الوقت - انطلقت رحى الحملة الاقتصادية الشعواء التي يشنها دونالد ترامب على إيران تحت مسمى “يوم الحسم الاقتصادي” (Economic D-Day)، في خضم تأكيدات واسعة النطاق بأن الإدارة الأمريكية ستعجز عن خنق الشرايين الاقتصادية الإيرانية بالكامل ما لم تقف الصين إلى جانبها. وبحسب تقرير لمجلة “فوربس”، فإن واشنطن قادرة على فرض عقوبات على العشرات من الشركات، والسفن، والوسطاء الماليين، والشبكات التجارية المرتبطة بإيران، غير أن مساعي “العزلة التامة” لطهران ستصطدم بحائط صدّ منيع، ما لم يبدِ المشتري الأول للنفط الإيراني استعداده للانخراط في هذا الحصار الاقتصادي الأمريكي. وفي تحليل نشرته “فوربس” في الخامس والعشرين من أغسطس، خلصت المجلة بصراحة بالغة إلى أن إيران لن تتجرع مرارة حصار اقتصادي حقيقي بمنأى عن تعاون صيني فاعل.
وتظهر هذه الهشاشة البنيوية في صلب الإعلان الصادر عن واشنطن ذاتها؛ ففي حين استهدفت وزارة الخزانة الأمريكية في مرحلتها الأولى نحو 60 فرداً وشركة وسفينة ترتبط بإيران، إلا أنها أحجمت عن فرض عقوبات واسعة النطاق على كبريات البنوك الصينية الضالعة في تبادلات النفط الإيراني. وقد وصفت صحيفة “نيويورك تايمز” هذه الخطوة بأنها أقرب ما تكون إلى “طلقة تحذيرية”، مشيرةً إلى أن إدارة ترامب لم تُمط اللثام بعد عن الكيفية التي تعتزم بها تصعيد ضغوطها الاقتصادية لتبلغ حدّ فصل إيران فعلياً عن جسد الاقتصاد العالمي.
الصين؛ السد المنيع أمام حصار إيران
إن السر وراء الأهمية القصوى التي تكتسيها الصين في الحملة الأمريكية الجديدة لا يقتصر على كونه مجرد ادعاء عابر؛ إذ تشير تقديرات وسائل الإعلام الغربية إلى أن الصين تشتري ما بين 80 إلى 90 بالمائة من صادرات النفط الإيرانية. وقد حددت صحيفة “الغارديان” حصة الصين بنحو 80 بالمائة، في حين قدرت “فوربس”، مستندةً إلى بيانات مجلس العلاقات الأمريكية الصينية، هذه النسبة بقرابة 90 بالمائة. ومن جانبها، أفادت وكالة “رويترز” بأن الصين تشتري أكثر من 80 بالمائة من شحنات النفط الإيراني.
وهذا يعني أنه إذا ما أرادت واشنطن تجفيف المنابع الرئيسية للعائدات النفطية الإيرانية، فلا مناص لها، بحكم المنطق، من استهداف مشتريها الأول، ألا وهو الصين. وبعبارة أبسط، إذا كان ما بين 80 إلى 90 بالمائة من النفط الإيراني المصدر يجد طريقه إلى عميل صيني، فإن شطب الجزء الأكبر من هذه السوق يغدو مستحيلاً دون انخراط بكين.
وهذا تحديداً ما وضعت مجلة “فوربس” إصبعها عليه؛ فمن أجل توجيه “ضربة قاصمة” للاقتصاد الإيراني، تجد أمريكا نفسها مجبرةً على استهداف كبريات الشركات أو المصافي أو البنوك الصينية، غير أن واشنطن، في مرحلتها الأولى، نأت بنفسها عن اتخاذ هكذا خطوة.
بل إن لغة الأرقام في الإحصاءات التجارية تعكس بوضوح ثقل الصين؛ حيث تذكر “فوربس” أن صادرات إيران إلى الصين تبلغ حوالي 14.5 مليار دولار، في حين تقترب وارداتها منها من عتبة الـ 18 مليار دولار؛ أي أن إجمالي هذا التدفق التجاري يناهز 32.5 مليار دولار. ويؤكد التقرير ذاته أن الصين تمثّل، من الناحية العملية، “شريان حياة” للاقتصاد الإيراني.
من ناحية أخرى، يُقدر تقرير نشرته صحيفة “التلغراف” حجم التجارة الثنائية بين طهران وبكين في العام المنصرم بنحو 40 مليار دولار. ورغم أن التباين بين هذا الرقم وتقديرات “فوربس” قد يُعزى إلى اختلاف في السنة المرجعية، أو منهجية الحساب، أو السلع المشمولة في الإحصاء، إلا أن كليهما يصبّان في مجرى حقيقة واحدة مفادها: أن الصين هي الشريك الاقتصادي الأكبر لإيران، وأن بتر هذه العلاقة يُعد الشرط الجوهري لنجاح الحصار الاقتصادي الأمريكي.
لماذا تُحجم أمريكا حتى الآن عن استهداف البنوك الصينية الكبری؟
عندما سُئل وزير الخزانة الأمريكي عن سر عدم فرض عقوبات فورية على كبريات البنوك الصينية، أجاب قائلاً: “لماذا قد أرغب في تفجير النظام المالي العالمي؟”. وقد أبرزت كل من صحيفتي “نيويورك تايمز” و"الغارديان" هذا التصريح كدليل ساطع على توجّس واشنطن من التداعيات الوخيمة لفرض عقوبات على الصين.
وهذا الأمر يكشف عن تناقض داخلي يعتري “يوم الحسم الاقتصادي”؛ فواشنطن بحاجة ماسة إلى الصين لإخضاع إيران، ولكن من أجل فرض حصار خانق ومحكم على طهران، يتوجب عليها دفع الفاتورة الاقتصادية الباهظة للدخول في صدام مع بكين.
ولهذا السبب، أفادت وكالة “رويترز” وصحيفة “وول ستريت جورنال” بأن حزمة العقوبات الأمريكية الأولية، وعلى النقيض من الخطاب الهجومي اللاذع لإدارة ترامب، لا تزال بمنأى عن توجيه ضربة مباشرة لأكبر المؤسسات المالية الصينية. وقد وصفت “وول ستريت جورنال” هذا المشهد بأنه يعني، من الناحية العملية، تسليط الضغط على إيران بالتوازي مع التحاشي الدقيق لضرب أهم “شرايينها” المتمثل في الصين.
الصين: «لن نسير في ركب ترامب»
اتّسم موقف بكين حيال الحصار الاقتصادي المفروض على إيران بصراحة لا لبس فيها. ففي معرض رده على التلويح الأمريكي بفرض عقوبات ثانوية، صرح “لين جيان”، المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، بأن العلاقات الاقتصادية بين بكين وطهران تسير وفقاً لأطر القانون الدولي، ولا ينبغي إخضاعها لأي تدخل أو تشويش. وأطلق تحذيراً مفاده أن بكين لن تتوانى عن اتخاذ “كافة التدابير اللازمة” صوناً لحقوقها ومصالحها المشروعة؛ وهو الموقف الذي قرأته صحيفة “الغارديان” بمثابة إنذار مباشر موجّه إلى واشنطن.
وفي سياق متصل، أوضح موقع “سيمافور” (Semafor) الإخباري في تقرير له أن بكين وطهران قد تعاطتا مع التهديدات الأمريكية الجديدة ببرود تام وأعصاب هادئة. وأشار التقرير إلى أن خطة واشنطن تعاني من ثغرة هائلة بحجم الصين؛ ففي حين لوّح وزير الخزانة الأمريكي بسيف العقوبات الثانوية، إلا أنه أحجم عن الإعلان عن أي عقوبات محددة وواسعة النطاق ضد البنوك الصينية.
ويتناغم هذا الموقف تماماً مع المنطق الاقتصادي الذي تنتهجه الصين؛ فمن جهة، تضمن بكين استمرار تدفق النفط الإيراني إليها، ومن جهة أخرى، يتيح لها هذا الاستيراد تنويع مصادر طاقتها وتقليص ارتهانها للموردين الآخرين. كما تسلط مجلة “فوربس” الضوء على الدور المحوري الذي تلعبه المصافي الصغيرة المستقلة، والتي تتمتع بمرونة أكبر في شراء النفط الإيراني نظراً لقلة ارتباطها بالنظام المالي القائم على الدولار.
شبكة موازية لاختراق جدار العقوبات
وفقاً لتحليل “فوربس”، يتدفق النفط الإيراني عبر شبكة معقدة من الوسطاء، متخذاً من دول مثل ماليزيا وسنغافورة وفيتنام وإندونيسيا ممرات عبور له، في حين تتم تسوية جزء من المدفوعات باليوان الصيني. وتتجلى النتيجة الحتمية لذلك في أن الضغوط الأمريكية، بدلاً من أن تنجح في شل حركة التجارة الإيرانية بالكامل، لا تفعل سوى رفع تكاليف الصفقات وزيادة تعقيد مساراتها التجارية.
في واقع الأمر، لا تؤتي العقوبات أكلها وتحقّق غايتها المنشودة إلا إذا أبدت الأطراف الثالثة استعداداً لإحكام طوق الحصار. أما إذا أبى المشتري الأكبر للنفط الإيراني الانسحاب من المشهد، بل وراح يمدّ طهران ببدائل مالية وتجارية ونقدية، فإن أمريكا ستجد نفسها غارقةً في مستنقع “حرب استنزاف” طويلة الأمد، بدلاً من توجيه ضربة خاطفة وقاصمة.
من حربٍ على إيران إلى حربٍ مع الصين
تشير التقارير إلى أنه في حال عقدت واشنطن العزم على تفعيل المرحلة التالية من العقوبات لتطال كبريات البنوك والشركات الصينية، فإن جوهر الأزمة سينقلب رأساً على عقب. ففي هذه الحالة، لن تقف إيران وحدها في مرمى نيران العقوبات؛ بل ستُستدرج الصين مباشرةً إلى حلبة الصراع الاقتصادي.
وقد أطلقت صحيفة “الغارديان”، نقلاً عن خبراء، تحذيراً من أن بكين تملك أوراق رد قوية، سواء عبر التلاعب بالأسواق المالية، أو من خلال فرض قيود على صادرات المعادن الحيوية إلى الولايات المتحدة.
ولا ينحصر هذا التهديد في الإطار السياسي فحسب؛ فالصين تستحوذ على نحو 90 بالمائة من عمليات معالجة العناصر الأرضية النادرة في العالم، وتسيطر على قرابة 94 بالمائة من إنتاج المغانط المعتمدة على هذه العناصر. وعلاوةً على ذلك، يفيد تقرير صادر عن الكونغرس الأمريكي بأن الصين هيمنت في عام 2024 على معالجة 96 بالمائة من الغرافيت المخصص للبطاريات، و91 بالمائة من العناصر النادرة المستخدمة في المغانط، و70 بالمائة من معدن الإنديوم.
وعلى الضفة الأمريكية، تتجلى تبعية ملحوظة لا يمكن غضّ الطرف عنها. فوفقاً لبيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS)، تكفلت الصين خلال الفترة الممتدة من 2020 إلى 2023 بتأمين حوالي 56 بالمائة من الاستهلاك الأمريكي لمركبات ومعادن العناصر الأرضية النادرة؛ بل إن هذه التبعية تقفز في بعض المواد لتتجاوز عتبة الـ 70 إلى 90 بالمائة.
وبناءً على ما تقدم، إذا ما تحورت عقوبات إيران لتغدو عقوبات واسعة النطاق على الصين، فإن واشنطن ستصطدم بمعضلة أشدّ هولاً، وستجد أمريكا نفسها أمام خيار عسير يتمثل في الانزلاق نحو أتون حرب مع الصين.
وفي حقيقة الأمر، تقف الإدارة الأمريكية اليوم على مفترق طرق. يتمثل المسار الأول في تحاشي واشنطن الاصطدام المباشر مع كبريات البنوك الصينية. وفي هذا السيناريو، قد تنجح العقوبات في تضييق الخناق على الاقتصاد الإيراني، إلا أن الشريان التجاري الرئيسي لإيران سيبقى نابضاً بفضل الصين. أما المسار الثاني، فيكمن في فرض عقوبات صارمة على البنوك، والمصافي، وشركات الشحن، والشبكة المالية الصينية.
وهنا، وإن اشتدت وطأة الضغوط على إيران، فإن الفاتورة التي ستدفعها أمريكا ستتضخّم على الأرجح في صورة حرب تجارية وسلسلة من الإجراءات الانتقامية الصينية. وهذا السيناريو تحديداً هو ما رجّحته مجلة “فوربس”، محذرةً من أنه في غياب التعاون الصيني المطلق، فإن النتيجة الأكثر ترجيحاً لن تكون انهيار البنية الاقتصادية والسياسية في إيران، بل إضعاف اقتصادها بالتوازي مع تصاعد حدة التوتر بين أمريكا والصين، واستمرار حالة من المواجهة الاستنزافية.
حصارٌ مستحيلٌ بغياب بكين
وعلى صعيد وسائل الإعلام الأمريكية، طُرحت الشراكة الصينية-الإيرانية بوصفها “كعب أخيل” ونقطة الضعف الجوهرية في حملة الضغوط الاقتصادية التي يشنها ترامب على طهران. وفي هذا الصدد، أوردت صحيفة “نيويورك تايمز” أن الصين تشكّل العقدة الأكثر استعصاءً في خطة إدارة ترامب؛ ذلك أن بكين تتربع على عرش مستوردي النفط الإيراني، فضلاً عن أن نظامها المالي يتمتع بحصانة قوية تقيه شر التهديد بالعقوبات الأمريكية. ونقل التقرير ذاته عن “دانيال تاننباوم”، الزميل الأول في المجلس الأطلسي، قوله إن التهديدات الأمريكية ستبقى مجرد “كلام مرسل”، ما لم تُترجم إلى إجراءات ملموسة ضد الدول والشركات الكبرى التي تتعامل مع إيران.
في غضون ذلك، تلفت “فوربس” الانتباه إلى الزيارة المرتقبة للرئيس “شي جين بينغ” إلى واشنطن في شهر سبتمبر، مؤكدةً أن التوقيت لا يبدو مواتياً البتة لخوض غمار مواجهة مباشرة مع الصين. فإدارة ترامب تسعى في الوقت عينه جاهدةً لإعادة ضبط إيقاع علاقاتها التجارية مع بكين، ومن المستبعد أن تجازف بسهولة بافتعال أزمة جديدة معها.
وخلاصة القول، إنه في ظل تشعب وعمق العلاقات الاقتصادية بين إيران والصين، فإن الضغوط الاقتصادية لترامب ضد طهران لن تبلغ مقاصدها. كما أن ممارسة الضغط الأمريكي على الصين لن تزيد الطين إلا بلةً، محفوفةً بخطر تحويل الملف الإيراني إلى جبهة مشتعلة جديدة ضمن جبهات الحرب الاقتصادية الدائرة بين واشنطن وبكين.
