الوقت - في خضمّ تحولٍ يُعد من أخطر التحولات السياسية التي عصفت بالساحة التركية في السنوات الأخيرة، أعلن “أوزغور أوزيل”، الزعيم المعزول لحزب الشعب الجمهوري (CHP)، بمعية تسعين نائباً، انسلاخهم واستقالتهم من صفوف أعرق أحزاب المعارضة التركية. وتُوّجت هذه الخطوة بتأسيس ما سُمّي بـ “ييني بارتي” (أي: الحزب الجديد)، ليسطروا بذلك أكبر انشقاق في الذاكرة المعاصرة للمعارضة في البلاد. وما هي إلا سويعاتٌ قلائل على إعلان ولادته، حتى غدا هذا الحزب - متسلحاً بواحد وتسعين مقعداً - ثاني كبرى الكتل النيابية تحت قبة البرلمان التركي؛ في حدثٍ جلل أعاد رسم الخريطة السياسية وصياغة المشهد البرلماني دون خوض أي غمارٍ انتخابي.
ميلاد الحزب الجديد من رحم أزمات “الشعب الجمهوري”
ولم يكن تأسيس هذا الحزب إلا ثمرة مخاضٍ عسير، ونتيجةً لأشهرٍ من الشقاق الداخلي الذي نخر في جسد حزب الشعب الجمهوري؛ وهي خلافاتٌ انقدح شررها الأول إثر صراعٍ محموم على زعامة الحزب، لتستحيل في نهاية المطاف إلى قضايا منظورة في أروقة المحاكم.
وكان “أوزغور أوزيل” قد تربّع على سدة رئاسة حزب الشعب الجمهوري منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2023، عقب إلحاقه الهزيمة بـ “كمال كليتشدار أوغلو” في أروقة المؤتمر العام للحزب. بيد أن محكمةً في العاصمة أنقرة أصدرت حكماً في شهر مايو/أيار من العام الجاري، يقضي ببطلان نتائج ذلك المؤتمر على خلفية شبهاتٍ مالية، لتعيد بذلك تنصيب “كليتشدار أوغلو” زعيماً مؤقتاً يقود دفة الحزب. وعلى الرغم من مسارعة “أوزيل” إلى الطعن في هذا الحكم، إلا أن حالة الضبابية التي اكتنفت القضية، واستمرار “كليتشدار أوغلو” في إحكام قبضته على مفاصل الحزب، دفعته إلى قناعةٍ راسخة؛ مفادها أن تأسيس كيانٍ سياسي مستقل بات خياراً أجدى من الاستمرار في الدوران داخل فلك حزب الشعب الجمهوري.
وقد تشكّل المجلس التأسيسي للحزب الجديد من “أوزيل” والنواب التسعين المنشقين عن حزب الشعب الجمهوري. وفي باكورة اجتماعاتهم، أجمع الأعضاء كلمتهم وانتخبوه رئيساً للحزب بإجماعٍ تام. وفي غضون ذلك، جرى اصطفاء شخصياتٍ بارزة من الحزب الجمهوري - من أمثال: علي ماهر باشارير، ومراد أمير، وغوخان غونادين - لتولي مناصب نواب رئيس الكتلة البرلمانية للحزب الجديد، لتُختتم هذه الخطوات الجادة بإيداع وثائق التأسيس الرسمية في أروقة وزارة الداخلية التركية.
انقلاب موازين القوى في أروقة البرلمان
وكان من أولى الثمار القطاف لهذا الانشقاق، تبدلٌ جوهري عصف بتركيبة البرلمان التركي. فهذا الصرح التشريعي الذي يضمّ بين جدرانه ستمائة مقعد، لا يشغل نواب الأمة منه في الوقت الراهن سوى خمسمائة واثنين وتسعين مقعداً.
ورغم احتفاظ حزب “العدالة والتنمية” بعرشه كأكبر الأحزاب البرلمانية، متربعاً على مائتين وسبعة وسبعين مقعداً، فقد وثب الحزب الوليد - مدججاً بواحد وتسعين نائباً - ليغدو ثاني كبريات الكتل النيابية قوةً وحضوراً. وفي كفةٍ أخرى، تآكلت حصة حزب الشعب الجمهوري لتستقر عند أربعة وأربعين مقعداً، ليهوي بذلك متدحرجاً إلى المرتبة الخامسة في سلم الكتل البرلمانية.
ولا يقف هذا الانقلاب في المواقع عند حدود الرمزية الجوفاء، بل يتجاوزها ليترك أثراً بالغاً؛ إذ ينصّ النظام الداخلي للبرلمان على أن ثقل كل كتلة يحدّد بشكلٍ مباشر نصيبها من اللجان المتخصصة، وما يُتاح لها من منابر الخطابة، وموارد الإدارة، فضلاً عن مقاعد هيئة الرئاسة. ومن هنا، فقد حاز الحزب الوليد، منذ بواكير عهده، من الصلاحيات والمقدرات ما تُفني الأحزاب الناشئة سنين طوالاً من عمرها لبلوغ عُشره. وعلاوةً على ذلك، أضحى هذا الحزب اليوم منتظماً في سلك الكتل التي تمتلك حق التقاضي المباشر أمام المحكمة الدستورية للطعن في القوانين المشرّعة.
نُذُر اتساع رقعة الانشقاق
وتشي التقارير المتواترة بأن عجلة الانفصال عن حزب الشعب الجمهوري، لن تقف عند هذه الحدود. فبناءً على التقديرات، يُرجّح أن تشهد الأيام المقبلة انضواء ما لا يقلّ عن أربعة وتسعين نائباً، من أصل مائة وخمسة وثلاثين يمثّلون الحزب، فضلاً عن التحاق أربعة وسبعين رئيساً، من أصل واحد وثمانين رئيساً لفروع الحزب في الولايات، تحت لواء الحزب الجديد.
وتتزامن هذه التطورات المتسارعة مع استمرار التحقيقات القضائية التي تلاحق طائفةً من مسؤولي حزب الشعب الجمهوري. وبحسب ما تناقلته وسائل الإعلام، فقد شهدت الساحة، منذ مطلع عام 2025 وحتى يومنا هذا، توقيف ستة وعشرين رئيس بلدية محسوباً على هذا الحزب، يتصدرهم “أكرم إمام أوغلو”، عمدة إسطنبول المنتخب، على خلفية تهمٍ تُعنى بالفساد.
المنهج السياسي للحزب الوليد: امتدادٌ لجذور “الأتاتوركية”
تُفصح الوثائق التأسيسية للحزب عن نأي قادته بأنفسهم عن خوض غمار صراعٍ أيديولوجي مع حزب الشعب الجمهوري. بل إن تلك الوثائق لتؤكد، ببيانٍ جلي، أن غاية الحزب الجديد تنشد إحياء التراث السياسي ذاته الذي انبثق من رحمه، بيد أنه يطمح إلى صياغته في هيكلٍ أشدّ متانةً وأكثر نجاعةً، وتمثيلٍ أبلغ أثراً.
وما الخطوات الأولى التي خطاها “أوزغور أوزيل” إلا مرآةٌ عاكسة لهذا التوجه؛ فقد تقصّد إعلان ولادة حزبه متدثّراً بعباءةٍ من الرموز التاريخية والسياسية. فقبيل التدشين الرسمي، اقتفى أثر “مصطفى كمال أتاتورك”، فقصد ضريح “حجي بيرام ولي” ومبنى البرلمان التركي الأول زائراً، ليُتبع ذلك في صبيحة اليوم التالي بالوقوف إجلالاً أمام ضريح أتاتورك نفسه.
ولم يكتفِ بهذا القدر، بل عمد إلى توقيت الإعلان الرسمي عن ميلاد الحزب ليواكب ذكرى إبرام “معاهدة لوزان”؛ تلك المعاهدة التي رسمت ووطدت حدود تركيا الحديثة غداة انهيار الإمبراطورية العثمانية. وقد صاغ “أوزيل” من هذه الخطوات الرمزية، إلى جانب تنديده بما اعتبره ضغوطاً سياسيةً وقضائيةً تُمارس ضد رفاق دربه - مشيراً إلى قضية “أكرم إمام أوغلو” والنزاعات القانونية التي تعصف بحزب الشعب الجمهوري - سرديةً سياسيةً محكمةً يتكئ عليها حزبه الوليد.
ومنذ اللحظة الأولى، وثب الحزب وثبةً جبارةً لانتزاع صدارة المعارضة الرئيسية لحكومة “أردوغان” في استحقاقات عام 2028 الانتخابية، جاعلاً من إعادة إرساء دعائم النظام البرلماني في تركيا قطب الرحى في برنامجه السياسي. فهو يدعو صراحةً إلى طيّ صفحة النظام الرئاسي التنفيذي، وإسباغ المزيد من القوة على الصلاحيات التشريعية والرقابية للبرلمان، مع إرساء مبدأ مساءلة الحكومة تحت قبة المجلس، وإحالة مؤسسة الرئاسة إلى كيانٍ محايد يكتسي طابعاً شکلياً؛ وهو النموذج الذي أطاحت به التعديلات الدستورية عام 2017.
أما في مضمار الاقتصاد، فينحاز الحزب الجديد إلى رؤيةٍ تزاوج بين ضخّ استثمارات القطاع الخاص وتفعيل دور الدولة المحوري. وقد نصّ بيانه الاقتصادي على صون استقلالية البنك المركزي، والمضي في خفض الضرائب غير المباشرة رويداً رويداً، فضلاً عن إصلاح المنظومة الضريبية لتستظل بفيء العدالة، وإعادة النظر في عقود الشراكة المبرمة بين القطاعين العام والخاص، وإضفاء طابع الشفافية الناصعة على مشاريع البنية التحتية.
وفي ساحة السياسة الخارجية، يطالب الحزب بحثّ الخطى لتتويج مساعي انضمام تركيا إلى رحاب الاتحاد الأوروبي، وتحديث اتفاقية الاتحاد الجمركي مع أوروبا، وتعظيم شأن الدور التركي في المحافل الدولية كمجلس أوروبا، ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، مع الحرص الدؤوب على إمساك العصا من المنتصف للحفاظ على علاقاتٍ متوازنة مع كلٍ من روسيا، والصين، وسائر القوى العالمية.
التحديات الجسام الماثلة أمام الحزب الجديد
وعلى الرغم من أن “ييني بارتي” (الحزب الجديد) قد دشّن مسيرته مستنداً إلى ثاني كبريات الكتل البرلمانية، إلا أن جُلّ المراقبين يرون أن الظفر في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة سيكون مرهوناً بعوامل أخرى تتجاوز حدود النفوذ البرلماني. ففي عقيدتهم، يتحتّم على هذا الحزب أن يُفلح، في أمدٍ وجيز، في بسط أروقة تنظيمه الإداري على امتداد الجغرافيا التركية، وبلورة أجندة سياسية واضحة المعالم، واجتذاب أفئدة ناخبين يمتد طيفهم إلى ما وراء القاعدة الشعبية التقليدية لحزب الشعب الجمهوري.
وتزامناً مع دوامة المعضلات الاقتصادية التي تكابدها تركيا، وعلى رأسها التضخم، فمن المرجح أن تدور رحى المنافسة بين أقطاب المعارضة في الانتخابات القادمة حول قضايا تمسّ عصب الحياة؛ كغلاء المعيشة، وتوفير فرص العمل، وإرساء دعائم الرفاه الاجتماعي. وفي خضم هذه الأجواء، فإن قدرة الحزب الجديد على ترجمة ثقله البرلماني إلى قاعدة اجتماعية صلبة، ستكون هي الفيصل في تحديد مكانته في مضمار انتخابات عام 2028.
وفي هذا السياق، يُدلي المحلل السياسي المقيم في أنقرة، “سيركان دميرتاش”، بدلوه في حديثٍ لوكالة أنباء “شينخوا”، معرباً عن اعتقاده بأن قدرة الحزب على تشييد قواعد محلية راسخة، وصياغة سياساتٍ تستهوي أفئدة الناخبين القابعين خارج الأسوار التقليدية لـ (CHP)، ستلعب دوراً حاسماً في رسم ملامح مستقبله.
ويختتم بيانه قائلاً: إن اكتفى هذا الحزب باقتسام كعكة الأصوات المعارضة الحالية مع حزب الشعب الجمهوري، فإن أثره سيبقى قاصراً ومحدوداً. أما إن نجح في استمالة أصوات الحيارى والمترددين، وأولئك الذين أصابهم اليأس والإحباط من المشهد السياسي، فقد يُفلح حينها في إحداث زلزالٍ يقلب الخريطة السياسية التركية رأساً على عقب، قبيل حلول موعد انتخابات 2028.
معضلة المرشح لسدة الرئاسة
ولعل من أهمّ التساؤلات التي تطرح نفسها بإلحاح على طاولة الحزب الوليد، هو تسمية مرشحه لخوض غمار الانتخابات الرئاسية.
ففي طيات السنوات المنصرمة، بذل “أوزغور أوزيل” جهوداً حثيثةً لرصّ صفوف شطرٍ مهم من تيار المعارضة والالتفاف حول “أكرم إمام أوغلو”، عمدة إسطنبول السابق، بل وبلغ به الأمر حدّ تدشين “مكتب ترشيح رئاسي” خُصص لأجله.
بيد أن اعتقال “إمام أوغلو” في عام 2025 بتهمٍ تتعلق بالفساد، وتراكم القضايا المنظورة ضده في أروقة المحاكم، قد ألقى بظلالٍ كثيفة من الشك حول احتمالية حضوره في الاستحقاقات القادمة. وعلاوةً على ذلك، فإن حكم القضاء بإبطال شهادته الجامعية، حتى وإن قُدّر له نيل البراءة من سائر التهم، يشكّل حجر عثرةٍ قانونياً آخر يقف سداً منيعاً في وجه ترشحه.
وإلى جانب “إمام أوغلو”، يلوح في الأفق اسم “منصور يافاش”، عمدة العاصمة أنقرة، كأحد الخيارات المطروحة بقوة. ورغم أنه لم ينسلخ بعد عن جسد حزب الشعب الجمهوري، إلا أن التقارير تشي بمباركته لتأسيس الحزب الجديد، كما أن “أوزيل” طالما أشاد به في محافل شتى كأحد أبرز داعميه. ومع ذلك، لم يتجاوز صنيع “يافاش” حتى اللحظة حدود اتصالٍ هاتفي هنّأ فيه “أوزيل” بولادة الحزب، دون أن يُفصح عن موقفٍ رسمي صريح بشأن الانضواء تحت لوائه.
وفي غضون ذلك، تهمس بعض التكهنات باحتمالية نزول “أوزغور أوزيل” بنفسه إلى معترك السباق الرئاسي. ويُعزى التشديد على الولاء لمبادئ “مصطفى كمال أتاتورك” إلى التمهيد لمثل هذا المسعى. فقد طفق في خطاباته الأخيرة يتحدث بثقةٍ تتعاظم يوماً بعد يوم عن إمكانية إلحاق الهزيمة بحزب العدالة والتنمية، مستنداً في ذلك إلى نتائج بعض استطلاعات الرأي، وإن كانت هذه الاستطلاعات لا تزال تضع حزبه في مرتبةٍ أدنى من الحزب الحاكم.
الاختبار العسير للتنظيم الشامل: ومخاض المنافسة الضروس مع “الحزب الأم”
ورغم التربع على مكانةٍ مرموقة تحت قبة البرلمان، يتحتم على الحزب الجديد، كي يتسنى له خوض غمار الانتخابات العامة، أن يجتاز عقباتٍ من الاشتراطات القانونية والتنظيمية.
فبحسب ما تنص عليه القوانين التركية، يُلزم هذا الحزب بتدشين هياكله التنظيمية في إحدى وأربعين ولاية على أقل تقدير، من أصل إحدى وثمانين ولاية تشكّل خريطة البلاد، فضلاً عن عقد مؤتمره العام الأول قبل موعد الاستحقاق الانتخابي بستة أشهر على الأقل. ويُضاف إلى ذلك اشتراطٌ قانوني آخر يتمثل في وجوب إرساء دعائم الهياكل الحزبية في شطرٍ كبير من الدوائر الانتخابية داخل كل ولاية.
وإلى جانب هذه الأثقال، لا يزال الحزب الوليد محروماً من المنح المالية التي تجود بها الخزانة العامة على الأحزاب ذات الباع الطويل في المضمار الانتخابي. وهكذا، انطلق هذا الكيان في مسيرته متدثراً بعباءةٍ وطنية فضفاضة في البرلمان، غير أنه يفتقر إلى البنية التحتية المحلية الراسخة؛ مما يضطره إلى خوض معارك متزامنة لافتتاح المكاتب في الولايات والمناطق، واستقطاب الأعضاء، وعقد المؤتمرات المحلية، وتدبير موارده المالية المستقلة.
وإزاء هذه التحديات الجسام، يبدو جلياً أن الوجهة القادمة للحزب، بعد أن أرسى دعائم تأسيسه، ستتركز حول منازلة “الحزب الأم” - أي حزب الشعب الجمهوري - في ميادين التنظيم المحلي.
وسيدخل الحزبان في حلبة صراعٍ مباشر لاستقطاب الأعضاء المسجّلين، ورؤساء الفروع في الولايات، ورؤساء البلديات، ومجالس المدن، ولا سيما تلك الشريحة من الناخبين التي منحت أصواتها لحزب الشعب الجمهوري في الانتخابات المحلية لعام 2024. وستبقى قدرة النواب الذين ساروا في ركب “أوزغور أوزيل” على اجتذاب الشبكات المحلية والقاعدة الاجتماعية لحزب الشعب الجمهوري لتصطف إلى جانبهم، إحدى أهمّ البوصلات التي ستحدّد مصير هذا التيار السياسي ومآلاته.
