الوقت - أسفرت أربعة عقود تقريباً من العقوبات الأمريكية الجائرة وغير القانونية المفروضة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، عن إقصاء البلاد إلى هامش دائرة صُنّاع القرار الرئيسيين في سوق النفط العالمية، لا سيما داخل أروقة منظمة “أوبك”، مما أفسح المجال أمام هيمنة غير مسبوقة للمملكة العربية السعودية. غير أن الحرب التي اندلعت في أواخر فبراير إثر هجوم الكيان الصهيوني والولايات المتحدة على إيران، والتي لا تزال رحاها تدور رغم جولات عدة من وقف إطلاق النار، ترافقت مع أزمة إغلاق مضيق هرمز، لتقلب الموازين تدريجياً. فالممر المائي الذي يعبر منه عادةً نحو ربع التجارة البحرية للنفط في العالم، قد تحوّل اليوم إلى رافعة استراتيجية بيد طهران للعودة إلى صدارة معادلات القوة في سوق إمدادات النفط.
من تراجع الصادرات إلى الإعفاءات التصديرية
تأرجح إنتاج إيران من النفط الخام خلال عامي 2025 و2026 في نطاق يتراوح بين 3.2 و3.3 مليون برميل يومياً. ووفقاً لتقرير “مركز سياسة الطاقة العالمية” بجامعة كولومبيا، بلغت الصادرات الإيرانية قبل نشوب الحرب في فبراير 2026 نحو 2.17 مليون برميل يومياً. غير أنه مع اشتداد خناق الحصار البحري الأمريكي في شهر مايو، هوت صادرات النفط الخام الإيراني إلى ما دون المليون برميل، مسجّلةً أدنى مستوى تصديري لها منذ أكثر من عقد من الزمان.
لکن الانخفاض لم يقتصر على صادرات إيران وحدها؛ إذ اضطر باقي المنتجين أيضاً، تحت وطأة الحرب، إلى إيقاف إنتاجهم أو تقليصه بشدة. وقد أسفر هذا الأمر عن ارتفاع أسعار الطاقة العالمية، مما شكّل بطبيعة الحال ضغطاً هائلاً على الولايات المتحدة. وكانت نقطة التحول التالية في 23 يونيو، حين أقدمت وزارة الخزانة الأمريكية، سعياً منها لكبح جماح الأسعار وضبط الأسواق، على إصدار ترخيص عام عُرف باسم «جي إل إكس» (GLX)، سمحت بموجبه، ولأول مرة منذ أكثر من أربعة عقود، ببيع النفط الإيراني وتسويته بالدولار لمدة ستين يوماً؛ وهي خطوة أفضت، بحسب شبكة «سي إن بي سي»، إلى تحرير نحو 67 مليون برميل من النفط الإيراني المكدس في مياه الخليج الفارسي.
مضيق هرمز وتهميش نصف أعضاء أوبك
أفادت وكالة رويترز بأن إغلاق مضيق هرمز منذ شهر فبراير أدى إلى اقتطاع أكثر من 14 مليون برميل يومياً من الإمدادات العالمية، ودفع بأسعار خام برنت للتحليق حتى سقف 118 دولاراً إبان ذروة الحرب. واستناداً إلى بيانات منصة «بورت ووتش» (PortWatch) التابعة لصندوق النقد الدولي، والتي نشرتها شبكة الجزيرة، لم تعبر المضيق في الأسبوع المنتهي في 2 أغسطس سوى نحو أربع سفن يومياً، مقارنةً بـ 90 سفينة في الفترة ذاتها من عام 2025، وهو ما يعكس انهياراً يقارب 96% في حركة الملاحة وحجم النقل.
ووفقاً للتقرير ذاته، يشهد المضيق في الظروف الاعتيادية عبور ما يناهز 20 مليون برميل من النفط الخام والمشتقات يومياً، يتجه 80% منها إلی آسيا، وتستحوذ الصين والهند على النصيب الأوفر منها. كما تقوم قطر والإمارات بتصدير نحو خُمس التجارة العالمية من الغاز الطبيعي المسال عبر هذا الممر الذي لا بديل عملياً عنه. كل هذا مكّن إيران فعلياً من بسط سيطرتها، عبر إحكام قبضتها على المضيق، على إنتاج وصادرات أكثر من نصف أعضاء أوبك؛ وهي قوة منقطعة النظير في الجغرافيا السياسية للطاقة العالمية، استطاعت طهران ترجمتها إلى واقع ملموس في ظلال الحرب.
تصدع اقتدار الرياض: انسحاب الإمارات وتهديدات العراق
وفي نهاية المطاف، سرعان ما تجلت تداعيات الحرب وإغلاق المضيق في هيئة سلسلة من التوترات العاصفة داخل أروقة منظمة أوبك. تمثّل أول صدع كبير في جبهة المنظمة بالانسحاب الرسمي للإمارات من أوبك وأوبك بلس اعتباراً من الأول من مايو 2026، وهو قرار وصفته أبوظبي بأنه يصبّ في صميم «التركيز على المصالح الوطنية»، وفقاً لما أوردته شبكة الجزيرة وموقع «ميدل إيست آي». كذلك، لوّح العراق - ثاني أكبر منتج وأحد الأعضاء الخمسة المؤسسين لأوبك - علانيةً بالانسحاب من المنظمة تحت وطأة الأزمة المالية التي أفرزتها الحرب، وذلك في حال عدم الاستجابة لمطلبه بزيادة كبيرة في حصته، والتي بلغت في شهر يوليو 4.378 مليون برميل يومياً بحسب وكالة رويترز. وكنتيجة لهذه الاضطرابات، واستناداً إلى الإحصاءات الرسمية لمنظمة أوبك، هوى إنتاج المنظمة في شهر مايو بمقدار 1.22 مليون برميل، ليستقر عند 16.33 مليون برميل يومياً، مسجّلاً بذلك أدنى مستوى له منذ عام 1989.
وفي خضم هذه المعمعة، وبحسب ما ذكرته «مؤسسة هيريتيج»، لم تفلح سوى المملكة العربية السعودية في الحفاظ على ما يقارب 40% من صادراتها، وذلك بفضل امتلاكها لخط أنابيب موازٍ يمتد نحو البحر الأحمر ويتيح التصدير عبر ميناء ينبع. في المقابل، وقفت دول مثل الكويت والعراق والبحرين عاجزةً فعلياً عن التصدير، لافتقارها إلى مسارات بديلة أو خطوط أنابيب.
صراع الحصص السوقية وعودة أوبك بلس
مع الافتتاح الجزئي لمضيق هرمز في شهر يونيو، انخرط منتجو الخليج الفارسي في حلبة سباق محموم لتصريف مخزوناتهم المتكدسة. وبناءً على بيانات شركة «كبلر»، حلقت الصادرات الإماراتية مسجّلةً رقماً قياسياً بلغ 3.8 مليون برميل يومياً، لتهبط أسعار خام برنت إلى حدود الـ 70 دولاراً بحلول أوائل يوليو. غير أن تقريراً لشبكة الجزيرة أشار إلى أن تجدد التوترات في المضيق عاد ليدفع بأسعار برنت إلى مربع 88 - 90 دولاراً، في حين تستبعد إدارة معلومات الطاقة الأمريكية عودة إنتاج الشرق الأوسط إلى مستويات ما قبل الحرب حتى مطلع عام 2027. ورغم كل ذلك، أوردت رويترز أن سبعة من أعضاء أوبك بلس (وهي السعودية، والعراق، والكويت، والجزائر، وكازاخستان، وروسيا، وسلطنة عمان) قد أقروا زيادةً في الحصص بمقدار 188 ألف برميل لشهر سبتمبر؛ وهو مسار من المرجّح أن يبقى حبراً على ورق في ظل غياب الاستقرار عن المضيق.
توازن جديد للقوى بين مصدري النفط
لقد تضافرت العوامل السالفة الذكر لتُفضي إلى نتيجة مفارقة؛ ففي الوقت الذي تتصاعد فيه الضغوط الرامية إلى إقصاء النفط الإيراني من السوق، يتعاظم في المقابل نفوذ طهران وتأثيرها على الأسواق. إن حصة أوبك من الصادرات العالمية، التي ناهزت الـ 80% في حقبة مضت، وتراجعت لتبلغ ما يربو قليلاً عن نصف السوق قبيل الحرب، قد هوت اليوم، وفقاً لمؤسسة هيريتيج، إلى ما دون النصف؛ وهو مسار أجّج وتيرة نمو الإنتاج في كل من الولايات المتحدة والبرازيل وكازاخستان لسد العجز في السوق.
وفي غضون ذلك، أدت الحصانة النسبية التي تميزت بها السعودية عبر مسار البحر الأحمر، إلى وضع هيمنتها ومكانتها كقوة ضابطة لإيقاع أوبك على محك التساؤل والشك؛ فباقي الأعضاء العالقين في شرك مضيق هرمز، لم يعودوا مستعدين للإذعان لخطط السعودية الرامية إلى تقييد الإنتاج.
وعلى النقيض من ذلك، تمتلك إيران في آنٍ معاً ورقتين بالغتي الأهمية للتأثير على السوق؛ فمن جهة تُحكم قبضتها على مضيق هرمز، ومن جهة أخرى تضع عبر حركة أنصار الله مصفاة جازان السعودية تحت مرمى النيران، ناهيك عن سيطرة اليمنيين على مضيق باب المندب. وتمثّل هذه الثنائية رافعةً تعزّز من الثقل الجيوسياسي لطهران في كلا الممرين البحريين وبين سائر أعضاء منظمة أوبك.
في خضم هذه المعطيات، فإن مساعي إيران الرامية إلى ترسيخ حقها السيادي في إحكام السيطرة على مضيق هرمز، من شأنها أن تقلب معادلة القوة في سوق النفط رأساً على عقب؛ فمن الآن فصاعداً، لن تقتصر طهران في مساومتها على ورقة حصتها السوقية فحسب، بل ستتوسل برافعة تقرير المصير لما لا يقل عن 20% من إمدادات النفط العالمية التي تعبر من مضيق هرمز.
