كما فقدت الأنهار الجليدية في نيبال قرابة ثلث حجمها الجليدي خلال ثلاثة عقود تقريباً.
ويحذّر الخبراء من أن ارتفاع درجات الحرارة، وتراجع الأنهار الجليدية، وتضاؤل الجليد الدائم، وتسارع ذوبان الثلوج، عوامل من شأنها أن تزعزع استقرار المنحدرات الجبلية، وتزيد من احتمالية وقوع الانهيارات الأرضية، وسقوط الكتل الجليدية، والفيضانات المفاجئة الناجمة عن البحيرات الجليدية.
غير أن إحدى السمات اللافتة في هذا الحادث الأخير تمثلت في غياب أي هطول أمطار يُذكر قبيل وقوع الفيضان، الأمر الذي حال دون قدرة أنظمة الإنذار المبكر التقليدية على رصد الخطر في الوقت المناسب. ويقول الخبراء إنه في مثل هذه الظروف، تبلغ سرعة اندفاع مزيج الماء والطين والصخور حداً بالغاً، بحيث لا تترك سوى هامش زمني ضئيل جداً للنجاة بمجرد رؤية موجة الفيضان.
ويُعد الانهيار الواسع للأنهار الجليدية الطبيعية ظاهرةً نادرةً نسبياً، غير أن العقود الأخيرة شهدت وقوع حوادث مماثلة في التبت وسائر المناطق الجبلية حول العالم.
ففي عام 2016، انهار نهران جليديان في سلسلة جبال “آرو” بالتبت، مطلقَين عشرات الملايين من الأمتار المكعبة من الجليد نحو أسفل الجبل. وفي عام 2018، أدى سقوطان جليديان صخريان ضخمان في حوض “سيدونغبو” بالتبت، إلى اندفاع كمية هائلة من الجليد والركام نحو نهر “يارلونغ تسانغبو”.
وفي عام 2022، انفصلت كتلة جليدية يقارب حجمها 40 مليون متر مكعب عن نهر “بوكادابان فنغ” الجليدي في جبال “كونلون”، وسقطت في إحدى البحيرات، مولّدةً موجةً ارتفعت إلى نحو 13 متراً.
وتكشف مأساة نيبال والتبت أن التحولات المتسارعة التي تعتري أنهار الهيمالايا الجليدية لا تمثّل قضيةً بيئيةً بحتةً فحسب، بل يمكن أن تتحول إلى تهديد مباشر يتربص بالمدن والقرى والبنى التحتية، وأرواح الملايين من البشر القاطنين في مناطق المصبّ.
