الوقت- مع تصاعد التهديدات اللفظية لدونالد ترامب ضد إيران وتكثيف الوجود العسكري الأمريكي في المياه الإقليمية، أكدت طهران، استناداً إلى مبدأ الدفاع عن النفس الدولي، أنها تحتفظ بحقها في مهاجمة المصالح الأمريكية في جميع أنحاء المنطقة في حال وقوع أي عدوان عسكري.
في غضون ذلك، وبالإضافة إلى القواعد التجارية والسفن والمقرات السياسية والدبلوماسية الأمريكية في الدول المجاورة، يبرز احتمال تخطيط إيران لإلحاق الضرر بمصالح ترامب الاقتصادية الشخصية وتدمير رأسماله الخاص في حال نشوب مواجهة عسكرية، وهو احتمال لم يُؤخذ في الحسبان بالقدر الكافي.
يعود الفضل في كل نفوذ ترامب ونجاحه في الساحة السياسية والاجتماعية الأمريكية إلى إمبراطوريته التجارية والإعلامية التي جعلت منه مليارديرًا عالميًا، لم تكن هذه الثروة مجرد نقطة انطلاق له إلى عالم السياسة والسلطة، بل أصبحت جزءًا لا يتجزأ من أيديولوجيته ونهجه السياسي، ففي السنوات الأخيرة، اعتمد باستمرار على هذه النجاحات الاقتصادية وما يُزعم من عبقرية في مجال الصفقات ليُظهر نفسه أكثر قدرة من الرؤساء السابقين والمنافسين الحاليين والمنتقدين على حماية المصالح الأمريكية في العالم والحفاظ على نفوذ البلاد في النظام الدولي الانتقالي الراهن.
في ظل هذه الظروف، فإن احتمال خسارة مليارات الدولارات من رأسماله الشخصي نتيجة لسياساته وقراراته في البيت الأبيض يجعله بطبيعة الحال أكثر حذرًا، وربما تكون مصالحه الشخصية أكثر اهتمامًا بعواقب التصرفات المتهورة من المصالح الوطنية للولايات المتحدة.
تمتلك إمبراطورية ترامب الاقتصادية أنشطة تجارية ومالية واسعة النطاق في العديد من دول العالم، ولأن معظم أعمال ترامب تتركز في مشاريع الفنادق والعقارات وملاعب الغولف والمشاريع الفاخرة، تُعتبر دول الخليج الغنية بالنفط من أهم وجهات الاستثمار لمنظمة ترامب.
يُنفَّذ جزء كبير من هذه المشاريع بناءً على ترخيص استخدام اسم ترامب، وهو نموذج ينطوي على أقل قدر من المخاطر المالية لمؤسسة ترامب، وتتماشى هذه الاستراتيجية التجارية مع التوجه المتزايد في دول الخليج نحو تطوير السياحة الفاخرة، والفعاليات الرياضية الكبرى، ومشاريع نمط الحياة الفاخرة، ما وفر منصة مثالية لعلامة ترامب التجارية.
أبرز مشاريع مؤسسة ترامب في المنطقة
وسّعت عائلة ترامب حضورها التجاري بشكل ملحوظ في منطقة الخليج، ولا سيما منذ انتهاء ولاية دونالد ترامب الأولى في عام 2021، ويشمل هذا الحضور، الذي يُمارس بشكل رئيسي من خلال مؤسسة ترامب (التي يديرها إريك ودون الابن) بالإضافة إلى شركات مرتبطة بشركاء ترامب مثل جاريد كوشنر وستيف منوشين، مجموعة واسعة من مشاريع العقارات الفاخرة، وملاعب الغولف، والعملات الرقمية، وصناديق الاستثمار، وقد استثمرت الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وقطر وسلطنة عمان استثمارات ضخمة في قطاعي الترفيه والمشاريع العقارية الكبيرة في السنوات الأخيرة، ما أدى إلى ارتفاع أسعار الأراضي والإيجارات في مدن الخليج الرئيسية.
حسب موقع Via Media، أطلقت مؤسسة ترامب، من خلال شريكها السعودي، دار جلوبال، التابعة لشركة دار الأركان الدولية، ثلاثة مشاريع ضخمة في المملكة العربية السعودية وحدها، في يناير الماضي، أعلنت دار جلوبال عن إطلاق برنامج لبيع مشروعين مدعومين من ترامب بقيمة 10.13 مليار دولار: برج ترامب بلازا في جدة، بتكلفة مليار دولار، والذي يضم وحدات سكنية فاخرة ومركزًا تجاريًا؛ ونادي ترامب الدولي للجولف في وادي الصفرا بالرياض، بتكلفة 7 مليارات دولار، والذي يضم فندقًا فاخرًا وملعبًا للجولف وفيلات فاخرة. وفي يوليو 2025، صرّح إريك ترامب، نائب الرئيس التنفيذي لمؤسسة ترامب، عن المشروع قائلًا: "نحن متحمسون للغاية لتوسيع حضورنا في الشرق الأوسط وتقديم فخامة علامة ترامب التجارية إلى المنطقة من خلال شراكتنا طويلة الأمد مع دار جلوبال".
إضافةً إلى هذه المشاريع الضخمة الثلاثة في المملكة العربية السعودية، لا تقتصر شراكة مؤسسة ترامب مع دار غلوبال على جدة والرياض، إذ تُشير التقارير إلى مشاريع سكنية وتجارية جديدة على ساحل البحر الأحمر ومناطق أخرى، وذلك في إطار رؤية السعودية 2030، وهي خطة يقودها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لتنويع اقتصاد البلاد وتقليل اعتمادها على النفط. وقد أدى التناغم بين علامة ترامب التجارية الفاخرة واستراتيجية الرياض لجذب المستثمرين والسياح الأجانب إلى خلق رابط هيكلي فعّال بين المصالح الاقتصادية لعائلة ترامب والمشاريع الضخمة للتحول الاقتصادي السعودي.
يتجلى بوضوح بصمة هذه الإمبراطورية التجارية في دولة الإمارات العربية المتحدة. فالبرج المؤلف من 80 طابقًا، والذي ذكره إريك ترامب، والمقرر بناؤه تحت اسم "فندق وبرج ترامب الدولي دبي" بالشراكة مع شركة داماك العقارية، ليس مجرد مشروع معماري مميز، بل هو أيضًا واجهة جديدة لعلامة ترامب التجارية في أحد أكثر أسواق العقارات الفاخرة تنافسية في العالم.
وقد رسّخ تعاون مؤسسة ترامب السابق مع داماك، والمتمثل في تطوير نادي ترامب الدولي للجولف في دبي ضمن مجمع داماك هيلز، مكانة علامة ترامب التجارية في سوق العقارات والسياحة الفاخرة في الإمارات، ويُعد ملعب الجولف ذو الـ 18 حفرة، الذي صممه تايجر وودز، جزءًا من مسعى لربط اسم ترامب بشخصيات رياضية بارزة ونمط حياة راقٍ في المنطقة.
وفي أبريل 2025 أيضًا، أعلن إريك ترامب وزاك ويتكوف (نجل ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص لترامب إلى الشرق الأوسط) أن صندوق MGX الإماراتي قد استخدم عملة الشركة الرقمية (التي تبلغ قيمتها دولارًا واحدًا) لاستثمار ملياري دولار في منصة بينانس للتداول.
في قطر، يُمثل مشروع منتجع ترامب، الذي تبلغ تكلفته 5.5 مليار دولار أمريكي، بالشراكة مع شركة الديار القطرية، ذراع التطوير العقاري لصندوق الثروة السيادي القطري، دخول علامة ترامب التجارية مباشرةً إلى سوق استثماري عالمي رئيسي، ويُعدّ هذا المشروع، الذي أُعلن عنه عشية جولة ترامب الإقليمية، ذا حساسية سياسية، إذ إن أي توترات عسكرية في الخليج قد تُعرّض المستثمرين القطريين، فضلاً عن المصداقية التجارية للولايات المتحدة، للخطر.
وفي سلطنة عُمان، يُطوّر ترامب مشروع جمعية ترامب الدولية للتنمية (AIDA)، وهو مشروع متعدد الاستخدامات بقيمة 500 مليون دولار أمريكي، سيضم فندقاً وفيلات وملعباً للجولف، ويجري تنفيذ المشروع بالتعاون مع مجموعة عُمان لتنمية السياحة (هيئة تنمية السياحة العُمانية)، ومن المتوقع اكتماله في عام 2028، ووفقاً لتقديرات نشرتها شركة AGSI، المتخصصة في أبحاث الاستثمار في منطقة الخليج، من المتوقع تمويل الوحدات الفندقية باستخدام العملات الرقمية.
في الوقت نفسه، أدت أنشطة جاريد كوشنر، ممثلةً بشركة "أفينيتي بارتنرز"، واستقطابه ملياري دولار من صندوق الاستثمارات العامة السعودي وكيانات قطرية وإماراتية، إلى خلق روابط مالية متينة بين الدائرة المقربة من ترامب وصناديق الثروة السيادية الخليجية.
تجعل هذه الروابط أي أزمة أمنية واسعة النطاق في المنطقة تهديدًا خطيرًا ليس فقط لسوق العقارات، بل أيضًا لعوائد صناديق الاستثمار المرتبطة بعائلة ترامب.
استجابة متعددة المستويات لهذا التهديد
وبالتالي، وخلافًا للصورة التقليدية للمواجهة الجيوسياسية البحتة بين طهران وواشنطن، ففي حال نشوب نزاع عسكري، ستدخل مصالح اقتصادية خاصة معقدة في المعادلة، لطالما أكدت إيران، في إطار عقيدتها المعلنة للرد غير المتكافئ، أن نطاق الرد يمكن أن يكون متنوعًا ومتعدد المستويات.
في مثل هذا السيناريو، ستصبح الاستثمارات الفاخرة والرمزية المعروفة في المنطقة باسم ترامب أهدافًا محتملة ذات قيمة رمزية وإعلامية عالية؛ أهدافًا قد يوجه إلحاق الضرر بها رسالة سياسية مباشرة إلى الرئيس الأمريكي نفسه.
يُعدّ هذا الأمر بالغ الأهمية من الناحيتين النفسية والسياسية، لطالما ربط ترامب علامته التجارية الشخصية بنجاحه التجاري وقوته التفاوضية، لذا، فإنّ أي تهديد لأصوله الرمزية في الخليج لن يكون مجرد خسارة مالية، بل قد يُقوّض صورته العامة كـ"فائز دائم"، وهي الصورة التي شكّلت ركيزة خطابه السياسي.
أخيرًا، أدّى التوسع غير المسبوق للنفوذ الاقتصادي لعائلة ترامب في دول الخليج إلى تعقيد معادلة الردع أكثر من أي وقت مضى، فرغم أنّ الهيكل القانوني للعديد من هذه المشاريع مُصمّم للحدّ من المخاطر المالية المباشرة التي قد تتعرّض لها مؤسسة ترامب، إلا أنّ اعتماد سمعة العلامة التجارية وتدفقات الإيرادات المستقبلية على الاستقرار الإقليمي يبقى حقيقة لا جدال فيها.
لذا، إذا ما دخلت الولايات المتحدة في مواجهة مباشرة مع إيران، فلن تكون القواعد العسكرية وحدها بمنأى عن التأثير في الحسابات الاستراتيجية للأطراف، بل ستشمل أيضًا الأبراج والفنادق وملاعب الغولف وصناديق الاستثمار.
