الوقت- تجاوزت الخطة المثيرة للجدل التي وضعها إيتامار بن غفير، وزير الأمن الداخلي للكيان الصهيوني، لإنشاء خندق مليء بتماسيح النيل حول سجن "كتزيوت"، حيث يُحتجز عدد كبير من الفلسطينيين، مجرد إجراء أمني روتيني، وأصبحت رمزًا لتصاعد السياسات اللاإنسانية ضد الفلسطينيين.
ورأى يواف ليتفين، وهو كاتب وباحث في علم النفس وعلم الأعصاب، في مقال له في صحيفة "نيو عرب"، أن هذه الخطة دليل على التخلي عن الاعتبارات السطحية بشأن معاملة الفلسطينيين، وأن آليات القمع والإبادة التي يمارسها الصهاينة باتت أكثر وضوحًا.
في الأسابيع الأخيرة، اقترح بن غفير بناء خندق حول سجن كيتزيوت جنوب إسرائيل لإيواء تماسيح النيل. استُلهمت الفكرة من ما يُسمى بـ"ألكاتراز التماسيح" في فلوريدا، وهو مركز احتجاز للمهاجرين في منطقة نائية محاطة بحيوانات برية خطيرة.
لكن ما حوّل الاقتراح من مجرد فكرة سياسية غريبة إلى قضية جدية هو التمويل اللازم لتنفيذه. فقد أفادت التقارير أن وزارة الأمن الداخلي الإسرائيلية خصصت حوالي 7 ملايين دولار لبناء الخندق ورعاية التماسيح على المدى الطويل. وقد بدأ البناء بالفعل، إلا أن الجزء المتعلق بنقل التماسيح توقف مؤقتًا بسبب مخاوف تتعلق بسلامة الحيوانات.
كما أكدت تقارير أخرى بدء بناء خندق حول جزء من سجن كيتزيوت، يمتد لمسافة 170 مترًا تقريبًا. لذا، فإن القضية ليست مجرد تصريح مثير للجدل من بن غفير، بل هي جزء من سياسة عملية تجاه الأسرى الفلسطينيين.
لماذا التمساح؟
من وجهة نظر مراقبي الشؤون الفلسطينية، فإن اختيار التمساح ليس مصادفة. يُعدّ تمساح النيل من أخطر الحيوانات المفترسة الكبيرة في العالم؛ إذ يصل طوله إلى حوالي 6.1 متر ووزنه إلى أكثر من 450 كيلوغرامًا. كما تعتمد طريقة صيده على الهجوم المفاجئ والعضّ والدوران الحاد للجسم لإخضاع فريسته.
لذا، فإن استخدام هذا الحيوان حول السجن ليس مجرد حاجز مادي، بل يحمل رسالة نفسية أيضًا: الخوف والترهيب.
وقد أشار بعض الخبراء إلى ضرورة النظر إلى هذه الخطة في سياق أوسع؛ إطارٌ بات فيه العقاب والإذلال وبثّ الخوف في نفوس الفلسطينيين أدواتٍ يستخدمها الكيان الصهيوني لفرض هيمنته.
من الأمن إلى الدراما السياسية
يبدو أيضًا أن خطة خندق التماسيح لا يمكن تفسيرها بمنطق أمني بحت، وإذا كان الهدف هو منع السجناء من الهروب فقط، فإن نظام السجون يمتلك أدوات أمنية تقليدية، لذا فإن استخدام الحيوانات القاتلة يكتسب بعدًا دراميًا وسياسيًا.
يعتقد ليتفين، بصفته باحثًا في علم النفس وعلم الأعصاب، أن مثل هذه الإجراءات قد تحمل رسالة سياسية للجمهور الداخلي للكيان الصهيوني؛ ألا وهي استعراض القوة، والانتقام، والمعاملة العنيفة لمن لا تُحدد لهم حقوق في الخطاب السياسي للكيان الصهيوني. ويرى أن بن غفير يستطيع استخدام هذه السياسات لإثارة مشاعر الخوف والغضب والانتقام والشعور بالتفوق لدى فئات من المجتمع الصهيوني، واستغلالها لتعزيز موقفه السياسي. وهذا أمر بالغ الأهمية، لأن بن غفير يُعدّ من الشخصيات اليمينية المتطرفة في الكيان الصهيوني، وقد تبنى مرارًا وتكرارًا مواقف متشددة تجاه الفلسطينيين والأسرى الفلسطينيين.
السجن، جزء من بنية قمع أوسع
من جهة أخرى، لم يكن مشروع "خندق التمساح" معزولاً. فقد وصفت تقارير حديثة حول أوضاع الأسرى الفلسطينيين مجموعة من السياسات العقابية، بما في ذلك سوء المعاملة، والحبس الانفرادي، والضرب، والتجويع، والحرمان من الرعاية الطبية، التي يمارسها المحتلون الصهاينة ضد الفلسطينيين.
وكانت جمعية الأسير الفلسطيني قد وصفت سابقاً مشروع "خندق التمساح" بأنه عملٌ يهدف إلى بثّ الخوف النفسي والإذلال. وقال عبد الله الزغاري، رئيس الجمعية، إن مجرد طرح مثل هذه الفكرة يرسل رسالة مفادها أن الأسرى الفلسطينيين لا يتمتعون بأي إطار للحقوق أو الحماية القانونية. وفي الوقت نفسه، حذر مسؤولون في هذه المؤسسة من أن الهدف من هذه السياسات ليس مجرد السيطرة الجسدية على الأسرى، بل كسر معنوياتهم وتدميرهم نفسياً. مع ذلك، من غير المرجح أن يفقد الأسرى الفلسطينيون، الذين قاوموا الاحتلال لسنوات خلف القضبان، معنوياتهم مع الإعلان عن خطة خندق التمساح، وقد لا يكترثون لهذه الخطة إطلاقاً، لأن الأسرى الفلسطينيين يتعرضون لمعاملة لا إنسانية متزايدة القسوة من قبل الصهاينة.
ويربط بعض الخبراء هذا السلوك الصهاينة تجاه الأسرى الفلسطينيين بمفهوم "نزع الإنسانية"، ويعتقدون أن سجن كاتزيوت وخندق التمساح ليسا سوى مثال صغير على بنية لا إنسانية أوسع نطاقاً تُسمى الكيان الصهيوني؛ بنية لا يُنظر فيها إلى الفلسطينيين كمواطنين يتمتعون بحقوق الإنسان، بل كقضية أمنية وسكانية.
من خندق التمساح إلى تدمير الحياة
قصة الخنادق المليئة بالتماسيح حول سجن كاتزيوت، رغم أنها تبدو للوهلة الأولى غريبة بل وغير قابلة للتصديق، إلا أنها تكتسب دلالة مختلفة عند ربطها بمجموعة من سلوكيات وسياسات الكيان الصهيوني تجاه الفلسطينيين. لم يعد الأمر مجرد استخدام أسلوب غير مألوف لمنع السجناء من الهرب، بل يثير أيضاً تساؤلاً حول كيفية تحول الإذلال والعقاب والحرمان والعنف ضد الفلسطينيين إلى جزء من السياسة والخطاب الرسميين.
وثّقت تقارير عديدة صادرة عن الأمم المتحدة ومؤسسات حقوق الإنسان في السنوات الأخيرة طيفاً واسعاً من ممارسات الكيان الصهيوني في غزة والضفة الغربية؛ من قتل المدنيين وإصابتهم إلى تدمير المنازل والبنية التحتية الحيوية، ومنع أو تقييد الوصول إلى الغذاء والخدمات الطبية، والاعتقالات الجماعية، وتعذيب السجناء وإساءة معاملتهم، والتهجير القسري للسكان. أعلنت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقريرها العالمي لعام 2026 أن القوات الإسرائيلية ارتكبت في عام 2025 أعمالاً اعتبرتها المنظمة جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، وأعمالاً اعتبرتها إبادة جماعية وتطهيراً عرقياً، بما في ذلك قتل الفلسطينيين وتشويههم وتجويعهم وتشريدهم، فضلاً عن التدمير الواسع النطاق لمنازل المدنيين وبنيتهم التحتية.
