الوقت- يشير تصريح تساحي هنغبي إلى اعتراف لافت من داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية السابقة بطبيعة الصراع القائم، إذ يؤكد أن الفلسطينيين تمكنوا من الصمود لمدة عامين دون أن يرفعوا الراية البيضاء رغم الدعم الأميركي الكامل لـ"إسرائيل".
هذا المعطى لا يُقرأ بوصفه مجرد رأي شخصي، بل باعتباره انعكاساً لنقاش داخلي حول نتائج الحرب وتداعياتها، فالتصريح يبرز أن الحسابات العسكرية التقليدية لم تكن كافية لتحقيق الحسم، وأن ميزان القوة المادية لم يُترجم بالضرورة إلى انتصار سياسي أو معنوي، مثل هذا التقييم يكشف إدراكاً متزايداً داخل بعض الأوساط الإسرائيلية بأن الصراع لم يعد مجرد مواجهة عسكرية، بل معركة إرادات طويلة النفس، وهو ما يفسر القلق المتكرر من استمرار المواجهة وتحوّلها إلى حالة استنزاف ممتدة.
الصمود كعامل استراتيجي
يرى المسؤول السابق أن بقاء الخصم وصموده يُعدّ في نظره شكلاً من أشكال النصر بالنسبة له، وهي قراءة تحمل اعترافاً ضمنياً بأهمية العامل النفسي والمعنوي في الصراعات غير المتكافئة، فحين يعتبر طرفٌ أن مجرد البقاء إنجاز، يصبح من الصعب إخضاعه عبر الضغط العسكري وحده.
هذا التحليل يوضح أن مفهوم الانتصار ليس واحداً لدى الطرفين؛ فبينما يُقاس لدى الجيوش النظامية بالسيطرة الميدانية، يُقاس لدى حركات المقاومة بالاستمرار والقدرة على تحمّل الخسائر دون انهيار، ومن هنا تتضح إشكالية المواجهة، إذ إن الاستراتيجية المبنية على القوة المفرطة قد تحقق نتائج تكتيكية، لكنها لا تضمن تحقيق أهداف سياسية نهائية، وخصوصاً إذا كان الطرف المقابل يمتلك رواية تعبّئ جمهوره وتمنحه دافع الاستمرار.
التحولات التي أفرزتها الحرب
حسب ما ورد في المقال المنسوب إليه، تحدث هنغبي عن أربعة تحولات استراتيجية نتجت عن الحرب، أولها تعطّل مسار التطبيع مع إحدى الدول العربية، وثانيها عودة القضية الفلسطينية إلى الواجهة الدولية بعد فترة تراجع، وثالثها اتساع رقعة المواجهة لتشمل أطرافاً إقليمية جديدة، ورابعها تداعيات قانونية دولية أثّرت في حركة القيادات الإسرائيلية، هذه النقاط تعكس رؤية تعتبر أن نتائج الحرب لم تكن محصورة في ساحة القتال، بل امتدت إلى السياسة والدبلوماسية والرأي العام العالمي، ويُفهم من هذا الطرح أن التحدي الحقيقي لا يكمن في المواجهة العسكرية نفسها، بل في آثارها المتراكمة التي قد تعيد تشكيل البيئة الاستراتيجية بأكملها، وهو ما يفسر تحذيره من تجاهل قراءة الخصم للأحداث.
قراءة الخصم للأحداث
يشدد المسؤول السابق على أن فهم كيفية تفسير الطرف الآخر لما جرى مسألة حاسمة، مستشهداً بتجارب سابقة اعتُقد فيها أن الضربات العسكرية أضعفت المقاومة، قبل أن يتبين أن تفسيرها كان معاكساً، وفي هذا السياق أشار إلى قراءة يحيى السنوار لأحد المواجهات السابقة بوصفها إنجازاً لا هزيمة، هذه النقطة تسلط الضوء على خطورة الفجوة بين التقدير الذاتي والتقدير المقابل؛ فحين يظن طرف أنه ردع خصمه بينما يرى الخصم نفسه منتصراً، تتولد بيئة قابلة لانفجار جولات جديدة، لذلك فإن التحليل المعروض لا يركّز فقط على الوقائع، بل على تفسيرها النفسي والسياسي، باعتبار أن الصراعات الطويلة تُحسم غالباً بقدرة كل طرف على فرض روايته لا بفرض سيطرته الميدانية فقط.
روح المقاومة بين الواقع والرمزية
التصريح الذي يتحدث عن أن المقاومة «ستنهض من الرماد بقوة جديدة» يحمل بعداً رمزياً عميقاً، إذ يشير إلى أن فكرة المقاومة نفسها باتت عنصراً متجذراً يتجاوز الضربات العسكرية، فحتى مع الخسائر الكبيرة، يرى صاحب التصريح أن الخصوم قد يعتقدون أن التضحيات ثمن مقبول لتحقيق هدف أكبر.
هذا التوصيف يعكس فهماً لطبيعة الحركات التي تستمد مشروعيتها من سردية الصمود والتضحية، حيث تتحول المعاناة إلى عامل تعبئة لا إلى عامل انهيار، ومن زاوية تحليلية، فإن الاعتراف بهذه الحقيقة يعني أن المواجهة لا يمكن حسمها بالوسائل التقليدية وحدها، لأن العامل المعنوي يظل قادراً على إعادة إنتاج القوة حتى بعد الضربات القاسية.
المقاومة الفلسطينية وتجذرها الاجتماعي
تجسد المقاومة الفلسطينية عبر تاريخها نموذجاً لحركات تحرر واجهت اختلال موازين القوة بالإرادة والصبر والتنظيم، فهي لا تعتمد فقط على الوسائل القتالية، بل على شبكة اجتماعية وثقافية تعزز روح الصمود لدى المجتمع، حيث تتحول المعاناة اليومية إلى عنصر تماسك لا تفكك، ويظهر هذا البعد في قدرة الفلسطينيين على الاستمرار رغم الحصار والضغوط، مع الحفاظ على حضور قضيتهم في الوعي العالمي، لذلك ينظر كثير من الباحثين إلى هذه التجربة بوصفها مثالاً على أن الشعوب حين تتمسك بحقوقها تستطيع إطالة أمد المواجهة وفرض نفسها رقماً صعباً في المعادلات السياسية عبر نضال طويل ومتواصل.
استمرارية الفكرة
تنبع قوة المقاومة الفلسطينية من تداخل البعد الوطني بالبعد الإنساني، إذ يرى أنصارها أنها تعبير عن حق شعب في تقرير مصيره والدفاع عن أرضه وهويته، هذا التصور يمنحها طاقة معنوية متجددة، لأن كل جيل ينشأ وهو يحمل الرواية نفسها ويعيد إنتاجها بأساليب مختلفة، كما أن تعدد أشكالها بين العمل الشعبي والسياسي والإعلامي يجعلها أكثر قدرة على التكيف مع المتغيرات، ولهذا يصعب إنهاؤها بقرار عسكري، لأنها ليست تنظيماً واحداً بل حالة مجتمعية واسعة، تتجذر في الذاكرة الجماعية وتستمد استمرارها من شعور عام بالعدالة التاريخية والتمسك بالحقوق، ولذلك تبقى حاضرة في المشهد رغم التحديات والضغوط المتلاحقة وتستمر ما دام الظلم قائماً دوماً.
دلالات التحذير للمستقبل
يختتم المسؤول السابق تحليله بالتحذير من احتمال عودة التخطيط لضرب "إسرائيل" في وقت أقرب مما يُتوقع، داعياً القيادات إلى اليقظة والوحدة، هذا التحذير يعكس رؤية تعتبر أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الضربة الحالية بل في تراكم آثارها على المدى الطويل، فالصراعات الممتدة تُظهر أن كل جولة تحمل في طياتها بذور الجولة التالية، وخصوصاً إذا خرج أحد الأطراف مقتنعاً بأنه حقق إنجازاً معنوياً، ومن هنا يمكن فهم مغزى التصريح: إنه ليس مجرد وصف لمرحلة مضت، بل قراءة استشرافية لما قد يأتي، ورسالة بأن الصراع ما زال مفتوحاً على احتمالات متعددة، وأن روح المقاومة التي يقرّ بها الخصم نفسه تظل عنصراً فاعلاً في معادلة الصراع ومستقبله.
