الوقت - كتبت قناة الجزيرة، في تقريرٍ لها لمناسبة مرور 15 عاماً على اندلاع الانتفاضة ضدّ معمر القذافي، أنّ جهود الولايات المتحدة وبعض القوى الإقليمية لإنهاء الانقسام السياسي والعسكري في ليبيا دخلت مرحلةً جديدةً؛ غير أنّ الخلافات العميقة بين الأجنحة المتنافسة، وتضارب مصالح الفاعلين الخارجيين، ما تزال تشكّل العقبة الأبرز أمام تشكيل حكومة موحّدة في هذا البلد.
وتذكّر الجزيرة بأنّ الاحتجاجات ضدّ حكم القذافي في عام 2011 تحوّلت إلى حرب أهلية، قبل أن يصدر مجلس الأمن الدولي تفويضاً بفرض منطقة حظر جوي وحماية المدنيين. وعلى إثر ذلك، دخلت قوات حلف شمال الأطلسي، بقيادة الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، على خطّ العمليات العسكرية؛ وهي ضربات ساعدت في دفع قوات القذافي إلى التراجع ومهّدت لتقدّم معارضيه، وانتهت في نهاية المطاف بسقوطه ومقتله في أكتوبر/تشرين الأول 2011.
غير أنّ ليبيا، بعد 15 عاماً على ذلك التدخّل، ما تزال تصارع تداعيات فراغ السلطة وتنافس الجماعات المسلحة، وقد باتت عملياً مقسّمةً بين بنيتَين متنافستَين للسلطة: حكومة الوحدة الوطنية المتمركزة في طرابلس غربي البلاد، والقوات الموالية لخليفة حفتر في الشرق، حيث يسيطر كل طرف على أجزاء من البلاد.
وبحسب ما تكتب الجزيرة، تحاول واشنطن اليوم، عبر تقديم حوافز اقتصادية والاستثمار في قطاع النفط، دفع الطرفين الليبيين إلى تشكيل بنية سياسية موحّدة. وتولي الولايات المتحدة اهتماماً خاصاً بالموارد النفطية الواسعة في ليبيا، ولا سيما أنّ جزءاً مهماً منها يقع في مناطق خاضعة لسيطرة قوات حفتر.
ووفقاً لتفاصيل مُسرّبة من الخطة الأميركية، تسعى واشنطن إلى إقامة شكل من أشكال الحكومة التشاركية، يبقى فيها عبد الحميد الدبيبة على رأس الحكومة، فيما يتولّى صدام حفتر، نجل خليفة حفتر، منصب الرئاسة. غير أنّ هذه الخطة قوبلت بانتقادات، إذ يرى منتقدون أنّها قد تفضي، بدلاً من تأسيس نظام سياسي قائم على الانتخابات، إلى تقاسم السلطة بين العائلات والنخب العسكرية.
ولا تقتصر مساعي حلّ الأزمة الليبية على الولايات المتحدة وحدها. فتركيا، التي دعمت حكومة طرابلس عسكرياً خلال السنوات الماضية، باتت تؤيد اليوم سياسة «ليبيا الواحدة». وقد التقى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الشهر الماضي، صدام حفتر في أنقرة، ثم زار طرابلس وبنغازي وأجرى محادثات مع الطرفين الرئيسيين في الأزمة.
أما مصر، التي تربطها علاقات وثيقة بحكومة الشرق وقوات حفتر، فتقوم في الوقت نفسه بدور الوساطة. فقد التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، يوم الأربعاء، خليفة حفتر في القاهرة، وبحث معه مسار الوحدة السياسية في ليبيا. كما تؤكد قطر من جانبها ضرورة تنفيذ خريطة الطريق الأممية، والمضيّ في عملية سياسية يقودها الليبيون، وصولاً إلى إجراء الانتخابات.
وعلى الرغم من أنّ توقيع موازنة موحّدة لعام 2026، للمرة الأولى منذ أكثر من عقد، يُعدّ مؤشراً إلى تراجع حدّة الفجوة بين الطرفين، فإنّ الحكومة الموحّدة لم ترَ النور بعد، كما أنّ المفاوضات السياسية لم تبلغ خاتمتها النهائية. وفي الوقت ذاته، تزيد الأزمة الاقتصادية ومشكلات الخدمات العامة، ومن بينها الاحتجاجات الأخيرة في طرابلس بسبب الانقطاعات الطويلة للكهرباء، من الضغوط على البنى السياسية القائمة.
وفي السياق نفسه، أفاد تقرير نشرته اليوم وكالة ANSA بتقدّم المفاوضات السياسية الليبية في إطار حوار 4+4 في تونس، وبالتوقيع على مسودة «الاتفاق النهائي» لإنهاء مرحلة المفاوضات المتعلقة بالخطوتين الأوليين من خريطة الطريق الأممية.
وتكشف تطورات ليبيا أنّ البلد الذي دخل، قبل 15 عاماً، مرحلةً جديدةً بفعل التدخّل العسكري الغربي وتحت وعود الاستقرار والديمقراطية، ما يزال منقسماً بين حكومات وجيوش وقوى خارجية. وها هي الولايات المتحدة نفسها، التي أدّت دوراً محورياً في إسقاط القذافي، تسعى اليوم إلى إدارة الشرخ الذي خلّفه ذلك المسار عبر رافعة النفط والتسوية السياسية؛ غير أنّ مستقبل هذا المسار سيظل مرهوناً بمدى قبول الشعب الليبي والفاعلين الداخليين به، وبحدة التنافس بين تركيا ومصر وقطر وروسيا وسائر القوى الخارجية.
