الوقت- يعيش سكان جنوب سوريا، وتحديداً في محافظتي القنيطرة ودرعا، حالة من الغضب والقلق المتصاعدين جراء ما باتت تشكله عمليات الاختطاف والاعتقال التعسفي التي ينفذها الجيش الإسرائيلي بحق المدنيين، والتي تحولت خلال الأشهر الأخيرة إلى ممارسة شبه يومية لم تعد تقتصر على حالات استثنائية، بل باتت سمة راسخة للوجود العسكري الإسرائيلي في المنطقة. وقد عبّر أهالي المعتقلين عن سخطهم عبر تنظيم وقفات احتجاجية متكررة، من بينها وقفة نظمها ذوو المعتقلين أمام مقر قوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك "الأندوف" في منطقة نبع الفوار بريف القنيطرة، مطالبين بالكشف عن مصير أبنائهم المختطفين والإفراج الفوري عنهم، في مشهد يعكس حجم المعاناة الإنسانية التي تخلفها هذه الانتهاكات المتواصلة على العائلات السورية. ويرى مراقبون أن هذا الغضب المتصاعد لا ينبع فقط من فداحة الحدث الأمني بحد ذاته، بل من الشعور المتنامي بالعجز أمام غياب أي جهة قادرة على وقف هذه الممارسات أو حتى ضمان معرفة مصير المختطفين، في ظل استمرار الغموض الذي يلف مصير عشرات المعتقلين منذ أشهر طويلة.
اختطاف يتكرر بلا رادع منذ سقوط الأسد
تعود جذور هذه الظاهرة إلى ما بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، حين أعلنت إسرائيل من جانب واحد إلغاء اتفاقية فض الاشتباك الموقعة عام 1974، لتبدأ بعدها بالتوسع تدريجياً داخل المنطقة العازلة وصولاً إلى مناطق واسعة من ريفي القنيطرة ودرعا. ومنذ ذلك الحين، لم تتوقف التوغلات العسكرية الإسرائيلية التي باتت شبه يومية، شملت اقتحام القرى الحدودية، وإقامة حواجز عسكرية مؤقتة لتفتيش المارة، وهدم منازل ومنشآت، من بينها تفجير مستشفى "الجولان القديم" في القنيطرة، إلى جانب عمليات خطف واعتقال طالت عشرات المدنيين، بينهم رعاة أغنام ومزارعون اعتُقلوا أثناء ممارستهم أعمالهم اليومية البسيطة. وبحسب تقديرات موثقة، نفذت إسرائيل خلال نحو عشرين شهراً ما يقارب 1137 عملية قصف جوي ومدفعي داخل الأراضي السورية، إلى جانب 1182 عملية توغل بري، اختطفت خلالها ما لا يقل عن 279 مواطناً سورياً، في مؤشر صادم على حجم الانتهاكات التي تتعرض لها المنطقة دون أي رادع فعلي.
مصير مجهول يُبقي العائلات في حالة ترقب مؤلم
من أكثر جوانب هذه الأزمة إيلاماً أن غالبية العائلات السورية التي فقدت أبناءها في عمليات الاختطاف لا تزال تجهل تماماً مصيرهم أو مكان احتجازهم، إذ يُنقل المعتقلون عادة إلى قواعد عسكرية إسرائيلية مؤقتة قبل ترحيلهم إلى داخل الأراضي المحتلة دون إخطار رسمي لذويهم. وقد روت والدة أحد المعتقلين، هيام العريان، من قرية غدير البستان، كيف تحولت حياتها إلى انتظار مؤلم بلا أفق واضح، بعد اعتقال ابنيها حمزة وعلي، مؤكدة مشاركتها في الوقفات الاحتجاجية أملًا في الحصول على أي معلومة عن مصيرهما عبر بعثة الأمم المتحدة. ويؤكد محامون متابعون لهذه القضايا أن العشرات من المعتقلين السوريين، الذين تجاوز عددهم منذ أواخر 2024 نحو 197 رجلاً، لا يزالون رهن الاحتجاز التعسفي داخل السجون الإسرائيلية، فيما تكتفي إسرائيل بتبرير هذه الاعتقالات بدعوى استهداف "مشتبه بهم بالإرهاب"، دون تقديم أي أدلة أو محاكمات علنية تدعم هذا الادعاء.
توسع ميداني يتجاوز حدود "الاختطاف" إلى الاستيلاء على الأرض
لا تقتصر الانتهاكات الإسرائيلية على عمليات الخطف والاعتقال فحسب، بل تمتد لتشمل مشروعات استيلاء ممنهجة على الأراضي الزراعية السورية، إذ تتوسع أعمال الحفر بالجرافات الإسرائيلية من قرية حضر شمالاً إلى بلدة مسعدة جنوباً، مروراً بعدة قرى حدودية، ضمن ما يوصف بمشروع استراتيجي أوسع يهدف، بحسب مراقبين سوريين، إلى فرض هندسة إقليمية جديدة تُحكم من خلالها إسرائيل قبضتها على الشريط الحدودي بأكمله. وقد أدان مسؤولون ومحللون سوريون هذه المشروعات باعتبارها انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي وسيادة الدولة السورية، محذرين من أن استمرار هذا النمط من التوسع الاستيطاني الزاحف، إلى جانب استمرار عمليات الخطف، يهدد بتحويل جنوب سوريا إلى منطقة نفوذ إسرائيلي دائم يصعب التراجع عنه لاحقاً، بصرف النظر عن أي مفاوضات دبلوماسية تجري بالتوازي. ويحذر هؤلاء المراقبون من أن هذا النهج التدريجي في السيطرة على الأرض، حين يقترن باستمرار عمليات الاعتقال والتخويف اليومي للسكان، يخلق واقعاً ميدانياً يصعب معه لاحقاً الحديث عن أي استعادة كاملة للسيادة السورية على هذه المناطق الحدودية، حتى في حال التوصل مستقبلاً إلى تفاهمات سياسية شاملة بين الجانبين.
مفاوضات باريس تصطدم بواقع الانتهاكات المستمرة
يزيد من حدة الغضب الشعبي السوري أن هذه الاختطافات والتوغلات تتواصل رغم انعقاد جولات تفاوضية سورية إسرائيلية متعددة برعاية دولية، من بينها الجولة الخامسة من المفاوضات التي عُقدت في باريس، والتي اتفق فيها الطرفان نظرياً على وقف فوري لجميع الأنشطة العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية. غير أن الوقائع الميدانية تكشف مفارقة صارخة، إذ وقعت عمليات توغل واعتقال جديدة بعد أيام قليلة فقط من التوصل إلى هذا الاتفاق، ما يعكس عدم جدية إسرائيلية في الالتزام بما يُتفق عليه على طاولة المفاوضات، ويضع الحكومة السورية الانتقالية أمام تحدٍ حقيقي بين الحفاظ على مسار تفاوضي هش من جهة، والاستجابة لضغط شعبي متصاعد يطالب بموقف أكثر حزماً تجاه انتهاكات يومية تمس كرامة المواطنين وسيادة الأرض من جهة أخرى.
غضب شعبي يبحث عن مخرج سياسي حقيقي
في نهاية المطاف، يكشف تصاعد الغضب الشعبي السوري إزاء عمليات الاختطاف الإسرائيلية عن أزمة ثقة عميقة تتشكل تدريجياً بين المواطنين في جنوب سوريا وبين قدرة الدولة السورية الجديدة على حمايتهم من انتهاكات يومية متكررة، في وقت لا يزال فيه المسار التفاوضي عاجزاً عن ترجمة تعهداته إلى وقف فعلي لهذه الممارسات. فبينما تتوالى الوقفات الاحتجاجية أمام مقار الأمم المتحدة، وتتكرر مطالبات العائلات بمعرفة مصير أبنائها، يبقى السؤال الأهم معلقاً: هل تملك الحكومة السورية الانتقالية، أو الأطراف الدولية الضامنة للمسار التفاوضي، الأدوات الكافية لإجبار إسرائيل على وقف هذا النمط الممنهج من الاختطاف والتوغل، أم أن جنوب سوريا مرشح لأن يظل، في ظل غياب رادع فعلي، ساحة مفتوحة لانتهاكات يومية تُضاف تباعاً إلى سجل طويل من المعاناة الإنسانية التي يدفع ثمنها المدنيون العزّل وحدهم؟
